الغموض يكتنف استراتيجية ترمب تجاه إيران | الشرق للأخبار

من "وعود الحرية" إلى "استسلام غير مشروط".. الغموض يكتنف استراتيجية ترمب تجاه إيران

time reading iconدقائق القراءة - 10
تصاعد الدخان بعد غارات إسرائيلية أميركية على العاصمة الإيرانية طهران. 6 مارس 2026 - Getty Images
تصاعد الدخان بعد غارات إسرائيلية أميركية على العاصمة الإيرانية طهران. 6 مارس 2026 - Getty Images
دبي -

يرفع غموض استراتيجية الرئيس الأميركي دونالد ترمب في الحرب على إيران، من المخاطر السياسية، إذ خاطب الإيرانيين بأن مستقبل بلادهم "بين أيديهم"، لكنه أعاد التأكيد على أنه سيقرر اختيار الزعيم الجديد للبلاد خلفاً لمرشد إيران، مطالباً بـ"الاستسلام غير المشروط" للنظام الحالي، حسبما أوردت صحيفة "وول ستريت جورنال". 

وعندما بدأت الضربات على إيران، توقع ترمب أن يكون التدخل سريعاً نسبياً وأن يقتصر هدفه على منع إيران من امتلاك سلاح نووي، وقال مخاطباً الإيرانيين: "عندما ننتهي، تولوا أنتم إدارة حكومتكم. ستكون بين أيديكم"، مضيفاً: "لقد وعدتكم بذلك ووفّيت بوعدي. أما الباقي فمتروك لكم"، لكن في الأيام الأخيرة غيّر موقفه، مؤكداً أنه يريد دوراً في اختيار الزعيم الجديد، غير أن الضربات الجوية نفسها جعلت ذلك أكثر تعقيداً. 

وهذا التحول السريع يزيد الغموض حول الهدف النهائي للإدارة ويرفع المخاطر السياسية عليه، خصوصاً أنه بنى حركة "أميركا أولاً" MAGA، على وعد بتجنب التورط في صراعات خارجية، أما الآن، فهو يسعى إلى التأثير في النتيجة السياسية لدولة يبلغ عدد سكانها نحو 92 مليون نسمة في أكثر مناطق العالم توتراً. 

وكشفت المبررات المتغيرة للحرب، التباين بين أشهر من التخطيط للهجوم العسكري الأولي، وبين ما وصفه مسؤول رفيع في الإدارة بأنه "نقاش محدود للغاية حول من سيتولى السلطة في البلاد بعد ذلك". 

وقال المسؤول للصحيفة، إن "هذا الأمر كان مقصوداً جزئياً، إذ أراد ترمب إبقاء الاستراتيجية الأميركية مرنة وقابلة للتعديل وفق التطورات العسكرية والسياسية على الأرض". 

وقدم البيت الأبيض العملية المشتركة مع إسرائيل، التي أسفرت عن قتل العشرات من قيادات النظام الإيراني، بينهم المرشد علي خامنئي، على أنها "نجاح عسكري ساحق"، إذ استهدفت أكثر من 3 آلاف هدف، وألحقت أضراراً أو دمرت 43 سفينة إيرانية خلال أيام قليلة، فيما أعلن وزير الحرب الأميركي، بيت هيجسيث، أن القوة النارية الأميركية مرشحة لـ"التصاعد بشكل كبير". 

كما نشرت حسابات حكومية أميركية مقاطع فيديو بالأبيض والأسود للضربات الجوية مصحوبة بموسيقى تشبه أفلام الحركة، لكن لهذه الحرب تداعيات متسارعة، من بينها اضطراب حركة الشحن عبر مضيق هرمز، وحالة الذعر التي صاحبت محاولات إجلاء الأميركيين من المنطقة بعد الضربات الانتقامية الإيرانية. 

وحتى بعد أيام من اندلاع الصراع، كانت الإدارة الأميركية لا تزال تدرس خيارات متعددة، منها تسليح ميليشيات كردية، أو العمل عبر شخصيات من داخل النظام، أو اختيار خليفة مفضل. 

