
أظهرت دراسة تصويرية صغيرة أن الليثيوم، وهو من أقدم وأهم أدوية علاج الاضطراب ثنائي القطب، لا يبقى ثابتاً في الدماغ بالطريقة نفسها عند تناوله مرة واحدة يومياً مقارنة بتناوله على جرعتين، رغم أن قياسه التقليدي في الدم بعد 12 ساعة من الجرعة قد يعطي نتائج متقاربة في النظامين.
والليثيوم معدن طبيعي يُستخدم بشكل رئيسي كدواء لعلاج بعض حالات الصحة النفسية، خاصةً اضطراب ثنائي القطب، ويُصنف كمُثبِّت للمزاج وتقليل خطر الانتكاس والانتحار، ويُستخدم منذ عقود للمساعدة في إدارة التقلبات المزاجية الحادة المصاحبة لهذه الحالة.
ويعمل الليثيوم عن طريق التأثير على تدفق الصوديوم عبر الخلايا العصبية والعضلية في الجسم، وهو أمر بالغ الأهمية للحفاظ على استقرار المزاج، لكن استخدامه يتطلب متابعة دقيقة لأن هامش الأمان بين الجرعة الفعالة والجرعة السامة ضيق نسبياً، لذلك يعتمد الأطباء عادة على قياس تركيزه في الدم بعد 12 ساعة من آخر جرعة.
وقال الباحثون إن النتائج لا تعني أن المرضى ينبغي أن يغيروا مواعيد أو جرعات الليثيوم من تلقاء أنفسهم، لكنها تضيف دليلاً جديداً إلى نقاش سريري مستمر عن أفضل طريقة لمراقبة العلاج وتخصيص جرعاته، خاصة لدى المرضى الأكثر عرضة للآثار الجانبية أو لتقلبات مستويات الدواء.
تركيز دواء الليثيوم
اعتمدت الدراسة التي نشرتها دورية The Lancet على فحص 41 شخصاً بالغاً تتراوح أعمارهم بين 18 و50 عاماً، مصابين بالنوع الأول أو الثاني من الاضطراب ثنائي القطب، وكانوا في حالة مزاجية مستقرة ويتلقون علاجاً ثابتاً بكربونات الليثيوم. وكان 20 منهم يتناولون الليثيوم مرة واحدة يومياً، بينما كان 21 يتناولونه مرتين يومياً.
وأجرى الباحثون بمدينة دريسدن في ألمانيا 3 جلسات تصوير بالرنين المغناطيسي مخصصة لرصد الليثيوم داخل الدماغ خلال يوم واحد، الساعة 8 صباحاً و2 ظهراً و6 مساء، بالتزامن مع سحب عينات دم لقياس تركيز الدواء في المصل.
ووجد الباحثون أنه عند نقطة القياس التقليدية، أي بعد 12 ساعة من جرعة المساء، لم يكن هناك فرق واضح بين المجموعتين في تركيز الليثيوم في الدم أو في إشارة الليثيوم داخل الدماغ، إذ بلغ متوسط تركيز الليثيوم في الدم 0.66 مليمول لكل لتر في مجموعة الجرعة اليومية الواحدة، مقابل 0.65 مليمول لكل لتر في مجموعة الجرعتين اليوميتين.
لكن الصورة تغيرت عند تتبع الدواء على مدار اليوم، ففي مجموعة الجرعة اليومية الواحدة، تراجع تركيز الليثيوم في الدم خلال ساعات النهار، وتبعه تراجع مماثل في إشارة الليثيوم داخل الدماغ، أما في مجموعة الجرعتين، فارتفع تركيز الليثيوم بعد جرعة الصباح ثم انخفض لاحقاً، واتبعت إشارة الدماغ النمط نفسه تقريباً.
قال الباحثون إن هذه النتائج تشير إلى أن تركيز الليثيوم في الدماغ يتبع تركيزه في الدم بدرجة أوثق مما كان يعتقد في بعض الفرضيات السابقة التي افترضت أن الدماغ قد يخفف تقلبات الدواء في الدم بصورة كبيرة.
وتدعم النتائج فكرة أن تناول الليثيوم مرتين يومياً ربما يوفر تعرضاً دماغياً أكثر ثباتاً خلال اليوم، في حين قد ينتج عن تناوله مرة واحدة يومياً ذروة أعلى خلال الليل ومستويات أقل نهاراً.
غير أن الدراسة لم تتمكن من قياس الذروة الليلية مباشرة، ولم تكن مصممة لاختبار ما إذا كان أحد النظامين أفضل في منع الانتكاس أو تقليل الأعراض.
اختبار نظام الجرعات
أظهرت الدراسة أن إشارة الليثيوم في الدماغ كانت أعلى في المادة البيضاء مقارنة بالمادة الرمادية، وهي نتيجة قال الباحثون إنها قد تعكس اختلافات في توزيع الدواء أو في خصائص الإشارة التصويرية بين أنسجة الدماغ، كما أشارت النماذج الحركية إلى أن الليثيوم قد يغادر الدماغ ببطء أكبر من مغادرته الدم، لكن الباحثين حذروا من أن هذه التقديرات تحتاج إلى دراسات أكبر وأكثر تفصيلاً.
وذكرت الدراسة أن قياس الليثيوم في الدم بعد 12 ساعة من الجرعة لا يزال يعكس، على نحو معقول، مستويات الدواء في الدماغ في كلا النظامين عند هذه النقطة الزمنية، لكن هذا لا يحسم سؤالاً سريرياً مهماً، وهو ما إذا كان ينبغي استخدام النطاق المرجعي نفسه لمستويات الليثيوم في الدم عند المرضى الذين يتناولونه مرة واحدة يومياً أو مرتين.
أشار الباحثون إلى أن اختيار نظام الجرعات قد يعتمد في المستقبل بدرجة أكبر على حالة كل مريض، بما في ذلك الالتزام بالعلاج، ومخاطر الكلى، والآثار الجانبية مثل كثرة التبول أو الرعشة، وأنماط النوم والاستيقاظ، ومدى احتمال تأثر المريض بتقلبات مستوى الدواء في الدماغ.
وتشمل حدود الدراسة أن المشاركين كانوا جميعاً من الأوروبيين البيض، وأن الباحثين استبعدوا المرضى المصابين بقصور كلوي أو سكري أو ارتفاع ضغط غير مسيطر عليه أو أمراض وعائية، وهي حالات قد تؤثر في انتقال الليثيوم بين الدم والدماغ، كما اعتمدت على 3 نقاط قياس فقط خلال اليوم، ولم ترصد دورة كاملة على مدار 24 ساعة.
ومع ذلك، قال الباحثون إن النتائج تقدم دليلاً على إمكانية استخدام تصوير الليثيوم داخل الدماغ كأداة بحثية لفهم حركة الدواء بصورة أدق، وربما لربط أنماط التعرض الدماغي مستقبلاً بالاستجابة العلاجية والآثار الجانبية.
وخلصت الدراسة إلى أن الليثيوم في الدماغ يتغير خلال اليوم تبعاً لنظام الجرعات، وأن الجرعتين اليوميتين قد تمنحان تعرضاً أكثر استقراراً، بينما تظل نقطة القياس التقليدية بعد 12 ساعة متقاربة بين النظامين.
وقال الباحثون إن هذه النتائج قد تساعد مستقبلاً في تصميم استراتيجيات مراقبة علاجية أكثر تخصيصاً لمرضى الاضطراب ثنائي القطب.










