استقرار الغذاء في الخليج محور تطمينات رسمية | الشرق للأخبار

استقرار الغذاء في الخليج محور تطمينات رسمية

دول الخليج العربية تتخذ إجراءات استباقية لضبط الأسواق وتأمين الأغذية وسط الحرب

time reading iconدقائق القراءة - 15
فواكه معروضة في أحد المتاجر  بإمارة دبي، الإمارات العربية المتحدة. 3 مارس 2026 - Reuters
فواكه معروضة في أحد المتاجر بإمارة دبي، الإمارات العربية المتحدة. 3 مارس 2026 - Reuters

بعد اندلاع حرب إيران، سارعت دول الخليج إلى التحرك لطمأنة الأسواق، والحفاظ على استقرار الإمدادات الغذائية، مؤكدة وفرة المخزون الاستراتيجي، واستمرار تدفق السلع عبر سلاسل الإمداد.

جاء هذا التحرك المبكر مع بدء انعكاس التطورات الإقليمية على أسواق المنطقة.

وشهدت بعض المتاجر زيادة في مشتريات السلع الغذائية الأساسية تحسباً لأي اضطرابات، في تطور بدا غير مألوف لسكان منطقة لم تعتد تأثير الحروب المباشرة على تفاصيل حياتها اليومية، وظهر ذلك على سلوك المستهلكين مع تصاعد المخاوف من احتمال امتداد الأزمة وتأثيرها على الإمدادات.

في هذا السياق، عززت الحكومات حضورها في الأسواق، عبر إجراءات هدفت إلى احتواء أي تقلبات في الطلب، شملت تشديد الرقابة على الأسعار، والتأكيد على جاهزية الأسواق لتلبية الاحتياجات، إلى جانب دعوات للشراء المسؤول لضمان استمرار توفر السلع الأساسية.

صدمة الطلب.. أول أثر اقتصادي للتوتر

كان أول انعكاس اقتصادي ملموس للتصعيد الإقليمي في أسواق المنطقة، ما يُعرف اقتصادياً بـ"صدمة الطلب" (Demand Shock)، وهي حالة يرتفع فيها الطلب على السلع بشكل مفاجئ وسريع، نتيجة عوامل نفسية، أو أحداث خارجية، حتى في ظل استقرار المعروض. 

وغالباً ما تظهر هذه السلوكيات في المراحل الأولى للأزمات الجيوسياسية أو الصحية، حين يدفع القلق، وعدم اليقين بعض المستهلكين إلى شراء كميات أكبر من المعتاد من السلع الأساسية، وتخزينها كإجراء احترازي. وفي الأيام التي أعقبت الضربات الأخيرة في المنطقة، بدأت ملامح هذا النمط تظهر في بعض الأسواق.

لكن خبراء اقتصاد يشيرون إلى أن مثل هذه الموجات من الشراء لا تعكس عادة نقصاً فعلياً في الإمدادات؛ ففي كثير من الأحيان يبقى المعروض مستقراً، بينما يرتفع الطلب مؤقتاً نتيجة السلوك الاحترازي للمستهلكين، ما قد يخلق ضغوطاً قصيرة الأجل على رفوف المتاجر، أو على وتيرة إعادة تزويدها بالسلع.

تدخل سريع من حكومات الخليج لضبط الأسواق

مع بروز المؤشرات الأولى على زيادة الطلب في بعض الأسواق، تحركت حكومات في المنطقة سريعاً لطمأنة المستهلكين، والحفاظ على استقرار أسواق الغذاء. 

في الإمارات، شددت السلطات الرقابة على الأسواق، وأكدت أن منظومة الأمن الغذائي "خط أحمر". وقال وزير الاقتصاد والسياحة عبدالله بن طوق إن حركة استيراد السلع تسير وفق الوتيرة المطلوبة، دون مؤشرات على اضطرابات في الأسواق، كما تتابع وزارة الاقتصاد الأسعار، عبر منصة رقمية متخصصة لرقابة الأسعار والمخزون، ترتبط بأكثر من 627 منفذ بيع رئيسياً، ودعت الوزارة المستهلكين إلى الالتزام بالشراء وفق الحاجة، وتجنب التكديس.

وفي قطر، أقرت وزارة التجارة والصناعة بحدوث اندفاع أولي من المستهلكين نحو بعض منافذ البيع في الأيام الأولى للتصعيد.

وأوضح محمد العامري، مدير إدارة التراخيص النوعية ومراقبة الأسواق في الوزارة، أن بعض المنافذ شهدت ضغطاً مفاجئاً أدى إلى سحب سريع لبعض السلع قبل أن تستغرق عملية إعادة تعبئة الأرفف بعض الوقت، مشيراً إلى أن الجهات المختصة رفعت عدد منافذ البيع العاملة على مدار الساعة لتخفيف الضغط.

