
تزامن دخول مذكرة التفاهم بين أميركا وإيران حيّز التنفيذ مع سلسلة مستجدات مرتبطة بالاتفاق، من نشر مقطع فيديو يوثّق توقيع الرئيس الأميركي دونالد ترمب المذكرة في قصر فرساي، إلى تعديل رئيس وزراء باكستان شهباز شريف منشوراً عن الاتفاق، فضلاً عن تصريحات أميركية وإيرانية أوضحت الخطوات الأولى لتنفيذه ومسار المفاوضات المقبلة.
وجاء بدء تنفيذ المذكرة مع صدور مؤشرات متتالية على انتقال الاتفاق من مرحلة التفاهم إلى التطبيق العملي، بعدما أكدت واشنطن وطهران الأربعاء استكمال إجراءات التوقيع الإلكتروني وبدء تنفيذ الالتزامات الأولية المنصوص عليها في الاتفاق.
وأعلن رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، في منشور على منصة "إكس"، أن ما وصفها بـ"مذكرة تفاهم إسلام آباد" وُقّعت إلكترونياً من قبل رئيسي الولايات المتحدة وإيران، كما صادق عليها بصفته وسيطاً.
تعديل منشور رئيس وزراء باكستان
وقال إن التوقيع على الاتفاق "على أعلى مستوى من الحكومتين" يعكس التزام الجانبين بالتوصل إلى تسوية دبلوماسية للنزاع، مؤكداً أن المذكرة دخلت حيز التنفيذ فوراً.
وأضاف أن الخطوة الأولى من الاتفاق تتمثل في إعادة إيران فتح مضيق هرمز فوراً، مقابل رفع الولايات المتحدة الحصار البحري فوراً.
وفي تطور لاحق، عدّل شريف المنشور نفسه، وحذف منه فقرة كان نصها كالتالي: "ستستضيف باكستان، بدعم من دولة قطر بصفتها وسيطاً مشاركاً، المراسم الرسمية كما هو مقرر في 19 يونيو 2026 في سويسرا، لإحياء هذه المناسبة البارزة والبدء بالمحادثات على المستوى الفني".
وفي النسخة المعدّلة، أبقى شريف على تأكيد التوقيع الإلكتروني ودخول الاتفاق حيز التنفيذ فوراً، وعلى الإشادة بدور قطر في جهود الوساطة، إضافة إلى السعودية وتركيا ومصر، "لما أدته من دور لا غنى عنه وما قدمته من إسهامات قيّمة في هذا الصدد".
وقال: "ستدخل مذكرة تفاهم إسلام آباد حيّز التنفيذ فوراً، وكخطوة أولى، ستعيد إيران فتح مضيق هرمز على الفور، فيما سترفع الولايات المتحدة الحصار البحري فوراً".
وتابع: "أتقدم بخالص التهنئة وصادق التقدير إلى رئيس الولايات المتحدة، دونالد ترمب، الذي ساعد التزامه الراسخ بالدبلوماسية وتفضيله الحل السلمي، مرة أخرى، في إنهاء نزاع كان يمكن أن يؤدي إلى عواقب مدمرة للمنطقة وخارجها".
وواصل: "كما أشيد بتفاني وجهود فريق التفاوض الأميركي الدؤوبة، بمن فيهم جي دي فانس وستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، وبإسهاماتهم القيّمة في تحقيق هذا الإنجاز".
وأضاف: "أعرب عن تقديري للمرشد الإيراني مجتبى خامنئي، والرئيس مسعود بيزشكيان، لما أبدياه من حكمة وبُعد نظر وحنكة سياسية في تبني قضية السلام. كما أود التنويه بجهود فريق التفاوض الإيراني، بمن فيهم محمد باقر قاليباف وعباس عراقجي وإسكندر مؤمني، الذين كان صبرهم ومثابرتهم والتزامهم بالانخراط البنّاء عاملاً أساسياً في إتمام هذا الاتفاق".
كما أشاد بدور "المشير عاصم منير (قائد الجيش الباكستاني)"، مشيراً إلى أن "جهوده الدؤوبة وتفانيه غير المحدود ودوره المحوري عوامل حاسمة في تيسير هذا الاختراق ودفع قضية السلام والاستقرار الإقليمي قدماً".
واختتم منشوره: "لتكن مذكرة التفاهم هذه أساساً دائماً لمزيد من التفاهم والاحترام المتبادل والازدهار المشترك للمنطقة بأكملها".
فيديو يوثق توقيع ترمب للمذكرة
وفي موازاة ذلك، نشر البيت الأبيض مقطع فيديو يُظهر ترمب وهو يوقّع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران في قصر فرساي التاريخي غرب العاصمة الفرنسية باريس، على هامش قمة مجموعة السبع التي استضافتها فرنسا.
وقال نائب كبير موظفي البيت الأبيض دان سكافينو إن التوقيع جرى قبيل مأدبة عشاء استضافها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، مضيفاً، في منشور على منصة "إكس"، أن ترمب وقّع مذكرة التفاهم فور تسلّم وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو الوثيقة.
وأظهر الفيديو ترمب جالساً إلى طاولة وبجواره ماكرون روبيو وعدد من المسؤولين الأميركيين والفرنسيين أثناء توقيع الوثيقة.
وقال روبيو خلال المقطع: "لحظة محورية للغاية في التاريخ نتشاركها معاً"، فيما ذكر ماكرون: "عمل جيد وعظيم".
وأكد ترمب، عقب خروجه من قصر فرساي، أنه وقّع مذكرة التفاهم بنفسه، قائلاً للصحافيين: "لقد تم توقيع المذكرة، وقد وقّعتُها في فرساي".
