
نشرت صحيفة Arab News، الجمعة، مقال رأي للسفير الإيراني لدى السعودية، علي رضا عنايتي، بعنوان "الملامح الأساسية للبنية الأمنية الناشئة في المنطقة"، طرح فيه قراءة إيرانية للحظة الإقليمية التي أعقبت توقيع مذكرة تفاهم من 14 بنداً بين إيران والولايات المتحدة بهدف إنهاء الحرب.
ويطرح عنايتي، في المقال، سؤالاً أوسع: هل ما إذا كان ما جرى مجرد أزمة عسكرية عابرة داخل النظام الإقليمي القديم، أم مؤشر على أن المنطقة تقف أمام إعادة صياغة أعمق لقواعد أمنها واستقرارها؟
ويرى عنايتي أن الحرب وما رافقها من وساطات وجهود دبلوماسية إقليمية كشفا مركزية الاستقرار في منطقة تتجاوز تداعياتها حدودها الجغرافية لتلامس الأمن الدولي. ومن هنا، لا يتعامل عنايتي مع الاتفاق الإيراني الأميركي كغاية بحد ذاته، بل كفرصة لإعادة النظر في البنية الأمنية التي حكمت المنطقة لعقود، خصوصاً تلك القائمة على الاستقطاب والمحاور والتنافس بين الكتل.
نظام إقليمي "لا قطبي"
وطرح السفير الإيراني الركيزة الأولى عبر الانتقال إلى نظام "إقليمي لا قطبي"، لا تقوم فيه دولة أو كتلة بفرض توازناتها على الآخرين، بل تتأسس العلاقات فيه على تعاون متعدد الأطراف بين دول المنطقة الثماني المعنية، وعلى قاعدة المساواة وعدم الإقصاء. وفي هذا التصور، يصبح الأمن مسؤولية مشتركة بين دول المنطقة نفسها، بينما ينتقل دور القوى الخارجية من التدخل المباشر إلى التعاون مع النظام الإقليمي الجديد لا التحكم به.
أما الركيزة الثانية فهي أولوية الحلول السياسية. فبحسب عنايتي، لا يمكن اختزال أزمات المنطقة في حرب الأربعين يوماً وحدها، لأن الاستقرار الدائم سيظل مستحيلاً ما دامت نزاعات أخرى مفتوحة وما دامت العقوبات الاقتصادية قائمة. هنا يربط السفير الإيراني بين الأمن والتسويات السياسية الشاملة، رافضاً مقاربة إدارة الأزمات بصورة منفصلة أو مؤقتة.
الاقتصاد والمصير المشترك
وتتعلق الركيزة الثالثة بالاقتصاد. ينتقد عنايتي الإفراط في النظر إلى علاقات دول المنطقة من زاوية جيوسياسية بحتة، معتبراً أن ضعف التعاون الاقتصادي يمثل عائقاً أمام أي نظام مستقر. لذلك يدعو إلى تعزيز التجارة، وتوسيع التعاون الاقتصادي، ومنح مشاريع التنمية وزناً أكبر في حسابات الأمن الإقليمي.
وفي الركيزة الرابعة، يؤكد عنايتي مفهوم "المصير المشترك"، معتبراً أن الأمن والتنمية لا يمكن تحقيقهما في دولة أو جزء من المنطقة على حساب اضطراب جزء آخر. ويخلص إلى أن الأمن غير قابل للتجزئة، وأن أي إطار مستقبلي يجب أن يكون شاملاً لا يفتت أمن الدول أو تنميتها.
ويحمل المقال أيضاً موقفاً سياسياً حاداً من إسرائيل، التي يصفها عنايتي بأنها "كيان صهيوني" و"مشروع استعماري" لا مكان له في معادلات الأمن الإقليمي.
ويعرض السفير الإيراني استعداد بلاده للتعاون مع جيرانها، خصوصاً السعودية، لصياغة مستقبل يقوم على النمو الاقتصادي والتجاري والازدهار المشترك.
نص مقال سفير إيران لدى السعودية علي رضا عنايتي:
وقّعت إيران والولايات المتحدة، الاثنين، مذكرة تفاهم من 14 بنداً تهدف إلى إنهاء الحرب، مع قيام عدة دول في المنطقة بدور مهم في إنجاز الاتفاق وبذل جهود مكثفة لتوفير الأرضية السياسية اللازمة.
وتعكس هذه الجهود الدبلوماسية إدراكاً واضحاً لأهمية الاستقرار في هذه المنطقة الحيوية، التي تتجاوز تداعياتها المستوى الإقليمي لتؤثر مباشرة في الأمن الدولي.