وفي العراق، قال وزير التجارة أثير الغريري؛ خلال اجتماع خلية الأزمة؛ إن الحكومة تتابع تطورات الأسواق عن كثب لضمان استمرار توفر السلع الغذائية الأساسية. 

أما الكويت، فبرزت كالحالة الأكثر تدخلاً على مستوى السياسات السوقية خلال الأزمة، إذ انتقلت السلطات من مراقبة الأسواق إلى التدخل المباشر في حركة السلع وآليات التسعير، إذ أصدرت وزارة التجارة والصناعة قراراً بحظر تصدير جميع أنواع السلع الغذائية.

ويُعد حظر تصدير السلع الغذائية من الأدوات التي تلجأ إليها الحكومات خلال الأزمات لتوجيه المعروض نحو السوق المحلية، والحد من أخطار نقص الإمدادات أو ارتفاع الأسعار.

كما قررت تثبيت أسعار بيع بعض السلع لمدة شهر، بحيث تكون الأسعار السائدة قبل 28 فبراير الحد الأعلى للأسعار خلال فترة القرار.

ماذا لو طال أمد الحرب؟

تعتمد دول الخليج بدرجة كبيرة على استيراد الغذاء من الخارج، وتشير تقديرات المنتدى الاقتصادي العالمي (World Economic Forum) إلى أن دول مجلس التعاون الخليجي تستورد نحو 85% من احتياجاتها الغذائية في ظل محدودية الأراضي الزراعية وشح الموارد المائية، ما يجعل استقرار الإمدادات العالمية عاملاً أساسياً في توفر الغذاء في الأسواق المحلية.

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن الحرب قد تستمر 4 أسابيع، أو نحو ذلك، مع هذا تبدو دول الخليج مستعدة لتحمل تأثيراتها الغذائية لو استمرت بعد ذلك بعدة أشهر، وفق تأكيدات الحكومات.

وزارة الاقتصاد والسياحة الإماراتية - على سبيل المثال - قالت إن الدولة تمتلك مخزوناً استراتيجياً من السلع الأساسية يغطي احتياجات الأسواق بين 4و6 أشهر، ضمن منظومة أمن غذائي تعتمد على تنويع مصادر الاستيراد، وبنية لوجستية متقدمة. 

وفي قطر، أشارت وزارة التجارة والصناعة إلى أن المخزون الاستراتيجي من السلع الغذائية يكفي لأكثر من 6 أشهر، ضمن خطط مخصصة للتعامل مع الأزمات، أو أي اضطرابات محتملة في الإمدادات.

وفي البحرين أكدت وزارة الصناعة والتجارة أن المخزون الاستراتيجي من السلع الغذائية الأساسية كافٍ وآمن، مع استقرار الأسعار وتوافر السلع في الأسواق.

وفي إطار جهود السعودية لضمان استقرار الأسواق وتوافر الإمدادات الغذائية، أعلنت وزارة التجارة تنفيذ أكثر من 10 آلاف زيارة رقابية خلال أسبوع للتحقق من وفرة السلع وإلزام نقاط البيع بعرض الأسعار.

وواصلت المملكة تعزيز مخزونها الاستراتيجي من الحبوب، إذ أعلنت الهيئة العامة للأمن الغذائي ترسية نحو 794 ألف طن من القمح في مناقصة دولية خلال مارس، بعد شراء نحو 907 آلاف طن في مناقصة سابقة خلال يناير.

وركزت المملكة على تحقيق الاكتفاء الذاتي من بعض الأغذية الأساسية واللحوم بنسبة تتجاوز 60% حتى نهاية العام الماضي.

وتمنح هذه الاحتياطيات الحكومات هامشاً زمنياً للتعامل مع أي اضطرابات مفاجئة في الإمدادات، أو موجات شراء استثنائية في الأسواق، وتسمح بتغطية الطلب المحلي لعدة أشهر حتى في حال تعطل بعض طرق الشحن أو تأخر الواردات. 

استراتيجيات خليجية لتعزيز الأمن الغذائي

تعمل دول الخليج أيضاً على تعزيز الأمن الغذائي على المدى الطويل، عبر استراتيجيات تشمل تنويع مصادر الاستيراد، والاستثمار في الزراعة المحلية والتكنولوجيا الزراعية، ففي السعودية، أطلقت الحكومة مبادرة الأمن الغذائي ضمن رؤية 2030، التي تركز على دعم الزراعة المحلية، والتوسع في تقنيات الزراعة المائية والزراعة الذكية، إلى جانب تمويلات قدمها صندوق التنمية الزراعية لدعم إنتاج الدواجن والأعلاف والمحاصيل الاستراتيجية مثل القمح والذرة.

