
قال مسؤولون وخبراء أميركيون، إن إرسال الولايات المتحدة قوات عسكرية للاستيلاء على مخزون اليورانيوم المخصب الإيراني، سيكون عملية معقدة، حال اتخاذ إدارة الرئيس دونالد ترمب قرار تنفيذ تلك الخطط، إذ تنطوي تلك العملية العسكرية، على مخاطر إشعاعية وكيميائية جسيمة، حسبما أفادت به وكالة "أسوشيتد برس".
وقدّم ترمب أسباباً متضاربة بشأن حرب إيران، لكنه أكد باستمرار أن الهدف الرئيسي هو ضمان عدم امتلاك طهران "سلاحاً نووياً أبداً"، إذ يبقى مدى استعداده لمصادرة المواد النووية الإيرانية غير واضح.
وبالنظر إلى مخاطر إرسال ما يصل إلى ألف جندي مدرب تدريباً خاصاً إلى منطقة حرب للاستيلاء على هذا المخزون، فإن خياراً آخر يتمثل في التوصل إلى تسوية تفاوضية مع إيران تسمح بتسليم المواد وتأمينها دون استخدام القوة.
وتمتلك إيران 440.9 كيلوجرام (972 رطلاً) من اليورانيوم المخصب بنسبة تصل إلى 60% من حيث النقاء، وهي خطوة تقنية قصيرة من مستويات التخصيب المستخدمة في الأسلحة بنسبة 90%، وفق الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
ويُرجّح أن تكون إيران خزنت المواد النووية في أنفاق، إذ لم يتمكن مفتشو الوكالة الأممية، من التحقق من وجود اليورانيوم شبه المخصب المستخدم في الأسلحة منذ يونيو 2025، حين أضعفت الضربات الإسرائيلية والأميركية بشكل كبير الدفاعات الجوية الإيرانية وقيادتها العسكرية وبرنامجها النووي، وصعّب غياب عمليات التفتيش تحديد موقعه بدقة.
وكان المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل جروسي، قال سابقاً إن هذا المخزون "قد يمكّن إيران من صنع ما يصل إلى 10 قنابل نووية، إذا ما قررت تسليح برنامجها النووي". وأضاف أن هذا "لا يعني بالضرورة امتلاك إيران لمثل هذا السلاح".
وصرح بأن الوكالة تعتقد بوجود مخزون يُقدّر بنحو 200 كيلوجرام (حوالي 440 رطلاً) من اليورانيوم عالي التخصيب مُخزّن في أنفاق ضمن المجمع النووي الإيراني خارج أصفهان، إذ كان الموقع معروفاً بشكل أساسي بإنتاج غاز اليورانيوم الذي يُغذّى به أجهزة الطرد المركزي لفصله وتنقيته.
وأضاف جروسي، أن كميات إضافية موجودة في منشأة "نطنز" النووية، وربما كميات أقل مُخزّنة في منشأة في "فوردو".
كما أبلغت تولسي جابارد، مديرة الاستخبارات الوطنية الأميركية، خلال جلسة استماع في مجلس النواب الشهر الماضي، أن مجتمع الاستخبارات الأميركي لديه "ثقة عالية" بمعرفته لموقع مخزونات اليورانيوم عالي التخصيب الإيرانية.
ولطالما أصرت إيران على أن برنامجها النووي سلمي، لكن الوكالة الدولية للطاقة الذرية والدول الغربية تؤكد أن طهران كانت تمتلك برنامجاً منظماً للأسلحة النووية حتى عام 2003.
مخاطر إشعاعية وكيميائية
ويُعبأ مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب في حاويات، يبلغ وزن كل منها حوالي 50 كيلوجراماً (110 أرطال) عند امتلائها.
ويتواجد اليورانيوم على شكل غاز سادس فلوريد اليورانيوم، إذ تتراوح التقديرات لعدد الحاويات بين 26 حاوية وضعف هذا العدد تقريباً، وذلك بحسب امتلاء كل حاوية.
في الإطار، قال ديفيد أولبرايت، مفتش الأسلحة النووية السابق في العراق ومؤسس معهد العلوم والأمن الدولي في واشنطن، إن الحاويات التي تحمل اليورانيوم عالي التخصيب "متينة للغاية ومصممة للتخزين والنقل".
لكنه حذر من أن "قضايا السلامة تصبح ذات أهمية قصوى"، حال تلف العبوات عندما تدخل الرطوبة إلى الداخل، ففي مثل هذا السيناريو، سيُشكّل الفلور خطراً، فهو مادة كيميائية شديدة السمية تُسبّب تآكلاً للجلد والعينين والرئتين.
وأوضح أولبرايت، أن أي شخص يدخل الأنفاق لاستعادة الحاويات "سيضطر إلى ارتداء بدلات واقية من المواد الخطرة".
