
يصيب الداء البطني، المعروف أيضاً باسم "السيلياك" أو "الداء الزلاقي"، ما لا يقل عن 1% من سكان العالم. وهو مرض يجعل جهاز المناعة يهاجم بطانة الأمعاء الدقيقة عند تناول "الجلوتين"، وهو بروتين يوجد بصورة أساسية في القمح والشعير والجاودار.
ولا يعني السيلياك مجرد عدم تحمل بعض الأطعمة أو الشعور بالانتفاخ بعد تناول الخبز، بل هو مرض مناعي ذاتي قد يؤدي مع مرور الوقت إلى تلف أجزاء من الأمعاء الدقيقة المسؤولة عن امتصاص الفيتامينات والعناصر الغذائية.
وبحسب ورقة مراجعة منشورة في دورية JAMA، ترتفع احتمالات الإصابة بالسيلياك لدى الأشخاص الذين لديهم أب أو أم أو أخ أو أخت مصاب بالمرض. كما يكون المرض أكثر شيوعاً لدى المصابين ببعض أمراض المناعة الذاتية، مثل السكري من النوع الأول والتهاب الغدة الدرقية لهاشيموتو. وتزداد الخطورة أيضاً لدى المصابين ببعض المتلازمات الجينية، مثل متلازمات "داون" و"تيرنر" و"ويليامز".
وتختلف أعراض السيلياك من شخص إلى آخر، وقد لا تظهر أعراض واضحة لدى بعض المرضى. ومن بين الأعراض الهضمية الأكثر شيوعاً الإسهال، الذي يصيب نحو 38% من المرضى، وألم أو انزعاج البطن لدى نحو 34%، بينما يعاني نحو 16% من فقدان الوزن بسبب ضعف امتصاص الطعام.
نصيحة الأطباء
لكن الشعور بالتحسن بعد التوقف عن تناول الخبز أو الأطعمة التي تحتوي على الجلوتين لا يعني بالضرورة أن الشخص مصاب بالسيلياك. وتشير البيانات إلى أن التحسن بعد اتباع نظام غذائي خالٍ من الجلوتين لا يُعد مؤشراً دقيقاً على وجود المرض، ولذلك لا يمكن الاعتماد على الأعراض وحدها لتشخيصه.
وهنا تبرز قاعدة مهمة: لا ينبغي التوقف عن تناول الجلوتين قبل إجراء الفحوص إذا كان هناك شك في الإصابة بالسيلياك.
ويرجع ذلك إلى أن الاختبارات تبحث، في الأساس، عن أجسام مضادة ينتجها الجسم استجابة للتعرّض للجلوتين. وإذا توقف الشخص عن تناوله قبل إجراء الفحص، فقد تنخفض مستويات هذه الأجسام المضادة، فتظهر النتيجة طبيعية رغم وجود المرض.
أما إذا كان الشخص قد بدأ بالفعل نظاماً غذائياً خالياً من الجلوتين، فقد يطلب منه الطبيب إعادة إدخاله إلى النظام الغذائي لفترة قبل إجراء الاختبارات. ولا يوجد اتفاق كامل بشأن المدة والكمية المناسبتين، لكن بعض الإرشادات تقترح تناول ما لا يقل عن 3 جرامات من الجلوتين يومياً لمدة ستة أسابيع على الأقل.
ويبدأ تشخيص السيلياك عادة بتحليل دم بسيط يُعرف باسم tTG-IgA، ويبحث هذا الاختبار عن نوع من الأجسام المضادة يرتفع لدى كثير من المصابين بالمرض.
ويطلب الطبيب عادة، في الوقت نفسه، تحليلاً آخر لقياس مستوى IgA الكلي في الدم. والسبب أن نحو 3% من مرضى السيلياك يعانون نقصاً في هذه المادة، وهو ما قد يؤدي إلى ظهور نتيجة سلبية في اختبار tTG-IgA رغم وجود المرض.
وفي هذه الحالة، يمكن استخدام أنواع أخرى من تحاليل الدم التي تعتمد على أجسام مضادة مختلفة. وبوجه عام، كلما ارتفعت نتيجة tTG-IgA، زاد احتمال الإصابة بالسيلياك. وعندما تكون النتيجة إيجابية مع وجود مستوى طبيعي من IgA، تشير الدراسات إلى أن احتمال تأكيد المرض من خلال الخزعة يتراوح بين نحو 72% و89%.
رحلة التشخيص
وتصبح نتيجة التحليل أكثر دلالة عندما تكون مستويات الأجسام المضادة مرتفعة بشدة. فعند الأطفال الذين تصل لديهم نتيجة tTG-IgA إلى عشرة أضعاف الحد الطبيعي أو أكثر، قد يقترب احتمال الإصابة بالمرض من 90% إلى 97%.
