
تزايدت الضغوط السياسية والاقتصادية على الرئيس الأميركي دونالد ترمب، خلال الأسبوع الأخير، في وقت تزامنت فيه بيانات ضعيفة لسوق العمل مع ارتفاع حاد في أسعار الوقود على خلفية الحرب في إيران، بينما أثارت إقالة وزيرة الأمن الداخلي كريستي نويم جدلًا جديداً حول سياسات الهجرة في إدارته.
وقالت مجلة "بوليتيكو" إن هذه التطورات هددت اثنين من أبرز وعود ترمب الانتخابية، وهما إنعاش الاقتصاد والقضاء على الهجرة غير الشرعية، في مرحلة حساسة يسعى فيها الحزب الجمهوري للحفاظ على أغلبيته في الكونجرس قبل انتخابات التجديد النصفي.
وأضافت المجلة أن ملفي الاقتصاد والهجرة تحولا خلال الأسبوع الماضي إلى مصدر ضغط سياسي محتمل على إدارة ترمب، موضحة أن سوق العمل الذي يشهد حالة من الركود، إلى جانب الارتفاع الحاد في أسعار الوقود، يوجهان ضربة للاقتصاد. وفي الوقت نفسه، سلّطت إقالة نويم الضوء مجدداً على أجندة الهجرة في الإدارة، التي تزداد عدم شعبيتها.
وأشارت "بوليتيكو" إلى أن المشهد الاقتصادي أصبح أكثر قتامة، إذ يحذر محللو وول ستريت من أن ارتفاع أسعار النفط قد يقود إلى حالة ركود تضخمي، مضيفة أن موجة الأخبار السلبية المتلاحقة تهدد قدرة الحزب الجمهوري على إبقاء الناخبين مركزين على سياسات إدارة ترمب المصممة لمعالجة ارتفاع تكاليف المعيشة.
ونقلت المجلة عن أحد حلفاء ترمب، الذي طلب عدم الكشف عن هويته للتحدث بحرية، قوله: "إذا جمعت بين اقتصاد لا يروق للناس وحرب طويلة يعلم الجميع أن قاعدته الانتخابية لم تصوّت لها، فهذه مشكلة سامة سياسياً".
أسعار النفط
ولفتت المجلة إلى أن ترمب، رغم أنه ليس على بطاقة الاقتراع هذا العام، يحتاج حزبه إلى تحسن معدلات تأييده للحفاظ على أغلبيته في مجلسي النواب والشيوخ.
وتابع المصدر قائلًا: "لا تُطيلوا أمد هذه الحرب.. هذه أفضل نصيحة يمكن تقديمها للإدارة، فالبلاد ليست في مزاج لتحمّل حرب طويلة".
وأوضحت المجلة أن الصراع مع إيران فرض ضغوطاً تصاعدية كبيرة على أسعار النفط والغاز، إذ ارتفعت أسعار الوقود بأكثر من 11% خلال أسبوع واحد.
ومع بدء الشركات في تقليص عدد الموظفين، وإعادة ترمب النظر في مَن يقود أجندته المتعلقة بالهجرة، يجد الرئيس نفسه في موقف دفاعي بشأن الملفين اللذين يحتاج إلى تحقيق نجاح فيهما لضمان فوز حزبه بانتخابات التجديد النصفي.
ونقلت المجلة عن ستيفن مور، الخبير الاقتصادي السابق في مؤسسة "Heritage"، والذي عمل مستشاراً غير رسمي لترمب لسنوات، قوله إن القدرة على تحمّل تكاليف المعيشة كانت بالفعل مصدر قلق رئيسي حتى عندما كانت أسعار الوقود منخفضة. وأضاف: "ترمب يحتاج بالتأكيد إلى أن تنخفض الأسعار في أسرع وقت ممكن".
وفي الوقت نفسه، يواجه الرئيس الأميركي صعوبات في الملف الذي كان يُعد أقوى أوراقه السياسية وأكثرها تعريفاً لبرنامجه، وهو ملف الهجرة.
