
كشفت مصادر بريطانية وغربية أن مستشار الأمن القومي البريطاني جوناثان باول حضر الجولة النهائية من المحادثات النووية بين الولايات المتحدة وإيران في 26 فبراير الماضي، وأنه خلص من المحادثات إلى أن العرض الذي قدمته طهران بشأن برنامجها النووي كان كبيراً بقدر يكفي لتجنب الانزلاق إلى حرب.
ونقلت صحيفة "الجارديان" البريطانية عن مصادر مطلعة قولها إن باول رأى أن تقدماً تحقق خلال محادثات جنيف، وأن مقترح الاتفاق الذي تقدمت به إيران كان "مفاجئاً".
وبعد يومين من انتهاء المحادثات، وبعد الاتفاق على موعد لجولة جديدة من المشاورات الفنية في فيينا، شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجوماً على إيران.
وأكدت ثلاثة مصادر حضور باول المحادثات، ومعرفته الدقيقة بمسارها. وأفاد أحدهم بأنه كان داخل مقر إقامة السفير العماني في منطقة كولوني بجنيف بصفته مستشاراً، في ظل قلق واسع من مستوى الخبرة الأميركية في المفاوضات، التي مثلها صهر الرئيس الأميركي جاريد كوشنر والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف.
ودعا كوشنر وويتكوف المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافاييل جروسي إلى المحادثات لتقديم خبرة تقنية، رغم أن كوشنر صرح لاحقاً بأن لديه وويتكوف "فهماً عميقاً للقضايا المطروحة". لكن خبراء نوويين أكدوا لاحقاً أن تصريحات ويتكوف بشأن البرنامج النووي الإيراني شابتها أخطاء في أبسط الأمور.
"الاتفاق كان ممكناً"
ويملك باول خبرة طويلة في الوساطة، واصطحب معه خبيراً من مكتب مجلس الوزراء البريطاني. وقال دبلوماسي غربي: "اعتقد جوناثان أن اتفاقاً كان ممكناً، لكن إيران لم تكن قد وافقت بالكامل على كل الأمور، خاصة في مسألة عمليات التفتيش الأممية على مواقعها النووية".
وقال مسؤول سابق أُطلع على محادثات جنيف: "لم يُحضر ويتكوف وكوشنر فريقاً تقنياً أميركياً. استعانا بجروسي كخبير تقني، لكن ذلك ليس دوره. لذا اصطحب جوناثان فريقه الخاص".
وأضاف المصدر أن الفريق البريطاني تفاجأ بما طرحته إيران، معتبراً أن العرض "لم يكن اتفاقاً كاملاً لكنه مثل تقدماً، وكان من غير المرجح أن يكون العرض النهائي الذي تقدمه إيران".
وكان من المقرر عقد الجولة التالية من المحادثات في فيينا الاثنين 2 مارس، لكنها لم تتم بعدما أطلقت الولايات المتحدة وإسرائيل هجوماً واسعاً قبلها بيومين، في 28 فبراير.
هجوم "غير قانوني"
ولفتت "الجارديان"، إلى أن حضور باول في محادثات جنيف، وكذلك في اجتماعات سابقة في المدينة السويسرية، يساعد على تفسير تردد الحكومة البريطانية في دعم الهجوم الأميركي على إيران، وهو تردد وضع العلاقات البريطانية-الأميركية تحت ضغط غير مسبوق، إذ لم ترَ لندن أدلة قاطعة على تهديد وشيك بصواريخ إيرانية على أوروبا، أو على اقتراب إيران من امتلاك سلاح نووي، بحسب "الجارديان".
وهذه هي المرة الأولى التي يتضح فيها مدى انخراط بريطانيا في المحادثات، بما يمنحها أساساً للحكم على ما إذا كانت الخيارات الدبلوماسية قد استُنفدت.
وبدلاً من ذلك، اعتبرت بريطانيا أن الهجوم "غير قانوني وسابق لأوانه"، نظراً لاعتقاد باول بأن الطريق ظل مفتوحاً أمام حل تفاوضي بشأن طمأنة الولايات المتحدة لعدم سعي إيران إلى سلاح نووي.
ورفض مكتب رئاسة الوزراء في داونينج ستريت التعليق على حضور باول أو تقييمه للمحادثات.
انتقادات أميركية
وتعرض رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر لانتقادات متكررة من الرئيس الأميركي دونالد ترمب بسبب عدم دعمه الهجوم بشكل أكبر، بما في ذلك رفضه الأولي السماح باستخدام القواعد العسكرية البريطانية، قبل أن يوافق لاحقاً على استخدامها لأغراض دفاعية بعد بدء إيران استهداف حلفاء بريطانيا في الخليج.
كما حذّر ترمب من أن عدم استجابة الدول الأوروبية في حلف شمال الأطلسي لدعوته للمساعدة في فتح مضيق هرمز قد تكون له تداعيات سلبية على الحلف، وهو طلب قوبل بالرفض.
وكانت المحادثات غير المباشرة في جنيف تُدار بوساطة وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي.
ولم يحدد دبلوماسيون الأساس الذي أتاح لباول حضور المحادثات، لكن ذلك قد يعكس علاقاته الطويلة مع واشنطن، بما في ذلك دوره السابق رئيساً لمكتب رئيس الوزراء الأسبق توني بلير.
نظرة إيجابية
وأشار مسؤولون بريطانيون لاحقاً إلى أنهم نظروا بإيجابية إلى استعداد إيران لإبرام اتفاق دائم يخلو من القيود الزمنية التي تنتهي تلقائياً، كما كان الحال في اتفاق عام 2015.
كما وافقت طهران على خفض درجة تخصيب مخزونها الذي يقدر بنحو 440 كيلوجراماً من اليورانيوم عالي التخصيب تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية داخل أراضيها، إلى جانب التزامها بعدم تكوين مخزونات مماثلة مستقبلاً.
وخلال الجلسة الختامية، وافقت إيران على وقف التخصيب محلياً لمدة تتراوح بين ثلاث وخمس سنوات، لكن الولايات المتحدة طالبت لاحقاً بوقف يمتد إلى 10 سنوات.
كما عرضت طهران ما وصفه الوسطاء بـ"مكاسب اقتصادية كبيرة"، تشمل إتاحة الفرصة للولايات المتحدة للمشاركة في برنامج نووي مدني مستقبلي، مقابل رفع نحو 80% من العقوبات الاقتصادية، بما في ذلك الأصول المجمدة في قطر، وهو مطلب طرحته إيران في محادثات 2025.
ورأى الوسيط العُماني أن عرض "عدم تخزين اليورانيوم عالي التخصيب" شكّل اختراقاً جعل الاتفاق قريب المنال.
وتباينت الروايات بشأن ما إذا كان كوشنر غادر المحادثات معتقداً أن ترمب سيقبل بما تم التوصل إليه، أم أن المفاوضين الأميركيين أدركوا أن الأمر يتطلب تنازلات ضخمة لإقناع الرئيس بأن الحرب ليست الخيار الأفضل.
وقال دبلوماسي مطّلع: "كنا نعتبر أن ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر أصولاً إسرائيلية في المفاوضات، وجرا الرئيس (ترمب)، إلى حرب يسعى لإيجاد مخرج منها".