بيزشكيان يوقّع على الاتفاق
كما نشرت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية (إرنا) صورتين، الأولى للحظة توقيع الرئيس مسعود بيزشكيان على مذكرة التفاهم، والثانية وهو يرفعها ليظهر توقيعه بجانب توقيع ترمب.
ترمب: الاتفاق يتجاوز الملف النووي
وتأتي هذه الخطوات بعدما نشرت وسائل إعلام أميركية وإيرانية نص مذكرة التفاهم، التي تنص على إنهاء الحرب، والدعوة إلى فتح مضيق هرمز ورفع الحصار الأميركي، وإطلاق مفاوضات نووية لمدة 60 يوماً، وتعليق العقوبات بما يسمح لإيران ببيع النفط خلال هذه الفترة، إضافة إلى حوافز اقتصادية ضخمة حال توقيع اتفاق نووي نهائي.
من جانبه، قال ترمب، خلال مؤتمر صحافي على هامش قمة مجموعة السبع في فرنسا، إن الاتفاق مع إيران يتضمن التزاماً بعدم إنتاج أو الحصول على سلاح نووي، ويفتح الباب أمام مناقشات فنية بشأن مخزون المواد النووية المخصبة.
وأوضح أن إيران وافقت على ألا "تنتج أو تحصل" على سلاح نووي، مشيراً إلى أنه أصر على أن يشمل النص حظر الحصول على السلاح النووي، بما في ذلك شراؤه، وليس الاكتفاء بصيغة عدم تطويره.
وأشار إلى أن الجانبين سيبدآن فوراً مناقشات فنية بشأن إزالة مخزونات المواد المخصبة، موضحاً أن هذه المواد موجودة في منشآت عميقة تحت الأرض، لكنها تخضع، بحسب قوله، لـ"رقابة بالكاميرات".
وأضاف أن "واشنطن لا ترى ضرورة للتعامل مع هذه المواد بشكل فوري"، لكنها "ستبدأ المناقشات الفنية بشأنها مباشرة ضمن مسار تنفيذ الاتفاق".
وفي الشق الاقتصادي، شدد ترمب على أن الولايات المتحدة لن تقدم أي أموال مباشرة لإيران بموجب الاتفاق، مؤكداً أن أي فوائد اقتصادية قد تحصل عليها طهران ستكون مرتبطة بتنفيذ التزاماتها.
وقال إن السماح باستثمارات محتملة في إيران لا يعني تقديم تمويل أميركي، موضحاً أن أي استثمارات مستقبلية قد تأتي من دول أو جهات أخرى إذا توافرت الظروف المناسبة لذلك.
وأضاف أن الحرب خلّفت أضراراً واسعة في إيران، مقدّراً حجم الخسائر بما يتراوح بين 1.5 و2 تريليون دولار، ومشيراً إلى أن إعادة إعمار البلاد ستتطلب موارد مالية كبيرة.
مسار منفصل للصواريخ
وكشف ترمب عن مسار تفاوضي منفصل لمعالجة الملفات غير النووية، قائلاً إن واشنطن ستعمل عبر "مسار متوازي مع دول الخليج" على معالجة القضايا غير النووية المرتبطة بإيران، بما في ذلك الصواريخ الباليستية والجماعات التي تدعمها طهران في المنطقة.
وفي ما يتعلق بالملاحة البحرية، قال ترمب إن حركة السفن عبر مضيق هرمز شهدت تحسناً ملحوظاً منذ التوصل إلى التفاهم مع إيران.
واعتبر أن عودة الملاحة في المضيق تمثل إحدى النتائج المباشرة للاتفاق، نظراً للأهمية الاستراتيجية للممر المائي بالنسبة لتجارة الطاقة العالمية.
طهران: الصواريخ ليست مطروحة للتفاوض
وفي طهران، أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية وعضو الوفد المفاوض إسماعيل بقائي أن مذكرة التفاهم أصبحت "نهائية ورسمية" بعد توقيعها من الجانبين.
وقال بقائي، في تصريحات نقلتها وسائل إعلام إيرانية إن "توقيع المذكرة جرى إلكترونياً"، مشيراً إلى أن الاتفاق في مرحلته الحالية يركز على إنهاء الحرب وبدء تنفيذ الالتزامات المتبادلة، فيما ستُجرى خلال فترة الستين يوماً المنصوص عليها في المذكرة مفاوضات بشأن الملف النووي والعقوبات، مع إمكانية تمديد المهلة إذا اقتضت الحاجة.
وشدد بقائي على أن "القدرات الدفاعية الإيرانية لم تكن جزءاً من أي مسار تفاوضي"، قائلاً: "القدرات الدفاعية الإيرانية لن تكون موضع نقاش في أي مسار تفاوضي ومع أي طرف كان".
وأشار إلى أن "المذكرة كانت تنص في الأصل على رفع الحصار خلال 30 يوماً مقابل خطوات إيرانية متبادلة تتعلق بمضيق هرمز"، إلا أن "تطورات الأيام الأخيرة أفضت إلى تفاهم يقضي بتنفيذ الولايات المتحدة التزاماتها بصورة فورية".
وقال إنه "تم رصد بدء تنفيذ الالتزامات الأميركية"، موضحاً أن السفن الإيرانية "بدأت تدخل وتغادر الموانئ من دون مشكلات"، معتبراً أن ذلك مؤشر على بدء رفع الحصار البحري، فيما ستبدأ إيران تنفيذ التزاماتها بعد توقيع الاتفاق.








