
يُعد المركز الوطني لمكافحة الإرهاب (NCTC) الجهة الأميركية الرئيسية المسؤولة عن تحليل المعلومات الاستخباراتية المتعلقة بالإرهاب ودمجها ومشاركتها عبر مؤسسات الحكومة الفيدرالية.
يعمل المركز تحت مظلة مكتب مدير الاستخبارات الوطنية، ويُعيَّن مديره من قِبَل الرئيس ويخضع لتصديق مجلس الشيوخ، ويضم أكثر من ألف موظف يمثّلون نحو 20 وزارة ووكالة مختلفة، في نموذج فريد للعمل الاستخباراتي المشترك.
وفي الوقت نفسه، يرفع مدير المركز تقاريره مباشرة إلى الرئيس بشأن أنشطة التخطيط العملياتي الاستراتيجي لمكافحة الإرهاب. وقد نشأ هذا الكيان من رحم أحد أكبر إخفاقات الاستخبارات في تاريخ الولايات المتحدة: هجمات 11 سبتمبر 2001.
من هجمات سبتمبر إلى مركز موحّد
وقبل إنشاء مركز دمج التهديدات الإرهابية (TTIC)، كانت الإدارات والوكالات الفيدرالية، ولا سيما وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) ومكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)، تقدّم للرئيس تقييماتها الخاصة بشأن التهديدات الإرهابية. وبذلك، كان يضطر البيت الأبيض إلى دمج تقارير مجتمع الاستخبارات واستخلاص استنتاجاته بنفسه.
وخلال خطاب حالة الاتحاد في 28 يناير 2003، أعلن الرئيس الأميركي آنذاك جورج بوش الابن قائلاً: "أوجّه هذا المساء قادة مكتب التحقيقات الفيدرالي، ووكالة الاستخبارات المركزية، ووزارة الأمن الداخلي، ووزارة الدفاع إلى إنشاء مركز لدمج التهديدات الإرهابية بهدف جمع وتحليل كافة المعلومات المتعلقة بالتهديدات في مكان واحد".
وفي 1 مايو 2003، افتتح المركز أبوابه بقيادة أول مدير له، جون برينان، حيث ضم في صفوفه عشرات الموظفين المنتدبين من مختلف أجهزة الحكومة الأميركية، وتم تكليفه بدمج قدرات ومهمات مكافحة الإرهاب على مستوى الحكومة.
التحوّل الحاسم: من TTIC إلى NCTC
وفي أغسطس 2004، وبناءً على توصية من لجنة التحقيق في هجمات 11 سبتمبر، تم دمج (TTIC) ضمن المركز الوطني لمكافحة الإرهاب (NCTC) بموجب الأمر التنفيذي رقم 13354، الذي شكَّل الأساس لتحديد صلاحيات المركز في قانون إصلاح الاستخبارات ومنع الإرهاب لعام 2004 (IRTPA) الذي أقره الكونجرس.
وبموجب ذلك الأمر التنفيذي وقانون IRTPA لاحقاً، أُسندت إلى مركز NCTC مسؤوليات لا تقتصر على دمج التحليلات وتنسيق تبادل المعلومات وتعزيز الوعي بالوضع فحسب، بل تشمل أيضاً التخطيط العملياتي الاستراتيجي لدعم الرئيس بشكل مباشر.
وفي عام 2005، توسعت مهام المركز مجدداً بعد أن دعت لجنة أسلحة الدمار الشامل (WMD Commission) إلى إدارة المهمات، وتم تأسيس NCTC بما يُعرف اليوم بإدارة الاستخبارات الوطنية لمكافحة الإرهاب (NIM-CT).
وبعد محاولة تفجير طائرة الركاب الأميركية "نورثويست إيرلاينز" الرحلة 253 في يوم عيد الميلاد عام 2009 أُضيفت إلى صلاحيات المركز مهمة تتبع خيوط التهديدات الإرهابية ومتابعتها بدقة وشمول.
مهام المركز وأدواته
يقود المركز الوطني لمكافحة الإرهاب (NCTC) جهود الحكومة الأميركية في تحليل التهديدات الإرهابية وفهمها والاستجابة لها، وهو ما يشكّل جوهر مهمته ويُوجّه جميع أنشطته.
