إسرائيل تخوض معركة الرأي العام في أمريكا وسط انتقادات تتزايد | الشرق للأخبار
خاص

وسط انتقادات الديمقراطيين والجمهوريين.. إسرائيل تخوض معركة الرأي العام في أميركا

time reading iconدقائق القراءة - 20
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونائبه جي دي فانس يستقبلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض. 4 فبراير 2025 - REUTERS
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونائبه جي دي فانس يستقبلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض. 4 فبراير 2025 - REUTERS
واشنطن -

تكافح إسرائيل لتحسين صورتها في الداخل الأميركي مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونجرس، في مواجهة موجة متصاعدة من الانتقادات الأميركية، صادرة عن ديمقراطيين وجمهوريين.

وللمرة الأولى منذ عقود، لم يعد الدعم الأميركي لإسرائيل يحظى بالإجماع السياسي والشعبي الذي اعتادته تل أبيب؛ فقد أدت الحرب على غزة، والمواجهة مع إيران، والتدخلات في لبنان، إلى تراجع تأييدها الشعبي في استطلاعات الرأي الأميركية.

كما أبدت شخصيات بارزة وجماعات عُرفت تاريخياً بدعمها القوي لإسرائيل مواقف أكثر انتقاداً، في وقت صوّت فيه أكثر من 100 نائب في مجلس النواب لصالح تقييد بعض المساعدات العسكرية لإسرائيل، في سابقة تعكس تراجع دعم الكونجرس الراسخ.

ضربات أميركية متتالية لإسرائيل

في مقابلة نُشرت في 15 يوليو، اتهم نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس بعض أعضاء الحكومة الإسرائيلية بمحاولة التأثير في آراء الأميركيين لإطالة أمد الحرب مع إيران.

وقال فانس لمقدم البودكاست المحافظ جو روجان إن أشخاصاً داخل الحكومة الإسرائيلية "يتلاعبون ويحاولون تغيير الرأي العام الأميركي لإبقاء الحرب مستمرة إلى أجل غير مسمى".

وتابع: "أعتقد بالتأكيد أنكم رأيتم هذه الحملة السرية للغاية والممولة تمويلاً جيداً لمحاولة عرقلة المفاوضات ومحاولة إفشال الصفقة"، مشيراً إلى أن هناك "أدلة قاطعة" على أن بعض القادة الإسرائيليين "يكرهون الصفقة".

وبالتزامن مع تصريحات نائب الرئيس الأميركي، أجرت المؤسسة التشريعية، المؤيدة تاريخياً لإسرائيل، تصويتاً على قرار خفض المساعدات الخارجية المقدمة لها.

وصوّت أكثر من نصف الديمقراطيين، بواقع 103 أعضاء، في مجلس النواب، الأربعاء، لصالح تعديل يقضي بسحب 3.3 مليار دولار من المساعدات الأميركية لإسرائيل، مقارنة بـ37 ديمقراطياً أيدوا اقتراحاً مماثلاً قبل عامين.

ورغم فشل التعديل، بسبب تصويت عدد مماثل تقريباً من الديمقراطيين ضده، بالإضافة إلى تصويت معظم الجمهوريين لصالح الإبقاء على المساعدات، إلا أنه كشف عن مقدار التحول بعد سلسلة من الانتقادات الشعبية والسياسية لاستراتيجية الحرب التي يشنها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في غزة، والتي تقترب من عامها الثالث.

واعتبر أستاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية والعامة في جامعة كولومبيا، روبرت شابيرو، أن التحول في الخطاب الأميركي بشأن إسرائيل جاء بمثابة رد فعل على الحربين في غزة وإيران، لكنه استطرد قائلاً إن هذا الرد قد يكون "دائماً، وليس مؤقتاً، على الأقل بالنسبة للديمقراطيين".

وأوضح شابيرو، في حديث مع "الشرق"، أن هذا التحول سبقه تغيير بنيوي، إذ أصبحت القضية الإسرائيلية الفلسطينية قضية حزبية، تباينت فيها آراء الديمقراطيين والجمهوريين، "حتى أصبح الديمقراطيون أقل تعاطفاً ودعماً لإسرائيل من الجمهوريين".

