
تُظهر قراءة تصريحات المسؤولين الأميركيين والإسرائيليين بشأن أهداف الحرب على إيران، أنها تتمثل في "إلحاق أقصى قدر من الضرر بركائز قوة الدولة في طهران"، ولا سيما البرنامجين النووي والصاروخي، إلى جانب الحرس الثوري، حسبما أوردت صحيفة "الجارديان" البريطانية.
غير أن الهدف النهائي، كما عبّر عنه الرئيس الأميركي دونالد ترمب مراراً على الأقل، يتمثل في "تمهيد الطريق لانتفاضة شعبية تطيح بالنظام الذي يقوده رجال الدين والذي يحكم البلاد منذ 47 عاماً". وقد قدّم ترمب الهجوم المدمر بوصفه فرصة تاريخية نادرة للشعب الإيراني لـ"استعادة حكومته".
وترى "الجارديان"، أن تغيير النظام "يبدو أقرب إلى كونه طموحاً منه إلى خطة واضحة"، ما يترك الكثير رهين الصدفة وعوامل يصعب على الأطراف المنخرطة حالياً السيطرة عليها أو حتى التنبؤ بها.
ويطرح خبراء أربعة سيناريوهات عامة يرون أنها تمثل نتائج محتملة لهذه الحرب الجديدة في الشرق الأوسط. ولم ترتب الصحيفة هذه السيناريوهات بحسب درجة احتمالها، بل وفق مدى سلميتها، بدءاً من "انتقال منظم وسلس للسلطة" وصولاً إلى "فوضى دامية".
الانتقال السريع للسلطة
يمثل سيناريو "الانتقال السريع للسلطة"، حلماً يراود قادة الولايات المتحدة وإسرائيل الذين أطلقوا الهجوم المفاجئ صباح السبت 28 فبراير الماضي. إذ ينطوي على تخلي القوات المسلحة الإيرانية والحرس الثوري عن أسلحتهما استجابةً لمطلب ترمب، واتحاد فصائل المعارضة المختلفة واتفاقها على تشكيل حكومة انتقالية، ربما برئاسة رضا بهلوي، نجل الشاه المنفي الذي كان يحكم البلاد منذ عام 1941 حتى أطاحت به الثورة الإسلامية في عام 1979.
ومع بدء الاستعداد للانتخابات، تُسلم الحكومة الانتقالية ما تبقى من البرنامج النووي الإيراني إلى الولايات المتحدة، ولا سيما أجهزة الطرد المركزي ومخزون النظام المنتهية ولايته البالغ 440 كيلوجراماً من اليورانيوم عالي التخصيب، مع التخلي عن الصواريخ بعيدة المدى. كما تُمنح شركات النفط الأميركية الحصة الأكبر من فرص الوصول إلى سوق الطاقة الإيراني.
غير أن هذا السيناريو يُعد، بحسب المحللين الذين نقلت الصحيفة عنهم، الأقل احتمالاً. إذ تشير التجارب التاريخية إلى أن الأنظمة الديكتاتورية حين تنهار غالباً ما تُستبدل بنظام سلطوي جديد.
وتتضاءل فرص الوصول إلى نتيجة ديمقراطية أكثر عندما يأتي الانتقال عبر العنف، وتكاد تصبح ضئيلة للغاية عندما تكون أداة التغيير قنابل تُلقى من ارتفاع 50 ألف قدم (15 ألف متر).
واستبعدت "الجارديان" أن يسلم الحرس الثوري سلاحه إلى شعب معادٍ أو إلى حكومة جديدة يقودها ملكيون، وهو يدرك أن أعضاءه، بعدما هيمنوا على البلاد طويلاً، قد لا ينجون من عواقب الاستسلام.
ويحظى بهلوي بشهرة واسعة ويُعد أبرز شخصية معارضة من حيث الشعبية، غير أن كثيراً من الإيرانيين لا يثقون به ويشككون في التزامه الديمقراطي، مستحضرين قسوة حكم والده. ومن غير المتوقع أن يقبلوا قيادته طوعاً.
كما يُرجح أن تقوم أي حكومة انتقالية علمانية جديدة على قاسم مشترك من النزعة الوطنية، ما قد يدفعها إلى التردد في التخلي عن عناصر القوة الجيوسياسية لإيران، وفق "الجارديان".
نموذج مادورو
في الهجوم الأميركي على فنزويلا في مطلع يناير الماضي، أُزيح حاكم البلاد المتحدي، نيكولاس مادورو، سريعاً، وتولت نائبته السلطة متعهدةً بالتعاون بشكل أكبر مع واشنطن. وبقي النظام قائماً، لكن الولايات المتحدة حصلت على حصة كبيرة من النفط.
وسيكون سيناريو مماثل في أعقاب اغتيال علي خامنئي، في أولى الضربات الأميركية الإسرائيلية على طهران، مقبولاً إلى حد بعيد لدى ترمب، الذي أعلن استعداده للتحدث مع خلفاء المرشد الراحل من داخل النظام.
ويتطلب تطبيق "سيناريو مادورو" على إيران، اختيار شخصية معتدلة نسبياً لتحل محل خامنئي، مثل الرئيس السابق حسن روحاني، أو بروز متشدد براجماتي داخل القيادة الدينية أو الحرس الثوري.
وبعد مفاوضات جديدة، قد تستسلم القيادة الجديدة المتعاونة، فتتخلى عن البرنامج النووي الإيراني وتقبل قيوداً صارمة على الصواريخ.