وتشير تحليلات "المنتدى الاقتصادي العالمي"، المنشورة في 2025، إلى أن هذه الجهود تشمل شراكات بين القطاعين العام والخاص، واستثمارات في تقنيات الغذاء بنحو 3.8 مليار دولار على مستوى دول الخليج.

ونم هذه الجهود؛ تطوير الزراعة الذكية، ومشروعات مثل المزارع العمودية، وأنظمة الإنتاج الزراعي المتقدمة، إضافة إلى خطط لتعزيز التصنيع الغذائي المحلي، مثل مساعي السعودية لتوطين 85% من عمليات تصنيع الغذاء بحلول عام 2030.

سلاسل الإمداد: كيف تصل واردات الغذاء إلى المنطقة؟

تمر واردات الغذاء إلى دول الخليج، عبر شبكة واسعة من سلاسل الإمداد العالمية، التي تربط المنطقة بمراكز التصدير الرئيسية للحبوب والسلع الغذائية في أميركا الشمالية والجنوبية، والاتحاد الأوروبي، وأستراليا ومنطقة البحر الأسود.

وتعتمد هذه التجارة بدرجة كبيرة على النقل البحري، عبر مضيق هرمز، الممر الذي يربط الخليج بالمحيط، ويعد أحد أهم نقاط الاختناق في التجارة العالمية.

يشكل مضيق هرمز ممراً رئيسياً للإمدادات الغذائية إلى الخليج، إذ تمر عبره شحنات كبيرة من الحبوب والمواد الغذائية قبل وصولها إلى الموانئ الرئيسية في المنطقة.

وتشير بيانات شركة تتبع السلع "كبلر"، إلى أن دول الخليج استوردت نحو 30 مليون طن من الحبوب العام الماضي، مر معظمها عبر هذا الممر البحري. ولا يقتصر هذا الطريق على الحبوب فحسب، بل يشمل أيضاً سلعاً غذائية أساسية مثل الأرز والقمح والشعير والذرة، إضافة إلى فول الصويا وكسب فول الصويا المستخدم في الأعلاف والزيوت النباتية، وهي منتجات تعتمد عليها أسواق الخليج بدرجة كبيرة لتلبية الطلب المحلي.

تعكس حركة التجارة درجة من التكامل الغذائي بين دول الخليج، إذ تعتمد بعض الأسواق على موانئ ومراكز لوجستية في دول مجاورة لإدخال السلع الغذائية وإعادة توزيعها داخل المنطقة، ففي الإمارات، يعد ميناء جبل علي في دبي أحد أهم مراكز دخول الغذاء إلى الخليج، إذ تدخل عبره نحو 90% من الحبوب والبذور الزيتية التي تستوردها الإمارات، ويخدم الميناء شبكة توزيع واسعة تمتد إلى الإمارات والسعودية والبحرين وقطر، ويغطي احتياجات ما بين 45 و50 مليون مستهلك.

كما تسهم شبكة الطرق البرية بين دول مجلس التعاون الخليجي في نقل السلع الغذائية بسرعة نسبية بين الأسواق، ما يعزز الترابط في سلاسل الإمداد الغذائية داخل المنطقة؛ غير أن هذا الدور يسلط الضوء أيضاً على حساسية هذه المراكز اللوجستية للتوترات الإقليمية، إذ تعرض ميناء جبل علي خلال الأيام الماضية لهجوم.

وتعتمد عدة دول خليجية على موانئ تقع داخل الخليج العربي مثل ميناء الملك عبدالعزيز في الدمام وميناء حمد في قطر وميناء خليفة بن سلمان في البحرين، وهي موانئ ترتبط تجارتها البحرية بحركة الملاحة عبر مضيق هرمز.

في المقابل، تشكل موانئ البحر الأحمر مساراً مهماً لوصول جزء من الإمدادات الغذائية إلى الخليج، خصوصاً للشحنات القادمة من أوروبا ومنطقة البحر الأسود والأميركتين عبر البحر المتوسط وقناة السويس.

وتبرز السعودية في هذا السياق بفضل موانئها المطلة على البحر الأحمر مثل ميناء جدة الإسلامي وميناء ينبع التجاري، التي تستقبل شحنات من الحبوب والمواد الغذائية قبل نقلها إلى داخل المملكة أو إلى أسواق خليجية أخرى عبر الطرق البرية. 

ويوفر هذا المسار قدراً من التنوع في طرق الإمداد لدول المنطقة، رغم أن الجزء الأكبر من الواردات الغذائية لا يزال يصل عبر الموانئ الواقعة داخل الخليج العربي.