وأشار شابيرو إلى زيادة استياء بعض الديمقراطيين من قمع إسرائيل للفلسطينيين، لا سيما في الضفة الغربية، قائلاً: "بعد أحداث السابع من أكتوبر، حين ردّت إسرائيل بقتل عشرات الآلاف من سكان غزة، بمن فيهم عدد كبير من النساء والأطفال، رأى كثير من الديمقراطيين أن هذا انتقام غير متناسب حتى مع ما ارتكبته حماس بحق الإسرائيليين.. وقد أدى ذلك إلى انقسام بين الديمقراطيين، وقد يستمر هذا الانقسام".

تحوّل ديمقراطي "مستمر"

ويمثل الانقسام المتزايد بشأن إسرائيل بين الديمقراطيين تحدياً للحزب؛ إذ يضع قيادته بين ضغوط الجناح الاشتراكي التقدمي من جهة، والديمقراطيين التقليديين الذين لا يزالون يؤيدون العلاقة الوثيقة مع إسرائيل من جهة أخرى.

وكانت سباقات مجلس النواب في نيويورك الشهر الماضي مثالاً بارزاً، مع فوز مرشحين ناقدين لإسرائيل ينتمون إلى الديمقراطيين الاشتراكيين، في مقابل ديمقراطيين مؤسسيين معروفين بدعمهم القوي لها.

ويتفق كبير مسؤولي السياسات في مركز أبحاث منتدى السياسة الإسرائيلية، مايكل كوبلو، مع شابيرو في أن التحول عن إسرائيل في الخطاب الأميركي ليس رد فعل مؤقتاً على غزة وإيران، "لكن كلتا الحربين سرّعتا هذه التوجهات وجعلتاها أكثر استدامة".

وقال كوبلو، في حديث مع "الشرق"، إن الجانب الديمقراطي يسود فيه الآن رأي مفاده أن إسرائيل لم تعد تتصرف بما يتوافق مع القيم الأميركية والمعايير الديمقراطية. لكنه استطرد بأن هذه التحولات لم تُسفر بعد عن تغييرات ملموسة كثيرة في السياسات، لكنها تنعكس في الحوار السياسي، والتصويت في الكونجرس، والمناظرات في انتخابات الكونجرس، "وستؤثر في مرحلة ما على قضايا مثل المساعدات الأمنية ومجالات التعاون المختلفة بين الولايات المتحدة وإسرائيل".

وبالفعل، كان زعيم الديمقراطيين في مجلس النواب، حكيم جيفريز، الذي أعلن معارضته خفض المساعدات، قد صرّح بأن "من أجل مصلحة إسرائيل والشعب الفلسطيني، يجب أن تتغير السياسة الأميركية في الشرق الأوسط".

وفي الوقت نفسه، أصدرت منظمة "الأغلبية الديمقراطية من أجل إسرائيل"، وهي من أبرز الجماعات المؤيدة لإسرائيل داخل الحزب الديمقراطي، بياناً أشارت فيه إلى أن التصويت، الذي أيده أكثر من 100 نائب لتقييد المساعدات العسكرية، ليس مجرد حدث عابر، بل رسالة تحذير.

وحذّرت المنظمة من تراجع دعم السياسيين الديمقراطيين لإسرائيل بسبب سياسات حكومة بنيامين نتنياهو، من توسيع المستوطنات في الضفة الغربية وتصاعد عنف المستوطنين ضد الفلسطينيين، إضافة إلى حجم الدمار والخسائر الإنسانية في غزة.

ودعت المنظمة إسرائيل إلى اعتبار هذا التصويت بمثابة "جرس إنذار"، وأن عليها اتخاذ خطوات لإصلاح علاقتها بالحزب الديمقراطي، وإلا فإنها قد تواجه تراجعاً أكبر في الدعم السياسي الأميركي مستقبلاً، خاصة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي الأميركية.

وامتدت الأصوات المنتقدة إلى السفير الأميركي السابق لدى إسرائيل، وأحد أبرز مؤيديها من المعسكر الديمقراطي، رام إيمانويل. وفي كلمة ألقاها بجامعة تل أبيب، دعا إيمانويل إلى اتباع نهج جديد في المساعدات العسكرية الأميركية.