غموض الأهداف الأميركية في حرب إيران

وفي وقت كان فيه ترمب يتصل بمستشارين خارجيين وصحافيين لطرح أفكاره عليهم، كان مساعدوه لا يزالون يحاولون بلورة مبرر واضح للحرب، بحسب "وول ستريت جورنال". 

وقال آرون ديفيد ميلر، وهو خبير في شؤون الشرق الأوسط، عمل مستشاراً لعدة رؤساء أميركيين للصحيفة: "لم تكن هناك عملية واضحة هنا، ولا خطة على الأرض، وهو أمر يتطلب أشهراً من التحضير. لم يكن هناك تصور لما سيحدث عندما تُلقى الحجر في الماء وما سيحدثه من موجات". 

من جهته، نفى البيت الأبيض أن يكون ترمب قد غيّر أهدافه، موضحاً أن "الاستسلام غير المشروط" يعني اللحظة التي يقرر فيها الرئيس بأن إيران لم تعد تشكل تهديداً للولايات المتحدة، كما أكد أن ترمب اتخذ خطوات لضمان مرور آمن لناقلات النفط، وإتاحة النفط الخاضع للعقوبات للتخفيف من الضغوط على السوق العالمية. 

وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت: "الرئيس وفريقه للأمن القومي يتابعون بدقة كل تأثير لعملية الغضب الملحمي، ويتعاملون مع أي تحديات تظهر. وفوق كل شيء، يظل الرئيس وفريقه مركزين بشدة على الهدف الطويل المدى للعملية وهو: القضاء الكامل على نظام إرهابي هدد بلادنا لما يقرب من خمسة عقود". 

ومع تحول الحرب إلى أزمة إقليمية أوسع جذبت أكثر من 12 دولة، "لا يزال ترمب يعيد صياغة مبررات الحرب ونهايتها المحتملة بشكل متواصل"، وفق ما نقلت "وول ستريت جورنال" عن مسؤولين أميركيين حاليين وسابقين ودبلوماسيين من دول حليفة. 

تقليص الحلول الدبلوماسية

وأثار إعلان ترمب، الجمعة، أنه لن يكون هناك اتفاق مع إيران "إلا عبر الاستسلام غير المشروط"، وأنه يريد دوراً في اختيار زعيم "مقبول" لدى الولايات المتحدة، خطاً أحمر جديد. وقد يؤدي ذلك إلى تقليص فرص الحلول الدبلوماسية، وربما يدفع الولايات المتحدة إلى دور بناء الدولة الذي كان ترمب قد تعهد بتجنبه. 

ويحذر محللون ومسؤولون أميركيون سابقون، من أن الغموض حول الأهداف الأميركية في إيران، في ظل أكبر حشد عسكري أميركي في المنطقة منذ عام 2003، "ينطوي على مخاطر كبيرة". 

فغياب جدول زمني واضح قد يعني مزيداً من الضحايا الأميركيين، إذ قُتل بالفعل ستة جنود، إضافة إلى ارتفاع التكاليف على دافعي الضرائب، واهتزاز الاقتصاد العالمي، واستنزاف مخزونات الذخائر الأميركية التي قد تجد الصناعة الدفاعية صعوبة في تعويضها بسرعة. 

وقال جريجروي برو، محلل شؤون إيران في مؤسسة "أوراسيا جروب": "يرغب الرئيس في رؤية حكومة أكثر تعاوناً، لكن لا أحد فكر بجدية في كيفية حدوث ذلك، ولا أحد تعامل مع حقيقة أن طهران، حتى لو ضعفت، من المرجح أن تبقى. ترمب يتجاهل ذلك، لكن الأمر ستكون له تداعيات كبيرة على المنطقة والولايات المتحدة". 

وأبدى ترمب حماساً لصور ومقاطع فيديو تُظهر إيرانيين حول العالم يحتفلون بعد اغتيال خامنئي، وشارك بعضها على وسائل التواصل الاجتماعي، لكن مع دخول الحرب أسبوعها الثاني، وتوقع المسؤولين الأميركيين استمرارها لفترة أطول، قد تبدأ رسائل البيت الأبيض بفقدان تأثيرها، وفق "وول ستريت جورنال". 