أبرز مهام مركز (NCTC)
- العمل في إطار شراكة مؤسسية تضم وكالة الاستخبارات المركزية؛ ووزارة العدل/مكتب التحقيقات الفيدرالي؛ ووزارات الخارجية والدفاع والأمن الداخلي، إضافة إلى جهات أخرى توفر خبرات متخصصة مثل وزارات الطاقة والخزانة والزراعة والنقل والصحة والخدمات الإنسانية، وهيئة التنظيم النووي.
- ترؤس اجتماعات مشتركة بين الوكالات بشأن الجماعات الإرهابية وقدراتها وخططها ونواياها، فضلاً عن التهديدات الناشئة التي تستهدف المصالح الأميركية في الداخل والخارج.
- ترؤس و/أو دعم فرق العمل المشتركة بين الوكالات التي تنسّق وتُيسّر التوزيع الكفء والفعّال لموارد تحليل الإرهاب لدى الحكومة الأميركية، بما يشمل مستويات مناسبة من التكرار المخطط له.
- إعداد تقييمات تحليلية متكاملة ومنسّقة بين الوكالات بشأن قضايا الإرهاب، ونشر التحذيرات والتنبيهات والإرشادات حسب مقتصى الحال.
- الحفاظ على مستودع البيانات الوطني (TIDE) للمعلومات المتعلقة بالإرهابيين المعروفين والمشتبه بهم.
- إدارة مركز العمليات المشتركة لتوفير رؤى متخصصة وإدراك شامل للقضايا والأحداث العالمية المتعلقة بالإرهاب.
- تشغيل موقع إلكتروني آمن يحمل اسم NCTC CURRENT، الذي يُعد آلية مهمة لنشر المعلومات المتعلقة بالإرهاب التي يصدرها المركز وشركاء آخرون في مهام مكافحة الإرهاب، وهو متاح مباشرة لشريحة واسعة من شركاء الحكومة الأميركية الذين لديهم دور عملياتي، مثل فرق العمل المشتركة لمكافحة الإرهاب التابعة لمكتب التحقيقات الفيدرالي، والقيادات القتالية التابعة لوزارة الدفاع.
- دعم العملية التي يقودها المكتب التنفيذي للرئيس بهدف تعزيز تبادل المعلومات المتعلقة بالإرهاب داخل مجتمع الاستخبارات، ومع بقية الجهات الفيدرالية، وحتى على المستوى الدولي.
- توفير إطار عمل مشترك بين الوكالات وإجراءات داعمة لربط سياسات مكافحة الإرهاب على المستوى الوطني بالأهداف والمهام التشغيلية الاستراتيجية في مجال مكافحة الإرهاب.
- تطوير ودمج وتنفيذ وقياس فاعلية وتقدم الخطط التشغيلية الاستراتيجية لأنشطة مكافحة الإرهاب في الولايات المتحدة.
- تحديد الأدوار والمسؤوليات وإسنادها إلى الوزارات أو الوكالات القيادية في أنشطة مكافحة الإرهاب، وفقاً للخطط التشغيلية الاستراتيجية وبما يتماشى مع القوانين المعمول بها.
وفي أكتوبر 2023، قالت المديرة السابقة للمركز الوطني لمكافحة الإرهاب كريستين أبي زيد في شهادة أمام مجلس الشيوخ، إن المركز يراجع سنوياً نحو 30 مليون طلب سفر وهجرة جديد، بالإضافة إلى نحو 120 مليون مراجعة مستمرة، بالتنسيق مع وزارتي الخارجية والأمن الداخلي لمنع سفر الإرهابيين إلى الولايات المتحدة.
وبفضل صلاحياته الفريدة في الوصول إلى المعلومات الاستخباراتية الداخلية والخارجية معاً، يتمتع محللو NCTC بموقع متميز داخل مجتمع الاستخبارات يتيح لهم إعداد تقييمات واستنتاجات مستقلة، لا سيما في القضايا الحساسة، دون التأثر بالضغوط والاعتبارات المرتبطة بعمليات جمع المعلومات.