وأعلن إيمانويل، الذي يدرس الترشح للرئاسة في عام 2028، أن المشكلة ليست في الحزب الديمقراطي، قائلاً: "عندما لا يؤيد ثلثا الشعب إسرائيل، فهذه ليست مشكلة تقتصر على الديمقراطيين فقط.. إن القول بأنها مشكلة ديمقراطية يُقلل من خطورة الوضع في بلد عادة ما يحظى بتأييد ثلثي الأميركيين"، محذراً من أن العواقب ستكون وخيمة للغاية.

وأشار إيمانويل إلى أن التحالف بين الولايات المتحدة وإسرائيل يمر بمرحلة مفصلية، قائلاً: "لا يمكنه الاستمرار أو البقاء على حاله، وللحفاظ على قوة علاقاتنا، يحتاج هذا التحالف إلى تغييرات جذرية وتوجه جديد".

تحوّل جمهوري "مؤقت"

في الجانب الآخر من الطيف السياسي، ورغم أن خفض المساعدات لإسرائيل لم يُقر، فقد عكس أيضاً وجود أصوات داخل الحزب الجمهوري تشكك في استمرار تقديم مساعدات عسكرية لإسرائيل بالشكل التقليدي.

وكان النائب الجمهوري توماس ماسي هو من اقترح تعديلاً لإلغاء المساعدات العسكرية الأميركية السنوية لإسرائيل، وإن كان لدوافع مختلفة.

ورأى ماسي أن تقليل التدخلات والمساعدات الخارجية ضرورة لإنفاقها محلياً على الطرق والجسور الأميركية وتلبية احتياجات المحاربين القدامى، لا سيما مع تزايد العجز الوطني.

وأضاف ماسي، خلال مناقشة التعديل في مجلس النواب، أن الأسلحة الأميركية استُخدمت ضد "مدنيين أبرياء في كثير من الأحيان".

ويرى كوبلو أنه في الجانب الجمهوري يتزايد التشكيك في كون إسرائيل شريكاً استراتيجياً قيّماً للولايات المتحدة، ويتزايد الاعتقاد بأن المصالح الأميركية في الشرق الأوسط تتعقد بسبب الصراعات الإسرائيلية.

لكن الأكاديمي روبرت شابيرو، الذي تتركز اهتماماته على الرأي العام وصنع السياسات والقيادة السياسية، يعتقد أن التحول بشأن إسرائيل بين الجمهوريين "مؤقت"، قائلاً إنه قد يكون مرهوناً بانتهاء الحرب في إيران.

وأوضح شابيرو أن كثيراً من الجمهوريين استاءوا من إخلال ترمب بوعده بإبقاء الولايات المتحدة بعيدة عن "الحروب الأبدية"، واختلفوا مع زملائهم الجمهوريين في هذا الشأن، ورأوا أن إسرائيل تورط الولايات المتحدة في حرب ضد إيران، "ولذلك ازدادت حدة الانقسام في آرائهم تجاه إسرائيل أيضاً، لكنه انقسام مؤقت، على عكس الديمقراطيين، وأعتقد أنه مرهون بانتهاء الحرب في إيران".

وكان معسكر المعارضين للتدخل الأميركي في معارك إسرائيل قد امتد من السياسيين ليشمل المعلقين والمؤثرين المحافظين، مثل ميجان كيلي، وأليكس جونز، وكانديس أوينز، والمذيع السابق في فوكس نيوز تاكر كارلسون، والنائبة الجمهورية السابقة مارجوري تايلور جرين.

وكانت المعلقة المحافظة كيلي حذّرت من أن إسرائيل "تفقد مكانتها مع بقية العالم"، وقالت: "لقد فقدت الدعم حتى من أقرب حلفائها.. حتى الحزب الديمقراطي بأكمله هنا في الولايات المتحدة انقلب ضدها، وهي تخسر الجمهوريين يوماً بعد يوم هنا في أميركا".