لكن هل تمثل الحرب الأميركية المفروضة على إيران، بما لها من تداعيات إقليمية، انتكاسة للنظام الإقليمي التقليدي الذي عرفناه على مدى عقود، أم أنها تعكس إعادة تقييم لأسس النظام السابق وتشكل نقطة تحول في صياغة نظام جديد؟ وفي مثل هذه اللحظة التاريخية المفصلية، ألا ينبغي توجيه الجهود نحو تشكيل نظام إقليمي جديد قائم على الأمن والاستقرار للجميع، مع إعطاء أولوية أكبر للنمو الاقتصادي والتنمية؟ هذه أسئلة لا نسعى إلى الإجابة عنها مباشرة، بل إلى مقاربتها من منظور إيجابي بحثاً عن أكثر المسارات بنّاءة للمضي قدماً.
نظرياً، يمكن تعريف النظام الجديد الناشئ عن حرب الأربعين يوماً من خلال 4 سمات رئيسية تميّزه عن النظام السابق.
أولاً: يقوم النظام الإقليمي الجديد على إطار لا قطبي، يكون فيه التعاون المتعدد الأطراف بين دول المنطقة قائماً على المساواة، بعيداً عن النمط القديم للاستقطاب الذي وضع كتلة في مواجهة أخرى.
ويقوم هذا النظام المقترح على دوله الثماني المكوِّنة له، من دون إقصاء، وضمن إطار من الترابط المستدام. وفي هذا النموذج، يكون الأمن الإقليمي مسؤولية مشتركة، من دون دور مباشر للقوى الخارجية، التي ستتعاون بدلاً من ذلك مع النظام الجديد.
ثانياً: يجب أن تبقى الحلول السياسية في مقدمة معالجة جميع القضايا العالقة في المنطقة، بدلاً من اختزال الواقع الأوسع في حرب الأربعين يوماً وحدها. فلا يمكن تحقيق سلام واستقرار دائمين ما دامت صراعات أخرى بلا حل، وما دامت العقوبات الاقتصادية غير مرفوعة.
ثالثاً: لا بد من تجاوز التركيز المفرط على الأسس الجيوسياسية للعلاقات بين دول المنطقة، ولا سيما في ضوء ضعف التعاون الاقتصادي بينها. فلا يمكن لأي حل مستقبلي أن ينجح من دون تعزيز التجارة، وتوسيع التعاون الاقتصادي بين الدول الإقليمية، وإعطاء أولوية أكبر لمشاريع التنمية.
وأخيراً: فإن احترام المصير المشترك لدول المنطقة في مسائل الأمن والتنمية أمر أساسي، إذ لا يمكن تحقيق أي منهما في جزء من المنطقة على حساب عدم الاستقرار في جزء آخر.
والمطلوب إطار شامل يحتضن جميع الدول من دون تجزئة أمنها أو تنميتها. وقد أظهرت تجربة الحرب أن الأمن غير قابل للتجزئة، وأن على جميع الدول أن تسهم في حمايته وأن تستفيد منه على قدم المساواة.
ومن المهم الإشارة إلى أن هناك مجالاً واسعاً للترابط الإقليمي والدولي مع تطورات المنطقة سعياً وراء المصالح المشروعة. غير أنه ينبغي التشديد أيضاً على أن الكيان الصهيوني يجب ألا يكون له مكان في هذه المعادلات، لأنه، بخلاف الدول الأخرى، ليس جزءاً طبيعياً من المنطقة. بل هو مشروع استعماري فُرض من خلال نظام فصل عنصري ضد الفلسطينيين، ويسعى إلى توليد الأزمات في أنحاء المنطقة.
ومن الضروري التأكيد أنه إذا أرادت المنطقة تجاوز المعضلة الأمنية التي تواجهها حالياً، فعليها أن تتخطى النظام السابق وأن تمنح أولوية أكبر للاقطبية، والحل السلمي لجميع النزاعات، والاعتراف بالمصير المشترك، والاعتماد على قدراتها الذاتية.
ولتحقيق الأهداف المنشودة في بناء نظام أمني جديد، فإن الجمهورية الإسلامية الإيرانية مستعدة للتعاون مع جيرانها، ولا سيما السعودية، والعمل معاً من أجل صياغة مستقبل أكثر إشراقاً تتمتع فيه دول المنطقة بنمو اقتصادي وتجاري، بما يضمن الرفاه والازدهار للأجيال المقبلة.