طرق الإمداد البديلة والخيارات اللوجستية

لكن التحدي يتعلق بالبحث عن مسارات بديلة لإدخال السلع الغذائية، في حال استمرار تعطل الملاحة عبر مضيق هرمز.

ومن بين هذه البدائل تحويل جزء من الشحنات إلى موانئ خارج الخليج. فالسعودية تستطيع استقبال بعض الواردات عبر موانئها على البحر الأحمر قبل نقلها براً إلى داخل المملكة أو إلى أسواق خليجية أخرى، بينما يمكن للإمارات تحويل جزء من تجارتها إلى ميناء الفجيرة المطل على بحر العرب، وهو ميناء يقع خارج مضيق هرمز، لكن هذه البدائل لا توفر القدرة اللوجستية نفسها التي توفرها الموانئ الرئيسية داخل الخليج. فقد صُمم ميناء الفجيرة أساساً لتصدير الطاقة والأسمدة ولا يمتلك القدرة نفسها لمناولة الحاويات مقارنة بميناء جبل علي. كما أن أي تصعيد أمني في المنطقة قد ينعكس أيضاً على نشاط الميناء، الذي شهد خلال الأيام الأخيرة اضطرابات محدودة في منطقة الصناعة النفطية المرتبطة به قبل أن تتم السيطرة عليها وتستمر العمليات.

وتُعد الكويت وقطر والبحرين أكثر عرضة للتأثر في حال تعطل الملاحة عبر المضيق، إذ تفتقر هذه الدول إلى موانئ بديلة كبيرة خارج الخليج وتعتمد بدرجة كبيرة على طرق الإمداد عبر السعودية والإمارات. وفي الحالات القصوى قد تلجأ الدول إلى نقل بعض السلع الغذائية سريعة التلف (كالخضار والفواكه) جواً لضمان استمرار توفرها في الأسواق.

ولجأت قطر بالفعل إلى هذا الخيار خلال أزمة عام 2017 عبر استخدام جسر جوي لتأمين واردات غذائية في الأيام الأولى للأزمة، ما يعني أنها قد تلجأ إلى إجراءات مشابهة إذا استمرت الاضطرابات في الإمدادات.

دروس من أزمات سابقة: جائحة كورونا كمثال

لا تُعد موجات الشراء بدافع القلق ظاهرة جديدة في أسواق الخليج، فقد شهدت المنطقة سلوكاً مشابهاً خلال المراحل الأولى من جائحة فيروس كورونا في عام 2020، عندما اندفع بعض المستهلكين إلى شراء السلع الغذائية وتخزينها وسط مخاوف من اضطرابات الإمدادات العالمية. 

وفي ذلك الوقت تحركت الحكومات الخليجية سريعاً لاحتواء الظاهرة، وكثّفت الرقابة على الأسواق، وفرضت قيوداً مؤقتة على شراء بعض السلع الأساسية لمنع التخزين المفرط، كما عملت على زيادة المخزون الاستراتيجي وتسريع استيراد الشحنات الغذائية، وأطلقت الجهات الرسمية حملات طمأنة للمستهلكين تؤكد وفرة السلع واستمرار تدفق الإمدادات.

ساعدت هذه الإجراءات، إلى جانب قوة سلاسل الإمداد والقدرة المالية للحكومات، على احتواء موجات الشراء الهلعي خلال فترة قصيرة نسبياً، فبعد الأسابيع الأولى من الجائحة استقرت الأسواق تدريجياً وعادت مستويات الطلب إلى طبيعتها، دون أن تشهد دول الخليج نقصاً واسعاً في السلع الغذائية.

وحتى من قبل كورونا، كان التركيز على سياسات الأمن الغذائي حاضراً في الخليج خلال أزمات أقدم، إذ دفعت الأزمة المالية العالمية في 2008 و2009، وما رافقها من قيود على تصدير الغذاء من بعض الدول، حكومات المنطقة إلى إدراك هشاشة الاعتماد الكامل على الواردات، ما أدى إلى إطلاق مبادرات لتعزيز الإنتاج المحلي وبناء مخزونات استراتيجية من السلع الأساسية.

كما واجهت المنطقة اختباراً جديداً خلال اضطرابات أسواق الحبوب بعد اندلاع الغزو الروسي لأوكرانيا في عام 2022، إذ أدت الحرب إلى ارتفاع أسعار القمح والزيوت النباتية وتعطل جزء من صادرات الحبوب من منطقة البحر الأسود، وهو ما دفع دول الخليج إلى تنويع مصادر الاستيراد وتعزيز احتياطياتها الغذائية.

هذا المحتوى من "اقتصاد الشرق".

تصنيفات

قصص قد تهمك