وفي المؤتمر الوطني الخامس للمحافظين، في سبتمبر الماضي، تساءل كورت ميلز، رئيس تحرير مجلة "ذا أميركان كونسيرفاتيف"، خلال نقاش عن أميركا والحرب الإسرائيلية الإيرانية: "لماذا تُعتبر هذه حروبنا؟ لماذا تُعد مشكلات إسرائيل التي لا تنتهي عبئاً على أميركا؟ لماذا نقبل شعار أميركا أولاً مع وضع إسرائيل في الاعتبار؟".

حتى إن كبير الاستراتيجيين في الولاية الأولى للرئيس ترمب، وأحد أبرز داعمي إسرائيل، ستيف بانون، توقع في سبتمبر الماضي أن يصبح الدعم الأميركي لإسرائيل أكثر هشاشة مع ورود تقارير عن مجاعة بين المدنيين في غزة.

وحذّر بانون من أن تجويع الفلسطينيين لن يؤدي إلا إلى تسريع انهيار الدعم لإسرائيل.

وقال إنه يدعم إسرائيل كدولة ذات سيادة، لكنه أشار إلى أنه لا ينبغي لها "اتخاذ قرارات بناءً على افتراض أن أميركا ستتدخل، ليس فقط للدفاع عن إسرائيل، ولكن للهجوم.. علينا اتخاذ قرارات تضع أميركا في المقام الأول".

وتصاعدت تلك الانتقادات والتحذيرات على مدار أشهر، حتى أعلن كارلسون وجرين، وهما من أبرز مؤيدي ترمب سابقاً، تركهما الحزب الجمهوري بسبب الدعم العسكري في حرب غزة والتدخل مع إسرائيل في الحرب ضد إيران، واعتبرا ذلك تغليباً للقضايا الخارجية على المصالح الداخلية الأميركية، كالتضخم وارتفاع أسعار الوقود.

وفي حين وصفت جرين أعمال إسرائيل في غزة بأنها "إبادة جماعية"، وأن المساعدات العسكرية لإسرائيل لا تتماشى مع سياسة "أميركا أولاً"، اتهم كارلسون ترمب بخيانة الشعب الأميركي بالسماح لإسرائيل بدفعه إلى خوض حرب مع إيران، وهو ما دفع ترمب إلى توجيه الإهانات إليهما في المقابل، واصفاً جرين بـ"الخائنة" وكارلسون بـ"الشخص منخفض الذكاء".

لكن تحوّل بعض أبرز الوجوه الجمهورية الداعمة لإسرائيل قابله تحوّل أوسع على مستوى القاعدة الجمهورية؛ إذ كشف استطلاع مركز بيو للأبحاث، الصادر في أبريل، أن 4 من كل 10 جمهوريين ينظرون إلى إسرائيل نظرة سلبية. وبلغت هذه النسبة 57% بين الجمهوريين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و49 عاماً، مقارنة بـ50% العام الماضي.

الرأي العام وتغيّر المشهد السياسي

وتُظهر استطلاعات الرأي الأخيرة تراجع الدعم الشعبي الأميركي لإسرائيل. فبعد شهر واحد من الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، كشف استطلاع مركز بيو أن 60% من البالغين الأميركيين ينظرون إلى إسرائيل نظرة سلبية، مقارنة بـ53% العام الماضي.

كما أن 59% منهم لا يثقون، أو يثقون بشكل ضئيل، في قدرة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على اتخاذ القرارات الصائبة، مقارنة بـ52% العام الماضي.

وأظهر الاستطلاع أنه في كلا الحزبين السياسيين، تُقيّم أغلبية البالغين دون سن الخمسين إسرائيل ونتنياهو بنظرة سلبية.

ويُعدّ الرأي العام عنصراً مهماً في السياسة الأميركية؛ إذ كان الرأي العام الأميركي المؤيد لإسرائيل، لعقود طويلة، محركاً رئيسياً لسياسة البيت الأبيض.

وقال كبير مسؤولي السياسات في مركز أبحاث منتدى السياسة الإسرائيلية، مايكل كوبلو، إن أغلبية الأميركيين لطالما نظروا إلى إسرائيل نظرة إيجابية باعتبارها شريكة للولايات المتحدة في المصالح والقيم، "فكان من السهل الحفاظ على ما يُسمى بالعلاقة الخاصة، وكان منطقياً لصُنّاع القرار أن يجدوا في دعم إسرائيل موقفاً طبيعياً لا يسبب لهم أي خسارة انتخابية، بل على العكس، لم يكن هناك أي مكسب سياسي من اتخاذ مواقف معادية لإسرائيل".

