
قالت مصادر أميركية إن الرئيس دونالد ترمب أقدم على قرار شن حرب إيران، رغم إدراكه أن ذلك قد يدفع طهران إلى إغلاق مضيق هرمز، معتقداً إنها ستستسلم وأن الجيش الأميركي قادر على التعامل مع الوضع، حال إغلاق أهم ممر ملاحي في العالم، حسبما أفادت به صحيفة "وول ستريت جورنال".
ووفقاً لمسؤولين في الإدارة وآخرين مُطّلعين على الأمر، فإنّ دافع ترمب للحرب كان ثقةً عميقةً في قدرات الجيش الأميركي على تحقيق نصر سريع وحاسم.
وتعززت ثقة ترمب في رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كاين، بعد الضربات الأميركية الناجحة على المواقع النووية الإيرانية العام الماضي، والغارة التي نُفّذت في يناير الماضي وأسفرت عن القبض على رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو.
وقبل دخول الولايات المتحدة الحرب، أبلغ الجنرال دان كاين، ترمب أن "هجوماً أميركياً قد يدفع إيران إلى إغلاق مضيق هرمز، وأقر ترمب بالمخاطر، لكنه مضى في اتخاذ قرار الحرب، وأبلغ فريقه أن طهران ستستسلم على الأرجح قبل إغلاق المضيق، وحتى لو حاولت ذلك، فإن الجيش الأميركي قادر على التعامل معها".
وذكر كاين في عدة إحاطات إعلامية أن المسؤولين الأميركيين كانوا يعتقدون منذ فترة طويلة أن إيران ستنشر ألغاماً وطائرات مسيرة وصواريخ لإغلاق أهم ممر ملاحي في العالم.
بدوره، قال الناطق باسم كاين، جو هولستيد، إن رئيس الأركان قدّم للرئيس مجموعةً كاملةً من الخيارات العسكرية، إلى جانب دراسة دقيقة ومتأنية للآثار الجانبية والتبعات والمخاطر المرتبطة بكل خيار.
وقال البيت الأبيض إنّ ترمب كان يُدرك مخاطر شنّ الحرب، لكنّه كان مُصمّماً على القضاء على التهديد الذي تُشكّله إيران على الأمن القومي.
وقبل أن يُوافق الرئيس على العملية، ناقش هو ومستشاروه خياراتٍ لإجبار إيران على إعادة فتح مضيق ملقا (يربط بين المحيط الهندي "بحر أندمان" وبحر الصين الجنوبي "المحيط الهادئ")، واستخدام البحرية الأميركية لمرافقة ناقلات النفط عبر الممر المائي.
وكان احتمال إغلاق المضيق أحد السيناريوهات العديدة التي طرحها كاين ومستشارون آخرون على ترمب قبيل الحرب، كما أعرب رئيس هيئة الأركان عن ثقته في قدرة الجيش على إضعاف البحرية الإيرانية وترسانتها الصاروخية، فضلاً عن تقليص قدرتها على بناء ونشر سلاح نووي.
ورقة ضغط لطهران
وقالت كارولين ليفيت، المتحدثة باسم البيت الأبيض: "يُخطط البنتاجون منذ عقودٍ لإغلاق إيران اليائس والمتهور لمضيق هرمز، وكان ذلك جزءاً من تخطيط إدارة ترمب قبل إطلاق عملية (الغضب الملحمي) بفترةٍ طويلة".
وأضافت ليفيت أن العملية الأميركية الرامية إلى القضاء على القدرات العسكرية الإيرانية "تهدف حرفياً إلى حرمانها من قدرتها على إغلاق المضيق".
لكن إيران منعت ناقلات النفط من المرور عبر المضيق وهاجمت سفن شحن، ما أدى إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط وصدمة طاقة امتدت آثارها إلى جميع أنحاء العالم.
والآن، وبعد أسبوعين من الحرب، يرفض القادة الإيرانيون التراجع، وبرز مضيق هرمز كأقوى ورقة ضغط لطهران.
ويساور وزارة الدفاع الأميركية قلق بالغ من أن تصبح أي سفن حربية أميركية ترافق ناقلات النفط عبر المضيق أهدافاً، ما لم تُدمر الولايات المتحدة السفن الإيرانية وأنظمة الدفاع الساحلي، بما في ذلك الطائرات المسيّرة والصواريخ.
