إعادة برمجة خلايا مناعية قاتلة الجسم ابتكار علاج مرض السرطان | الشرق للأخبار

ابتكار جديد يمهد لعلاج السرطان.. إعادة برمجة خلايا قاتلة داخل الجسم

نجاح للتجربة في تجارب سريرية على الفئران والقرود

time reading iconدقائق القراءة - 6
إمكانية توجيه جزيئات نانوية دهنية محمّلة بالحمض النووي الريبوزي المرسال نحو نوع محدد من الخلايا المناعية السامة، صورة منشأة بالذكاء الاصطناعي - الشرق
إمكانية توجيه جزيئات نانوية دهنية محمّلة بالحمض النووي الريبوزي المرسال نحو نوع محدد من الخلايا المناعية السامة، صورة منشأة بالذكاء الاصطناعي - الشرق
القاهرة -

طوّر باحثون منصة جديدة قد تمهد لعلاج مناعي جديد يستهدف مرض السرطان، والعدوى، وأمراض المناعة الذاتية، دون حاجة إلى تعديل الخلايا خارج الجسم، كما يحدث حالياً.

تعتمد المنصة الجديدة على الحمض النووي الريبوزي المرسال mRNA، لإعادة برمجة خلايا مناعية قاتلة داخل الجسم مباشرة.

وتشير الدراسة المنشورة في دورية Science، إلى إمكانية توجيه جزيئات نانوية دهنية، محمّلة بالحمض النووي الريبوزي المرسال، نحو نوع محدد من الخلايا المناعية السامة، ثم دفعها مؤقتاً لإنتاج بروتينات علاجية مرغوبة داخل الجسم نفسه، وهو ما نجح في عدة نماذج قبل سريرية شملت الفئران، وقرود المكاك الريسوسي.

خلال السنوات الماضية، برزت طريقة علاج تعرف باسم التفتيش المناعي، كواحدة من أكثر استراتيجيات العلاج المناعي تطوراً؛ إذ تعتمد على استخراج خلايا تائية من المريض، ثم تعديلها وراثياً في المختبر قبل إعادة حقنها مجدداً في الجسم لمهاجمة الأورام.

ورغم النجاح اللافت لهذه المقاربة في بعض أنواع السرطان، إلا أنها لا تزال معقدة، ومكلفة، وتحتاج إلى تجهيزات متخصصة، كما أن قدرتها على استهداف بعض أنواع الخلايا المناعية تبقى محدودة.

سعت الدراسة الجديدة إلى تجاوز هذه العقبات، عبر تطوير نظام يمكنه تعديل الخلايا المناعية مباشرة داخل الجسم، دون استخراجها أو إعادة هندستها خارجياً.

واعتمد الباحثون على جسيمات دهنية نانوية محملة بجزيئات من الحمض النووي الريبوزي المرسال، وهي التقنية نفسها التي اشتهرت عالمياً مع لقاحات فيروس كورونا، لكن بدلاً من استخدامها لتحفيز الجسم على إنتاج بروتينات فيروسية، جرى تصميمها هذه المرة لتوجيه تعليمات جينية مؤقتة إلى خلايا مناعية قاتلة بعينها.

ركز الباحثون على نوع من الخلايا التائية يعرف باسم "الخلايا التائية الفاعلة"، أو Teff، والتي تلعب دوراً رئيسياً في قتل الخلايا المصابة والسرطانية.

ولتحقيق استهداف دقيق لها، صمم الباحثون الجسيمات النانوية، بحيث ترتبط بمستقبل يسمى CX3CR1 يوجد على سطح هذه الخلايا.

ولتحقيق ذلك، جرى ربط الجسيمات بجزيء معروف باسم CX3CL1، وهو جزيء قادر على الارتباط مباشرة بهذا المستقبل.

ووفق الدراسة، نجحت هذه المقاربة في توجيه الجسيمات إلى الخلايا التائية الفاعلة، والمستقبل CX3CR1، سواء في التجارب المخبرية، أو داخل أجسام الفئران وقرود المكاك.

تقليل الآثار الجانبية المحتملة

وأظهرت النتائج أن التوصيل كان انتقائياً بدرجة كبيرة؛ إذ استهدفت الجسيمات الخلايا التائية القاتلة، وبعض الخلايا القاتلة الطبيعية NK cells، التي تحمل المستقبل نفسه، مع امتصاص محدود، وغير نوعي من بقية الخلايا، وهي نقطة أساسية لتقليل الآثار الجانبية المحتملة.