وأضاف: "لكن مع التحول الجذري في الدعم الشعبي لإسرائيل، لا سيما عقب أحداث 7 أكتوبر وحرب غزة، أشار كوبلو إلى أن بعض السباقات الانتخابية تشهد ثمناً سياسياً لدعم إسرائيل، مع انخفاض التأييد الشعبي لها، خاصة بين الشباب والديمقراطيين. وأصبح بعض السياسيين يشعرون بأن دعم إسرائيل قد يكلفهم أصوات الناخبين في بعض الدوائر".

وأكد كوبلو أن التراجع في تأييد الرأي العام الأميركي سيؤدي إلى تغييرات في السياسة الأميركية ما لم يتغير الرأي العام لصالح إسرائيل.

غير أن أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو، إريك أوليفر، يرى أن الرأي العام الأميركي يمكن أن يؤثر في السياسة الخارجية، لكنه لا يغيرها بسرعة أو بشكل مباشر.

وأوضح أوليفر، في حديث مع "الشرق"، أن معظم الأميركيين لا يصوتون بناءً على مواقفهم من إسرائيل، كما أن الكثيرين منهم لا يملكون تفضيلات مفصلة أو ثابتة بشأن سياسة الشرق الأوسط، "لذا يستجيب صانعو السياسات بشكل أقل لمستوى الرأي العام، وأكثر لشدّته وتنظيمه وأهميته الانتخابية".

وقال أوليفر إن الدعم الأميركي لإسرائيل ظل قوياً لعقود؛ لأن مؤيديها كانوا أكثر تنظيماً من منتقديها، "كانوا متجذرين في مؤسسات راسخة، كشبكات الكونجرس، ومنظمات المناصرة، والكنائس الإنجيلية، وكبار المانحين، ومؤسسة الأمن القومي، ومن المنطقي أن يخسر الرأي العام المشتت الداعي إلى تغيير السياسة أمام قاعدة انتخابية منظمة تدافع عنها، فكان من السهل عليهم الحفاظ على الدعم السياسي لإسرائيل، حتى لو لم يكن الرأي العام بأكمله متحمساً بالدرجة نفسها".

لكن أوليفر، الذي تتركز اهتماماته على السياسة الأميركية والرأي العام الأميركي، يرى أن الرأي العام يظل مهماً؛ لأنه يغير المشهد السياسي تدريجياً، قائلاً إنه عندما يزداد عدد الناخبين الذين ينتقدون إسرائيل، يبدأ بعض السياسيين، خاصة الذين يخوضون انتخابات تمهيدية داخل أحزابهم، في إعادة حساباتهم خوفاً من خسارة أصوات الناخبين، "يُغيّر هذا الأمر الحجج التي يعتبرها السياسيون مشروعة، وبمرور الوقت، يُغيّر تركيبة الكونجرس نفسه.. ويمكننا بالفعل ملاحظة هذه العملية داخل الكتلة الديمقراطية".

وما يشير إليه أوليفر يفصله استطلاع أجرته وكالة أسوشيتد برس بالتعاون مع مركز NORC، كشف أن 58% من الديمقراطيين يرون أن الولايات المتحدة تقدم دعماً أكبر مما ينبغي لإسرائيل، في مقابل 45% فقط في بداية عام 2024. كما ارتفعت عموماً نسبة الأميركيين الذين يرون أن واشنطن تبالغ في دعم إسرائيل من 27% قبل أحداث 7 أكتوبر إلى 40% حالياً.

محاولة إسرائيلية "فاشلة" لتحسين صورتها

وتحاول إسرائيل إنقاذ سمعتها المتضررة داخل الولايات المتحدة الأميركية، مع اقتراب الانتخابات النصفية المقرر عقدها في نوفمبر القادم.