ولهذا السبب، يُنظر إليهم من قِبَل شركاء الحكومة الأميركية باعتبارهم "وسطاء موثوقين"، ويُدرَّبون على ترسيخ علاقات العمل والتعاون الوثيق التي يعززها المركز مع شركائه في مكافحة الإرهاب ضمن مجتمع الاستخبارات.
قيادات المركز عبر عقدين
تعاقب على قيادة المركز نحو 15 شخصاً بين مديرين، ومديرين بالإنابة، وانطلقت المسيرة بقيادة جون برينان بين عامي 2003 و2005، قبل أن يصبح لاحقاً مديراً لوكالة الاستخبارات المركزية.
كما تولّى نائب الأدميرال سكوت ريد حتى عام 2007، ثم مايكل ليتر حتى 2011، فماثيو أولسن حتى 2014، ونيكولاس راسموسن الذي خدم عبر إدارتي الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما والرئيس الأميركي دونالد ترمب في ولايته الأولى حتى 2017.
فيما شكّل تعيين كريستين أبي زيد عام 2021 منعطفاً بارزاً، إذ أصبحت أول امرأة تتولى قيادة المركز. وخلال فترتها، أشرفت على عمليات حاسمة من بينها المساهمة في التحضير لضربة الطائرة المسيّرة التي قتلت زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري في كابول في يوليو 2022. وغادرت منصبها في يوليو 2024، وخلفها بريت هولمجرن مديراً بالإنابة.
استقالة جو كينت
أعلن جو كينت استقالته من منصب مدير المركز الوطني الأميركي لمكافحة الإرهاب، الثلاثاء، موضحاً في بيان نشره على منصة "إكس": "لا يمكنني، بضمير مرتاح، دعم الحرب الجارية في إيران. لم تشكل إيران تهديداً وشيكاً لبلدنا، ومن الواضح أننا بدأنا هذه الحرب نتيجة ضغوط من إسرائيل واللوبي الخاص بها القوي في الولايات المتحدة".
وأضاف في رسالة الاستقالة الموجهة لترمب: "إنني أدعم القيم والسياسات الخارجية التي روجت لها في حملاتك الانتخابية في أعوام 2016، 2020، 2024، والتي طبقتها في ولايتك الأولى. وحتى يونيو من عام 2025، كنت تدرك أن الحروب في الشرق الأوسط كانت فخاً سلب أميركا الأرواح الثمينة لوطنيينا واستنزف ثروة وازدهار أمتنا".
وتابع: "في إدارتك الأولى (أيها الرئيس ترمب)، كنت تدرك أفضل من أي رئيس حديث كيفية استخدام القوة العسكرية بحزم دون الانجرار إلى حروب لا تنتهي. وقد أثبتّ ذلك من خلال اغتيال قاسم سليماني وهزيمة داعش"، في إشارة إلى قائد "فيلق القدس" في "الحرس الثوري" الإيراني قاسم سليماني الذي اغتيل بغارة أميركية في بغداد بداية 2020.
خدم كينت في الجيش الأميركي لمدة 20 عاماً، حيث أتم 11 مهمة قتالية في الشرق الأوسط، وحصل على العديد من الأوسمة العسكرية، بما في ذلك 6 أوسمة "نجوم برونزية". وبعد تقاعده من الجيش في عام 2018، عمل كضابط شبه عسكري في مركز الأنشطة الخاصة التابع لوكالة الاستخبارات المركزية.
وحملت قيادة كينت بُعداً شخصياً، إذ أودى تفجير انتحاري في سوريا عام 2019 بحياة زوجته شانون كينت، كبيرة ضباط الصف في البحرية الأميركية.
وبعد أكثر من عقدين على تأسيسه، يبقى المركز الوطني لمكافحة الإرهاب حجر الزاوية في المنظومة الأميركية لمكافحة الإرهاب. غير أن تطوّر التهديدات - من الجماعات العابرة للحدود إلى التطرف الداخلي - يطرح تساؤلات متجددة بشأن مدى ملاءمة أدواته وصلاحياته للمرحلة المقبلة.