بعد التأكد من قدرة الجسيمات على الوصول إلى الخلايا المستهدفة، اختبر الباحثون ما إذا كان بالإمكان دفع هذه الخلايا لإنتاج جزيئات علاجية مختلفة.

وفي أحد النماذج، أدى العلاج الوريدي بالجسيمات النانوية إلى تحفيز الخلايا التائية المستهدفة، لدى فئران تتعافى من عدوى فيروسية، على إفراز إنترلوكين-2، وهو بروتين مناعي مهم، يساعد على تنشيط الاستجابة المناعية، وتعزيز تكاثر الخلايا التائية.

وفي تجربة أخرى، نجح النظام في دفع الخلايا لإنتاج بروتين غشائي، يساعدها على الانتقال إلى الأنسجة اللمفاوية، وهي خاصية قد تكون مفيدة في تحسين قدرة الخلايا المناعية على الوصول إلى مواقع المرض، أو تعزيز فعاليتها العلاجية.

ويرى الباحثون أن هذه القدرة على "إعادة برمجة" الخلايا المناعية مؤقتاً داخل الجسم، قد تفتح الباب أمام استخدامات علاجية متعددة، منها مكافحة السرطان والعدوى المزمنة، وربما التحكم في بعض اضطرابات المناعة الذاتية، أو الحد من رفض الأعضاء المزروعة.

نحو التجارب السريرية البشرية

واحدة من أبرز نقاط الدراسة تمثلت في نجاح التقنية أيضاً لدى قرود المكاك الريسوسي، وهي خطوة مهمة؛ لأن هذه النماذج الحيوانية تعد أقرب إلى البشر من الفئران من الناحية المناعية والبيولوجية.

وأظهرت التجارب أن الجسيمات النانوية استطاعت الوصول إلى الخلايا التائية القاتلة، التي تحمل مستقبل CX3CR1، وإعادة برمجتها داخل أجسام الحيوانات، ما يعزز احتمالات إمكانية نقل هذه الاستراتيجية مستقبلاً إلى التجارب السريرية البشرية.

وقال الباحثون إن هذه الدراسات تظهر أن الخلايا التائية السامة، والخلايا القاتلة الطبيعية، يمكن تعديلها مؤقتاً داخل الجسم باستخدام الحمض النووي الريبوزي المرسال، وهو ما قد يمهد لفئة جديدة بالكامل من العلاجات الموجهة ضد العدوى، والسرطان، وأمراض المناعة الذاتية، ورفض زراعة الأعضاء.

وتكمن أهمية الدراسة في أنها تحاول الجمع بين ميزتين أساسيتين؛ الدقة العالية في استهداف نوع معين من الخلايا المناعية، والقدرة على تعديلها داخل الجسم مباشرة.

ويمنح استخدام الحمض النووي الريبوزي المرسال هذه المقاربة طابعاً مؤقتاً نسبياً؛ إذ لا يجري تعديل الحمض النووي الدائم للخلايا، بل تمنح تعليمات مؤقتة لإنتاج بروتينات محددة لفترة زمنية محدودة، وينظر إلى هذا الأمر باعتباره عامل أمان مهم مقارنة ببعض تقنيات التعديل الجيني الدائم.

تحديات على طريق العلاج

إضافة إلى ذلك، فإن استهداف الخلايا التائية القاتلة، والخلايا القاتلة الطبيعية قد يوسع نطاق التطبيقات العلاجية الممكنة؛ لأن هذه الخلايا تمثل خط الدفاع الأساسي ضد الفيروسات، والخلايا السرطانية.

ورغم النتائج الواعدة، لا تزال الدراسة في مرحلة ما قبل السريرية، ما يعني أن التقنية لم تختبر بعد على البشر؛ كما أن هناك أسئلة مهمة تحتاج إلى إجابات، منها مدة بقاء التأثير العلاجي، وإمكانية تكرار العلاج بأمان، واحتمالات حدوث استجابات مناعية غير مرغوبة.

كذلك، فإن نجاح استهداف نوع محدد من الخلايا في الحيوانات، لا يضمن بالضرورة تحقيق الكفاءة نفسها لدى البشر، خصوصاً في ظل التعقيد الكبير للجهاز المناعي البشري.

تصنيفات

قصص قد تهمك