وتستهدف القوات الأميركية سفن زرع الألغام والمصانع الإيرانية، في محاولة لمنع طهران من زرع الألغام في الممر المائي.
وأسفرت العملية العسكرية الأميركية الإسرائيلية المشتركة عن اغتيال المرشد الأعلى الإيراني، علي خامنئي، واستهداف مقرات عسكرية، وإلحاق أضرار أو تدمير أكثر من 90 سفينة إيرانية.
إلا أن الثمن كان باهظاً، فقد قُتل ما لا يقل عن 13 أميركياً، بينهم 6 في حادث تحطم طائرة تابعة لسلاح الجو للتزود بالوقود، الخميس، ما يجعل الحرب في إيران العملية العسكرية الأكثر دموية خلال فترتي رئاسة ترمب.
كما أُصيب ما لا يقل عن 140 أميركياً في هذا الصراع، وقُتل نحو 175 شخصاً، معظمهم من الأطفال، في غارة على مدرسة للبنات في إيران، والتي خلص تحقيق أميركي أولي إلى أنها على الأرجح من تنفيذ القوات الأميركية.
وتُكلّف العملية الأميركية مليارات الدولارات أسبوعياً، وعلى نطاق أوسع، يُهدّد خطر اتساع رقعة الحرب وطول أمدها الاقتصاد الأميركي، مُثيراً تحذيرات من الركود التضخمي، وهو مستنقع من النمو الراكد والتضخم المرتفع.
البحث عن مخرج
ويحثّ بعض مستشاري ترمب الرئيس على إيجاد مخرج، لكن مساعدين ومسؤولين أفادوا بأنه لا ينوي إنهاء الحرب فوراً، بل يضغط لمواصلة الضربات على الجيش الإيراني وأذرعه.
ويتناقض ذلك مع تصريحات ترمب العلنية بأن "المهمة قد أُنجزت إلى حدٍ كبير"، إذ قال الرئيس الأميركي خلال تجمع في ولاية كنتاكي الأربعاء: "لقد انتصرنا".
وقال مسؤولون عسكريون أميركيون إن "الصراع سيستمر على الأرجح لبضعة أسابيع أخرى على الأقل".
وأعلن ترمب مساء الجمعة، أن الولايات المتحدة قصفت أهدافاً عسكرية في جزيرة خرج الإيرانية، بهدف الضغط على طهران لإعادة فتح مضيق هرمز.
وتُصدّر إيران من هذه الجزيرة 90% من نفطها الخام، لكن الهجوم لم يستهدف البنى التحتية النفطية "لأسباب تتعلق بالأصول الإنسانية"، كما أفاد ترمب في منشور عبر منصة Truth Social.
وأضاف ترمب: "مع ذلك، إذا أقدمت إيران، أو أي جهة أخرى، على أي عمل من شأنه عرقلة حرية وسلامة مرور السفن عبر مضيق هرمز، فسأعيد النظر في هذا القرار فوراً".
ويتوقع دبلوماسيون أجانب في طهران أن تُحكم إيران قبضتها على الممر المائي، آملين أن تُقنع التكلفة الباهظة التي ستتكبدها الولايات المتحدة ترمب بالانسحاب من الحرب.
"غياب التخطيط"
ويقول منتقدو الرئيس إن إغلاق المضيق والاضطراب الاقتصادي الناتج عنه يعكسان غياب التخطيط والتفكير المتأني في الأسابيع التي سبقت الحرب.
وقال السيناتور الديمقراطي كريس مورفي: "لم يكن لديهم أي خطة لمعالجة الأزمة في المضيق. إن حقيقة عدم وجود خطة مسبقة لديهم، وحتى بعد أسبوع من بدء الحرب، لم تكن لديهم خطة، أمرٌ صادم للغاية".
وعادةً ما تتضمن الاستعدادات للحرب أسابيع أو شهوراً من المداولات السرية، ووثائق تخطيط مكتوبة، وعرض وجهات نظر معارضة من الدبلوماسيين ومسؤولي الاستخبارات، واجتماعات مجلس الأمن القومي مع أعضاء مجلس الوزراء لاتخاذ القرار الأنسب.
لكن المشاركة في الاستعدادات لمواجهة إيران اقتصرت على مجموعة صغيرة فقط، ضمت نائب الرئيس جيه دي فانس، ووزير الخارجية ماركو روبيو، ووزير الحرب بيت هيجسيث، وقد حدّ ذلك من نطاق المشورة والمعلومات والأفكار المتاحة للرئيس، الذي كان عليه الموازنة بين الآثار السلبية العديدة للهجوم.