ولفتت المجلة إلى أنه رغم الانخفاض الملحوظ في عدد الأشخاص الذين يعبرون الحدود الجنوبية، وهو ما يرجع جزئياً إلى جهود إدارة ترمب، فإن الصور التي انتشرت على نطاق واسع لعمليات إنفاذ القانون الصارمة في مختلف أنحاء البلاد أثارت استياء حتى لدى بعض مؤيديه.
وفي المقابل، لا يزال بعض المحافظين غير راضين عن عدم كفاية هذه الجهود، مشيرين إلى أنها لم ترق إلى مستوى "عمليات الترحيل الجماعي" التي وعد بها ترمب خلال حملته الانتخابية.
تراجع التأييد
وأظهرت استطلاعات الرأي تراجع التأييد الشعبي للرئيس الأميركي، إذ كشف استطلاع حديث أجرته شبكة NBC News أن 49% من البالغين يعارضون بشدة طريقة تعامل ترمب مع أمن الحدود والهجرة، مقارنة بـ38% فقط في الصيف الماضي.
كما قال نحو ثلاثة أرباع المشاركين في الاستطلاع إنه يجب إصلاح إدارة الهجرة والجمارك الأميركية أو إلغاؤها.
وأشارت المجلة إلى أن قرار ترمب إقالة نويم، الخميس، جاء بعد أشهر من تزايد الإحباط داخل البيت الأبيض بشأن إدارتها للوزارة.
ويرى حلفاء الرئيس الأميركي أن مغادرتها قد تشير للجمهور إلى عودة سياسات الهجرة التي كانت تحظى بشعبية واسعة في الأيام الأولى من ولايته الثانية.
كما يظل هؤلاء الحلفاء متفائلين بأن رهان ترمب على المواجهة مع إيران سيؤتي ثماره، وأن الارتفاع المؤقت في أسعار النفط لن يستمر طويلاً.
وأكد مسؤولون في الإدارة، بينهم وزير الخزانة سكوت بيسنت، أن الحكومة تتخذ إجراءات لمعالجة ارتفاع أسعار النفط، بما في ذلك توفير تأمين ضد المخاطر لناقلات النفط في مضيق هرمز، إضافة إلى منح شركات الوقود في الهند إعفاءات مؤقتة من العقوبات المفروضة على النفط الروسي.
كما يقول حلفاء الرئيس الأميركي إن القانون الذي يصفه بـ"الكبير والجميل" سيؤتي ثماره خلال الأشهر المقبلة، معتبرين أن أرقام الوظائف الصادرة في فبراير مجرد تراجع مؤقت ضمن تقارير التوظيف التي أظهرت مكاسب بصورة عامة.
وقال جون ماكلولين، وهو مستطلع رأي يعمل مع ترمب: "لا يروق للناس ارتفاع أسعار الوقود، وهم قلقون من الحرب". وأضاف: "ربما نحتاج إلى بعض الوقت لكي ينجح رجالنا ونساؤنا في الجيش ويعودوا سالمين، وعندما يحدث ذلك، سنكون بخير وندخل انتخابات التجديد النصفي في وضع أفضل".
وصرّح المتحدث باسم البيت الأبيض كوش ديساي بأن "النهج الحازم والقوي والمرن الذي تتبعه الإدارة حقق نتائج، بدءاً من تأمين الحدود وصولاً إلى تسريع النمو الاقتصادي بقيادة القطاع الخاص".
تراجع سوق العمل
ومع ذلك، يشير التقرير إلى أن سوق العمل أظهر علامات توتر طوال الولاية الثانية لترمب. فعلى الرغم من انخفاض معدل البطالة، تباطأت عمليات التوظيف خلال العام الماضي، إذ واجه أرباب العمل مزيجاً معقداً من سياسات الهجرة والتجارة التي قلّصت العمالة وأضعفت الطلب عليها، بحسب المجلة.