وقد يستخدم الأطباء أيضاً تحليلاً آخر يسمى EMA-IgA لتأكيد النتيجة، ويتميز هذا الاختبار بدرجة عالية جداً من الدقة في تأكيد المرض لدى الأشخاص الذين لا يعانون نقصاً في IgA.
لكن تحاليل الدم ليست دائماً نهاية رحلة التشخيص. ففي كثير من الحالات، يظل منظار الجهاز الهضمي، مع أخذ عينة صغيرة من الأمعاء الدقيقة، الطريقة الأكثر تأكيداً للإصابة بالسيلياك.
وخلال المنظار، يأخذ الطبيب عينات صغيرة من بداية الأمعاء الدقيقة لفحصها تحت المجهر، ومعرفة ما إذا كانت الزغابات المعوية قد تعرضت للتلف.
والزغابات المعوية عبارة عن نتوءات دقيقة للغاية تزيد مساحة سطح الأمعاء وتساعد الجسم على امتصاص العناصر الغذائية. وعند الإصابة بالسيلياك، قد تصبح هذه الزغابات مسطحة ومتضررة، ما يقلل قدرة الجسم على امتصاص الحديد والفيتامينات وغيرها من العناصر الغذائية.
وبوجه عام، إذا كان تحليل tTG-IgA إيجابياً، لكنه أقل من عشرة أضعاف الحد الطبيعي، يحتاج المريض عادة إلى المنظار والخزعة لتأكيد التشخيص.
أما الأطفال، فقد يكون الوضع مختلفاً. إذ تسمح بعض الإرشادات، في حالات محددة، بتشخيص الطفل من دون منظار أو خزعة إذا كانت نتيجة tTG-IgA مرتفعة للغاية، أي عشرة أضعاف الحد الطبيعي أو أكثر، ولم يكن الطفل يعاني نقصاً في IgA، ثم أكد تحليل آخر في عينة دم ثانية النتيجة.
ويمكن أن يجنب هذا الأسلوب الطفل الخضوع للمنظار والتخدير، كما قد يكون مفيداً في الأماكن التي يصعب فيها الوصول إلى خدمات التنظير.
استبعاد المرض
وبالنسبة للبالغين، لا تزال الإرشادات الأميركية تفضل في معظم الحالات تأكيد التشخيص بالخزعة. لكن بعض الإرشادات الأوروبية الأحدث تسمح، في ظروف محددة، بتشخيص بعض البالغين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و45 عاماً من دون خزعة، إذا كانت مستويات الأجسام المضادة مرتفعة للغاية وتم تأكيد النتيجة بتحليل ثانٍ.
أما من تزيد أعمارهم على 45 عاماً، فيُفضل عادة إجراء المنظار، لأن الأطباء قد يحتاجون أيضاً إلى استبعاد أسباب أخرى للأعراض، من بينها بعض أمراض المعدة والأمعاء والأورام.
ولا يمكن الاعتماد على تحاليل الدم وحدها لدى جميع الأشخاص. فوجود دم في البراز، أو صعوبة في البلع، أو علامات انسداد الأمعاء، إلى جانب بعض أمراض المناعة الذاتية أو الاضطرابات الجينية، قد يجعل المنظار والخزعة ضروريين.
وهناك أيضاً فحص جيني يمكن استخدامه في بعض الحالات، لكنه لا يثبت الإصابة بالسيلياك بشكل مباشر، وإنما تكمن فائدته الأساسية في استبعاد المرض.
ويبحث هذا الفحص عن أنماط جينية معينة، من بينها DQ2 وDQ8. فإذا لم يكن الشخص يحمل الأنماط الجينية المرتبطة بالسيلياك، يصبح احتمال إصابته بالمرض ضئيلاً للغاية.
ويكون هذا الفحص مفيداً بصورة خاصة لدى الأشخاص الذين توقفوا عن تناول الجلوتين منذ فترة، لأن النتيجة الجينية لا تتغير بتغير النظام الغذائي. ويمكن استخدامه أيضاً في بعض الحالات لفحص أفراد عائلة المريض.
وتؤكد المراجعة أن أحد أكثر الأخطاء شيوعاً هو البدء في اتباع حمية خالية من الجلوتين بمجرد الشك في الإصابة بالمرض، لأن هذا القرار قد يجعل التشخيص أكثر صعوبة في ما بعد.
لذلك، إذا كانت لدى الشخص أعراض تثير الشك في الإصابة بالسيلياك، فمن الأفضل إجراء الفحوص أولاً، مع الاستمرار في تناول الجلوتين، ثم اتخاذ قرار بشأن النظام الغذائي بعد تأكيد التشخيص.