وأكد مسؤولون في الإدارة أن هذا الترتيب المحدود كان مقصوداً، إذ مكّن ترمب من الاستجابة السريعة للتطورات المتغيرة، وكان مشابهاً لكيفية تعامله مع الضربات التي استهدفت 3 مواقع نووية إيرانية في يونيو الماضي.
وقال مسؤولون أميركيون إن أسئلةً مثل كيفية إجلاء المواطنين الأميركيين في ظل تصاعد الصراع، أو ضمان أن يكون الزعيم الإيراني القادم على علاقة ودية مع واشنطن، ظلت دون إجابة.
ولم يُطلع بعض كبار مساعدي الرئيس والدبلوماسيين الأميركيين المسؤولين عن شؤون الشرق الأوسط إلا على القليل، إن لم يكن شيئاً، عن خطط الحرب. واكتشفوا بدء القصف من خلال وسائل التواصل الاجتماعي والتقارير الإخبارية.
ومع معارضة غالبية الأميركيين للحرب في استطلاعات الرأي، يحاول ترمب ومستشاروه إقناع الرأي العام بأن الصراع لن يطول أمده كما حدث في "الحروب الأبدية" بالعراق وأفغانستان، وهو ما يُعد خطاً أحمر بالنسبة للعديد من المشرعين وقاعدة الرئيس المؤيدة له.
وأطلق البيت الأبيض والبنتاجون حملة إعلامية مكثفة ترتكز على فكرة تفوق الولايات المتحدة، ما يعكس قناعة ترمب بأن التفوق العسكري قادر على التغلب على أي رد إيراني وتجاوزه، إذ نشرت حسابات الحكومة الأميركية مقاطع فيديو مُنمّقة للغارات، بعضها مُدمج مع لقطات من أفلام أو ألعاب فيديو.
وفي الوقت نفسه، يحاول فريق ترمب سراً طمأنة الرئيس بأن المحافظين لم يتخلوا عنه، وقد زودوه في الأيام الأخيرة ببيانات استطلاعات رأي، زعموا أنها تُظهر أن الحرب تحظى بشعبية بين مؤيديه، بحسب "وول ستريت جورنال".
وقام بعض حلفاء ترمب، الذين ازداد تشككهم في العملية، بالتنسيق سراً لترتيب ظهورهم على قناة Fox News، وقنوات تلفزيونية أخرى يتابعها الرئيس، لتوجيه نبرة تحذيرية والتنديد بتورط أميركي أعمق.
ترمب أمام خيارين
وأُصيب الرئيس وبعض مستشاريه بالدهشة من اتساع نطاق الرد الإيراني، الذي شمل إطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة على دول إقليمية من أذربيجان إلى عُمان.
ويواجه ترمب خيارين صعبين، بحسب المحللين: إما إنهاء الأعمال العدائية وترك نظامٍ مُنهكٍ يُرجّح أن يُعيد بناء ترسانته ويُرهب حلفاءه الإقليميين، أو مواصلة القصف على حساب اتساع نطاق عدم الاستقرار، ووقوع المزيد من الخسائر، وردود فعل سياسية عنيفة بين الناخبين الذين اعتقدوا أن ترمب سينهي التدخل الأميركي في الحروب الخارجية، لا سيما في الشرق الأوسط.
ومع ارتفاع أسعار النفط وانهيار أسواق الأسهم، طرح مسؤولو البيت الأبيض هذا الأسبوع استراتيجية تواصل جديدة: سينتهي الصراع سريعاً بمجرد أن تُكمل الولايات المتحدة أهدافها العسكرية.
وأعرب المسؤولون عن أمل الإدارة في أن تُهدئ هذه الرسالة الأسواق، إذ قال ترمب هذا الأسبوع بأن الحرب ستنتهي "قريباً جداً".
إلا أن مسؤولين أميركيين يقولون في أحاديث خاصة إنه "لا توجد خطط لسحب القوات، إذ يتجه المزيد من مشاة البحرية والسفن الحربية إلى المنطقة ويتوقع البعض أن يستمر القتال لأسابيع أو أكثر"، فيما قال مسؤولون آخرون إن هناك سيناريو آخر وهو أن يعلن ترمب النصر.











