
لم تُحرز الولايات المتحدة وإيران، تقدماً كبيراً، بعد 21 ساعة من المفاوضات التي استضافتها العاصمة الباكستانية إسلام آباد، حيث رفض الطرفان تقديم تنازلات، ما يضع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمام خيارات "غير مرغوبة"، وفق صحيفة "نيويورك تايمز".
واعتبرت الصحيفة الأميركية، الأحد، أن "إخفاق" نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، في انتزاع تنازلات سعت الولايات المتحدة للحصول عليها من إيران، خلال جلسة تفاوض "ماراثونية" بشأن برنامجها النووي "لم يكن مفاجئاً".
وهذا الإخفاق يترك الإدارة الأميركية، بحسب الصحيفة، أمام مسارين "كلاهما غير مرغوب به"؛ إما الدخول في مفاوضات طويلة مع طهران بشأن مستقبل برنامجها النووي، أو استئناف حرب تسببت بالفعل في أكبر اضطراب للطاقة في العصر الحديث، مع احتمال نشوب صراع طويل بشأن السيطرة على مضيق هرمز.
وقال مسؤولون في البيت الأبيض، إنهم سيتركون لترمب، الذي سافر إلى فلوريدا لقضاء عطلة نهاية الأسبوع وحضور مباراة ضمن بطولة القتال UFC، إعلان الخطوة التالية، مشيرين إلى أن كلا الخيارين ينطوي على "تداعيات استراتيجية وسياسية كبيرة".
ولم يكشف فانس الكثير عما دار خلال أكثر من 21 ساعة من المحادثات، مكتفياً بالإشارة إلى أنه قدّم للإيرانيين عرضاً "إما القبول أو الرفض" يقضي بإنهاء برنامجهم النووي بشكل دائم، لكنهم رفضوه.
وقال فانس للصحافيين: "لقد أوضحنا بشكل جلي خطوطنا الحمراء، وما نحن مستعدون للمرونة فيه"، مضيفاً: "اختاروا عدم قبول شروطنا".
وفي هذا السياق، لا يبدو أن هذه الجولة التفاوضية، وفق "نيويورك تايمز"، تختلف كثيراً عن تلك التي انتهت إلى طريق مسدود في جنيف أواخر فبراير الماضي، التي دفعت ترمب لاحقاً إلى إصدار أمر بشن هجمات صاروخية وجوية استمرت 38 يوماً في جميع أنحاء إيران، استهدفت مخزونات الصواريخ والقواعد العسكرية والقاعدة الصناعية لإنتاج الأسلحة.
رهان ترمب
غير أن رهان ترمب، الذي كرره مراراً خلال الشهر الماضي، كان أن تغير إيران موقفها في مواجهة استعراض ضخم للقوة العسكرية الأميركية، شمل ضرب أكثر من 13 ألف هدف، بحسب وزارة الحرب الأميركية، أما الإيرانيون، فقد سعوا بدورهم إلى إثبات أن "أي قدر من القوة الأميركية لن يدفعهم إلى التراجع".
وقالت وزارة الخارجية الإيرانية في بيان، بالتزامن مع مغادرة فانس دون تحقيق نتائج: "إن الخسائر الكبيرة التي تكبدناها من قادتنا وأحبائنا وأبناء وطننا جعلت تمسكنا بالدفاع عن مصالح وحقوق الأمة الإيرانية أكثر صلابة من أي وقت مضى".
ورجحت "نيويورك تايمز"، أن ذلك ربما يتغير لاحقاً، لكن مخاوف الإدارة الأميركية من الانجرار إلى مفاوضات معقدة وطويلة مع إيران باتت واضحة. ويعتقد ترمب أنه خرج منتصراً من النزاع، وبالتالي، كما يقول مبعوثه الخاص ستيف ويتكوف، ينبغي على إيران "الاستسلام" ببساطة.
غير أن التجارب السابقة لا تدعم هذا النهج. فقد استغرق التوصل إلى آخر اتفاق كبير بين واشنطن وطهران، خلال إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، نحو عامين من المفاوضات.
وشمل الاتفاق حينها سلسلة تنازلات، منها السماح لإيران بالاحتفاظ بجزء محدود من مخزونها النووي، مع رفع تدريجي للقيود على أنشطتها حتى عام 2030، عندما يُسمح لها بممارسة أنشطة نووية بموجب معاهدة عدم الانتشار النووي.