وفي الإطار، قال ديفيد شينكر، الذي شغل منصب كبير مسؤولي الشرق الأوسط في وزارة الخارجية خلال الولاية الأولى لترمب، إن هذا المشهد يذكره بصور عام 2003 عندما كان عراقيون يهدمون تماثيل الرئيس الراحل صدام حسين بعد الغزو الأميركي. 

وأضاف في تصريحاته للصحيفة: "هناك دائماً نوع من النشوة غير العقلانية يجب أن تُكبح بواقع قاتم. الخسائر تتزايد، ولا شيء يسير كما خُطط له. والخط الأحمر لحركة ماجا MAGA هو إرسال قوات برية".

نموذج مادورو

وأدى قرار ضرب إيران في 28 فبراير الماضي، إلى ترك عشرات الآلاف من الأميركيين عالقين في المنطقة، وعندما حثت وزارة الخارجية الأميركية رعاياها على المغادرة، عبر رسالة تحذر الأميركيين في 14 دولة وتدعوهم إلى "المغادرة فوراً باستخدام وسائل النقل التجارية المتاحة بسبب مخاطر أمنية خطيرة"، كان معظم المجال الجوي قد أُغلق ولم تعد هناك رحلات متاحة. 

واستغل منتقدو الإدارة الأسئلة التي لم يجب عنها البيت الأبيض للقول إن ترمب وفريقه "لم يخططوا لتداعيات الضربات". لكن ترمب قلل من هذه المخاوف، قائلاً في مقابلة مع شبكة ABC News: "انسَ ما سيحدث لاحقاً. لقد دُمّروا لعشر سنوات قبل أن يتمكنوا من إعادة البناء"، في إشارة إلى البرنامج النووي الإيراني. 

وبعد ستة أيام من الضربات الأميركية الإسرائيلية التي قتلت خامنئي وعشرات المسؤولين الإيرانيين الكبار، لم يحدد المسؤولون الأميركيون بعد خليفة يمكن التعامل معه، كما أنهم غير متأكدين من الشخص الذي سيتولى السلطة في طهران. وفي الوقت الراهن تدار البلاد عبر مجلس مؤقت من ثلاثة أشخاص يضم رجلَي دين متشددين والرئيس الإيراني، إلى أن يختار مجلس الخبراء خليفة جديداً.

وقالت وزارة الخارجية الأميركية، إن أكثر من 24 ألف أميركي عادوا بالفعل إلى البلاد، تلقى نحو 13 ألفاً منهم مساعدة مباشرة، بينهم مئات غادروا عبر طائرات مستأجرة. 

كما يحمل رهان ترمب تداعيات سياسية كبيرة داخل الولايات المتحدة، فقد انتقدت أصوات بارزة داخل قاعدة "ماجا" المهمة العسكرية، وقد تتزايد هذه الانتقادات كلما طال أمد الحرب، ما قد يضع ترمب والحزب الجمهوري في موقف صعب قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر المقبل، التي تركز بالفعل على قضايا المعيشة. وارتفعت أسعار الوقود في أميركا منذ بدء الحرب ضد إيران. 

ومع تقدم العمليات العسكرية، بدأ ترمب يتحدث بشكل متزايد عن إمكانية تطبيق "النموذج الفنزويلي" في إيران، أي العثور على شخصية من داخل النظام تكون أكثر قابلية للتعاون مع واشنطن.

وشجعه على ذلك نجاح العملية التي جرت في 3 يناير الماضي، وأدت إلى اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، والتعاون الذي حصل عليه من بقايا النظام هناك، وهو ما يفاخر به ترمب مستشهداً باتفاقات النفط والذهب التي أُبرمت لاحقاً. 

لكن محللين يرون أن تكرار هذا النموذج في إيران سيكون مستحيلاً تقريباً، فخلافاً لفنزويلا، التي كانت دولة نفطية منهكة، تواجه واشنطن في إيران نظاماً دينياً راسخاً مدعوماً بجهاز أمني واسع صُمم للحفاظ على النظام حتى بعد فقدان قادته الكبار. 

تصنيفات

قصص قد تهمك