وأضاف أنه سيكون من الضروري أيضاً، الحفاظ على مسافة بين الحاويات المختلفة، لتجنب حدوث تفاعل نووي حرج ذاتي الاستدامة قد يؤدي إلى "كمية كبيرة من الإشعاع".
ولتجنب مثل هذا الحادث الإشعاعي، يجب وضع الحاويات في حاويات أوسع تُتيح مساحة بينها أثناء النقل، مشيراً إلى أن الخيار الأمثل للتعامل مع اليورانيوم هو نقله من إيران بواسطة طائرات عسكرية خاصة، ثم "تخفيض تخصيبه" أي مزجه بمواد أقل تخصيباً للوصول إلى مستويات مناسبة للاستخدام المدني.
وأضاف أن تخفيض تخصيب اليورانيوم داخل إيران غير ممكن على الأرجح، نظراً لأن البنى التحتية اللازمة لهذه العملية قد لا تكون سليمة بسبب الحرب.
ووافقت داريا دولزيكوفا، الباحثة الرئيسية في المعهد الملكي للخدمات المتحدة، هذا الرأي، قائلة إن خفض تركيز المواد النووية داخل إيران "ليس الخيار الأرجح، نظراً لكونه عملية معقدة وطويلة تتطلب معدات متخصصة".
صعوبات أمام القوات البرية
من جانبها، قالت كريستين وورموث، التي شغلت منصب وزيرة الجيش في عهد الرئيس الأميركي السابق جو بايدن، إن تأمين المواد النووية الإيرانية بقوات برية سيكون "عملية عسكرية بالغة التعقيد وعالية المخاطر".
وأضافت وورموث، الرئيسة والمديرة التنفيذية الحالية لمبادرة التهديد النووي في واشنطن، أن ذلك يعود إلى أن المواد النووية ربما تكون موزعة على مواقع متعددة، وأن العملية "ستؤدي على الأرجح إلى خسائر بشرية".
وأوضحت أن حجم ونطاق عملية في أصفهان وحدها سيتطلبان على الأرجح ألف فرد عسكري، ونظراً لاحتمالية وجود مداخل الأنفاق مدفونة تحت الأنقاض، سيكون من الضروري استخدام طائرات الهليكوبتر لنقل المعدات الثقيلة، كالحفارات، وقد تضطر القوات الأميركية إلى بناء مهبط طائرات قريب لإنزال جميع المعدات والقوات.
وتابعت وورموث أن القوات الخاصة، بما فيها فوج الحرس 75، ستعمل "بالتنسيق" مع خبراء نوويين للبحث تحت الأرض عن العبوات"، مشيرةً إلى أن القوات الخاصة ستُقيم على الأرجح طوقاً أمنياً تحسباً لأي هجمات محتملة.
وذكرت وورموث أن فرق تعطيل الأسلحة النووية التابعة للقيادة الـ 20 للأسلحة الكيميائية والبيولوجية والإشعاعية والنووية والمتفجرات ستكون إحدى الوحدات المحتملة التي يمكن الاستعانة بها في مثل هذه العملية.
حل تفاوضي
في السياق، قال سكوت روكر، المدير السابق لمكتب إزالة المواد النووية في الإدارة الوطنية للأمن النووي، التابعة لوزارة الطاقة الأميركية: "الخيار الأمثل هو التوصل إلى اتفاق مع الحكومة الإيرانية لإزالة كل هذه المواد".
ونُفِّذت مهمة مماثلة عام 1994، عندما نقلت الولايات المتحدة، بالتعاون مع حكومة كازاخستان، سراً 600 كيلوجرام (حوالي1322رطلاً) من اليورانيوم المستخدم في صنع الأسلحة من الجمهورية السوفيتية السابقة في عملية أُطلق عليها اسم "مشروع الياقوت"، كانت هذه المواد من مخلفات البرنامج النووي السوفيتي.
وأضاف روكر، إن وحدة التعبئة المتنقلة التابعة لوزارة الطاقة الأميركية بُنيت استناداً إلى الخبرة المكتسبة في كازاخستان، إذ نجحت هذه الوحدة في إزالة مواد نووية بأمان من عدة دول، بما في ذلك جورجيا عام 1998 والعراق أعوام 2004 و2007 و2008.
وتتألف الوحدة من خبراء فنيين ومعدات متخصصة يمكن نشرها في أي مكان لإزالة المواد النووية بأمان، وأوضح روكر أنها ستكون في وضع مثالي لإزالة اليورانيوم بموجب اتفاق تفاوضي مع إيران.
ولا تزال طهران متشككة في واشنطن، التي انسحبت في عهد ترمب من الاتفاق النووي وشنت هجومين خلال مفاوضات رفيعة المستوى، لكن بموجب حل تفاوضي، يمكن أن يشارك مفتشو الوكالة الدولية للطاقة الذرية في المهمة.