لكن المأزق الذي واجهه فانس، يعكس في جوهره نفس العقبات التي أطاحت بمفاوضات فبراير، والتي أدت إلى شن الهجمات الأميركية. وكانت تلك المحادثات قد أدارها ويتكوف وجاريد كوشنر، صهر الرئيس، اللذان حضرا أيضاً جولة إسلام آباد.
وفي ذلك الوقت، عرض الإيرانيون "تعليق" أنشطتهم النووية لعدة سنوات، لكنهم رفضوا التخلي عن مخزونهم من اليورانيوم المُخصب بدرجة قريبة من المستوى اللازم لصنع قنبلة نووية، أو التنازل بشكل دائم عن حق تخصيب اليورانيوم داخل أراضيهم.
وبالنسبة لإيران، يُعد ذلك حقاً بموجب معاهدة عدم الانتشار النووي التي تلزمها بعدم تصنيع سلاح نووي. أما بالنسبة للولايات المتحدة، فيُعد، وفق تعبير ويتكوف، "مؤشراً" على رغبة إيران في الاحتفاظ بخيار تطوير سلاح نووي عند الحاجة. ويبدو أن 38 يوماً من الحرب عززت هذا الرأي، بدلاً من أن تضعفه، بحسب "نيويورك تايمز".
رفض تقديم تنازلات
وتتمثل ورقة الضغط الرئيسية لترمب حالياً في قدرته على التهديد باستئناف العمليات العسكرية الكبرى، خاصة أن وقف إطلاق النار "الهش" لمدة أسبوعين ينتهي في 21 أبريل الجاري. لكن، ورغم إمكانية استخدام هذا التهديد في الأيام المقبلة، فإنه لا يُعد خياراً سياسياً سهلاً، وهو ما تدركه إيران.
فقد أعلن ترمب وقف إطلاق النار جزئياً لاحتواء تداعيات تعطل 20% من إمدادات النفط العالمية، وهو ما أدى إلى ارتفاع حاد في أسعار البنزين، وحدوث نقص في الأسمدة، بل وحتى في الهيليوم المستخدم في صناعة أشباه الموصلات.
وقد ارتفعت الأسواق على وقع احتمال التوصل إلى اتفاق، حتى وإن كان "غير مكتمل أو غير مرضٍ". أما في حال استئناف الحرب، فمن المرجح أن تتراجع الأسواق وتتفاقم النواقص ويرتفع التضخم، الذي بلغ بالفعل 3.3%، بشكل شبه حتمي، كما توقعت الصحيفة.
ويبقى الملف الأكثر إلحاحاً هو إعادة فتح مضيق هرمز. فقد وضعته إيران في صدارة القضايا المطروحة خلال المحادثات.
وقالت وزارة الخارجية الإيرانية: "خلال الساعات الـ24 الماضية، جرت مناقشات حول أبعاد متعددة للقضايا الرئيسية، بما في ذلك مضيق هرمز والملف النووي وتعويضات الحرب ورفع العقوبات وإنهاء الحرب بشكل كامل".
واعتبرت "نيويورك تايمز" ذلك لافتاً، موضحة أن إغلاق المضيق لم يكن مطروحاً قبل اندلاع الحرب، قبل أن تقرر إيران استخدامه كورقة ضغط اقتصادية قوية.
وباتت السيطرة على هذا الممر المائي مرتبطة بمطالب إيران الأخرى، بما في ذلك مطالبة الولايات المتحدة بدفع تعويضات عن الأضرار الناجمة عن الضربات، ورفع العقوبات المفروضة عليها. منذ أكثر من عقدين
ورفضت الولايات المتحدة فكرة التعويض، مؤكدة أن رفع العقوبات يمكن أن يحدث فقط بشكل تدريجي، وبالتزامن مع تنفيذ إيران لتعهداتها.
وقالت "نيويورك تايمز"، إن جولة فانس أظهرت أن الولايات المتحدة ترى نفسها منتصرة بفضل حجم الضربات العسكرية التي وجهتها لطهران، بينما تعتبر إيران نفسها منتصرة لقدرتها على الصمود أمام تلك الضربات. وأضافت أن أياً منهما لا يبدو مستعداً لتقديم تنازلات في الوقت الراهن.