وقالت وزارة العمل الأميركية، الجمعة، إن عدد الوظائف تراجع بأكثر من 90 ألف وظيفة، وهو رقم أسوأ بكثير من التوقعات، مع تسجيل خسائر في كل من القطاعين الحكومي والخاص.
وأرجع البيت الأبيض هذا التراجع جزئياً إلى نزاع عمالي أدى إلى توقف 30 ألف عامل في قطاع الرعاية الصحية في ولايتي كاليفورنيا وهاواي الشهر الماضي، إضافة إلى العواصف الشتوية القاسية التي أضعفت التوظيف في شمال شرق البلاد.
غير أن هذه التفسيرات لا تبدو كافية لقيادات الحزب الجمهوري التي تكافح لإقناع الناخبين بشأن مشكلة القدرة على تحمّل التكاليف، وهي القضية التي ستحدد مسار الحملة الانتخابية المقبلة، بحسب "بوليتيكو".
وقال ماثيو بارتليت، وهو استراتيجي جمهوري ومسؤول سابق في وزارة الخارجية خلال إدارة ترمب الأولى: "نحن الآن بعد عام من رئاسة ترمب، ويبدو أن كل شيء تغير باستثناء الاقتصاد".
وأضاف: "مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، رسالتنا الوحيدة بشأن الاقتصاد هي: يجب أن تشكرونا على القانون الكبير والجميل.. هذا سيظل دائماً تحدياً".
وأوضحت المجلة أن القانون "الكبير والجميل" الذي طرحه الحزب الجمهوري، حتى مع تضمينه تخفيضات ضريبية في مصلحة المستهلك، لم يفعل الكثير لمعالجة تراجع ثقة المستهلكين.
مخاوف من الركود التضخمي
وقالت "بوليتيكو" إن الأميركيين يصبحون أقل ميلاً إلى الإنفاق عندما يشعرون بعدم اليقين بشأن سوق العمل، كما أن الارتفاع السريع في أسعار النفط بسبب الصراع مع إيران يزيد احتمال أن تواجه إدارة ترمب قريباً حالة ركود تضخمي، وهي مزيج خطير سياسياً من تباطؤ النمو الاقتصادي وارتفاع التضخم.
وقالت بيث آن بوفينو، كبيرة الاقتصاديين في "بنك أوف أميركا": "التضخم العنيد كان خطراً أشرنا إليه حتى قبل الحرب في إيران، ولا يمكن استبعاد سيناريو الركود التضخمي في هذه المرحلة".
وذكرت المجلة أن بعض مسؤولي الحزب الجمهوري في أنحاء البلاد يشعرون بالقلق من أن الحرب في إيران تشتت انتباه الرئيس عن الرسالة المتعلقة بخفض تكاليف المعيشة، التي يرغبون في أن يوجهها لطمأنة الأميركيين وتعزيز الإقبال على التصويت.
ووفقاً لـ"بوليتيكو"، أعرب مسؤولون جمهوريون سراً خلال الأشهر الماضية عن مخاوف من أن الرئيس الأميركي يركز أكثر من اللازم على السياسة الخارجية على حساب القضايا الداخلية.
وعلى الرغم من أن ترمب حاول في بعض الأحيان التأكيد على اهتمامه بخفض تكاليف المعيشة خلال جولاته الانتخابية في ولايات مثل ميشيجان وأيوا، فإن تحركاته الخارجية، مثل الإطاحة بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في يناير، ومحاولة ضم جرينلاند، وهي خطوة أثارت اضطرابات في الأسواق، طغت على هذه الرسالة.
ونقلت "بوليتيكو" في نهاية تقريرها عن أحد العاملين في الحملات الجمهورية لانتخابات التجديد النصفي، والذي طلب عدم الكشف عن هويته، قوله: "ركّز فقط على القضايا المحلية وتوقف عن التركيز على العالم، حتى لو لم يكن بإمكانك خفض الأسعار، فافعل كل ما بوسعك لجعل الناس يشعرون بأن الاقتصاد يتحسن".