كما قد توقع تنازلات واسعة في قطاعي النفط والغاز لصالح شركات أميركية. وفي مقابل الاستجابة لمطالب الولايات المتحدة وإسرائيل، يُسمح للنظام بالبقاء ويُمنح حرية مواصلة قمع المعارضين.
ويُعد هذا السيناريو الآخر الذي قد يفضي إلى نهاية سريعة للحرب. وليس من الصعب تصور قيادة إيرانية جديدة تعرض شروطاً محدثة حفاظاً على بقاء النظام، غير أن احتمال بروز زعيم جديد على وعد بالاستسلام الكامل يبدو أقل ترجيحاً.
وقد تفضي محادثات جديدة مع إدارة ترمب إلى تسوية وسطى، تقع بين التحدي والاستسلام، يمكن للطرفين التعايش معها لإنهاء الحرب.
وفي هذه الحال، قد تسحب الولايات المتحدة قواتها وتترك لإسرائيل مهمة فرض أي اتفاق، مع احتفاظها بحرية القصف إذا رأت أن الحكومة الإيرانية الجديدة انحرفت عن التزاماتها.
صمود النظام أمام العاصفة
يفترض سيناريو "صمود النظام أمام العاصفة"، أن يلجأ الناجون من حملة القصف الأميركي الإسرائيلي، إلى التحصن، مع إطلاق صواريخ وطائرات مُسيرة كلما سنحت الفرصة. وقد يُختار رجل دين متشدد على نهج خامنئي مرشداً، أو تُعيَّن شخصية سياسية ضعيفة يسهل على الحرس الثوري التحكم بها.
وقد يتشجع ما تبقى من النظام بالحديث الذي أدلى به ترمب عن حملة محدودة تستمر أربعة أسابيع تقريباً. ويمكنهم أن يتوقعوا، بشكل معقول، أن يعلن الرئيس الأميركي النصر في نهاية المطاف ويسحب "أسطوله"، تاركاً إسرائيل تواصل حملة القصف بإمكانات متناقصة. ويرى كثير من المحللين أن هذا السيناريو من بين الأكثر احتمالاً.
غير أن أسوأ صوره تتمثل في نقل البرنامجين النووي والصاروخي إلى أعماق أكبر تحت الأرض وإبعادهما أكثر عن أعين مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وقد يُتخلى عن فتوى خامنئي التي تحظر تصنيع رأس نووي، ويبدأ سباق لإنتاج "قنبلة في القبو" باستخدام 440 كيلوجراماً من اليورانيوم عالي التخصيب، وهي كمية تكفي لصنع نحو 10 رؤوس نووية بعد مزيد من التخصيب، بحسب "الجارديان".
وبعد تكرار الهجمات، قد يخلص القادة الباقون إلى أن امتلاك قنبلة نووية هو الضمانة الوحيدة للبقاء. وعندها يُقمع المعارضون بوحشية متزايدة، فيما يتحول النظام الناجي تدريجياً إلى كيان "معزول ومرتاب ومسلح نووياً أشبه بكوريا الشمالية".
حرب أهلية وفوضى
أما سيناريو "الحرب الأهلية والفوضى" فيفترض أن تتعرض قوات النظام لاستنزاف تدريجي وحاد بفعل أسابيع من القصف الأميركي والإسرائيلي، في ظل تصميم على عدم الإبقاء على الجمهورية الإسلامية قائمة.
وبعد انشقاقات في صفوف قيادة الحرس الثوري وعناصره، وفق هذه السيناريو، قد يعود المحتجون بأعداد كبيرة إلى شوارع المدن، مستشعرين أن لحظتهم قد حانت أخيراً. كما قد تتدفق الأسلحة عبر حدود تُركت مكشوفة بفعل استهداف الولايات المتحدة وإسرائيل لنقاط الحدود، لصالح حركات انفصالية تمثل الأقليات في إيران.
ويُعد الأذريون أكبر أقلية في البلاد، غير أن الأكراد، الذين يشكلون ما بين 5% و10% من السكان، كانوا تاريخياً الأكثر تنظيماً ونزوعاً إلى العمل المسلح. وتملك جماعات قومية إثنية قواعد في إقليم كردستان شمال العراق.
كما تنشط مجموعات بلوشية انفصالية صغيرة عدة، لها سجل طويل في قتال النظام في محافظة سيستان وبلوشستان جنوب شرقي البلاد.
ومع تآكل إيران ما بعد الحرب عند أطرافها، قد يمتد عدم الاستقرار على أسس عرقية، أو تسعى دول مجاورة إلى استغلال ضعف إيران.
وفي الوسط، يسعى أنصار بهلوي إلى ترسيخ المطالبة الملكية بالسلطة، لكنهم يواجهون معارضة من جماعات أخرى قاومت النظام لعقود وترفض التخلي عن رؤيتها لمستقبل إيران لصالح عودة المنفيين.
وفي ظل هذا المشهد المتزايد الفوضى، يتحول مخزون الـ440 كيلوجراماً من اليورانيوم عالي التخصيب إلى غنيمة تتصارع عليها الأطراف، وربما بهدف بيعه في الخارج. ورغم أن هذا السيناريو الكارثي لا يُعد الأكثر ترجيحاً، فإنه ليس مستبعداً بأي حال.