وفي محاولة لاحتواء التراجع غير المسبوق في صورتها داخل الولايات المتحدة، وسّعت إسرائيل خلال الأشهر الأخيرة جهودها الإعلامية والرقمية للتأثير في الرأي العام الأميركي، لا سيما داخل الأوساط المحافظة المؤيدة للرئيس ترمب.

ولفت أستاذ العلوم السياسية إريك أوليفر إلى أن الجهد الذي تقوم به إسرائيل "ليس جديداً"، موضحاً أن الدبلوماسية العامة جزء من استراتيجية إسرائيل منذ ما قبل تأسيس الدولة، لكنها كانت تتكثف كلما أثارت العمليات العسكرية الإسرائيلية انتقادات من الرأي العام الغربي.

وأشار أوليفر إلى حرب لبنان عام 1982، واصفاً إياها بأنها كانت "نقطة تحول مهمة"؛ إذ واجهت إسرائيل انتقادات حادة بسبب حصار بيروت ومجزرة صبرا وشاتيلا، وخلص المسؤولون الإسرائيليون إلى أن النجاح العسكري لا يضمن الشرعية السياسية في الخارج، "استثمرت إسرائيل لاحقاً في التواصل وتوسيع نطاق تواصلها المنهجي مع الصحفيين وصُنّاع القرار الأميركيين".

وأعقبت الانتفاضتين الفلسطينيتين الأولى والثانية، وحرب لبنان عام 2006، والصراعات المتتالية في غزة، وتنامي حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات، مخاوف مماثلة.

لكن أوليفر أشار إلى اختلاف الحملة الحالية في النطاق، والتطور التكنولوجي، والاستهداف السياسي، قائلاً إن الحملات السابقة اعتمدت بشكل كبير على الدبلوماسيين، والتغطية الصحفية، والمقابلات التلفزيونية، والمنظمات الطلابية، وجماعات المناصرة الراسخة، "أما الجهد الحالي فيعمل في بيئة اتصالات مجزأة تشمل تيك توك، والبودكاست، والمؤثرين، والاستهداف الخوارزمي، والذكاء الاصطناعي.. يشبه بشكل متزايد حملة سياسية أميركية محلية، برسائل مجزأة مصممة لشرائح محددة من الناخبين".

وبحسب تقارير أميركية، تعاقدت الحكومة الإسرائيلية مع شركات استشارات وعلاقات عامة يقود بعضها مدير حملة ترمب السابق براد بارسكيل، لإدارة حملة رقمية تستهدف الوصول إلى ملايين الأميركيين عبر منصات التواصل الاجتماعي والبودكاست، مع التركيز على الشباب المحافظ والمسيحيين والإنجيليين.

كما شملت الحملة إنتاج محتوى موجه، والاستعانة بمؤثرين، والعمل على التأثير في إجابات أدوات الذكاء الاصطناعي، مثل ChatGPT وGemini وClaude، عند تناولها إسرائيل والحرب الإيرانية.

ورغم تقديم الحملة على أنها تهدف إلى مكافحة معاداة السامية وتعزيز صورة إسرائيل، أشارت تقارير إعلامية إلى أنها سعت أيضاً إلى الحفاظ على تأييد القاعدة الجمهورية لإسرائيل، والترويج لمواقف أكثر تشدداً تجاه إيران، في وقت تشهد فيه إسرائيل انتقادات حادة من سياسيين وتراجعاً كبيراً في التأييد الشعبي الأميركي، أسهم في خسارة مرشحين داعمين لها.

وأرجع أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو، إريك أوليفر، تحرك إسرائيل الآن إلى مواجهتها احتمال تآكل أهم أصولها الاستراتيجية، وهو افتراض أن الدعم الأميركي تلقائي، ومن الحزبين.

وقال أوليفر إن إسرائيل تحاول الآن الحفاظ على توافق سياسي بدأ يضعف؛ إذ كانت الحملات السابقة تستند إلى سردية أميركية مشتركة على نطاق واسع، "إسرائيل كديمقراطية صغيرة محاصرة تواجه جيراناً معادين".

ورغم أن هذه السردية لا تزال مؤثرة لدى كثير من الأميركيين، على حد قول أوليفر، إلا أنها تتنافس الآن مع سردية أخرى، "إسرائيل كقوة عسكرية مهيمنة تمارس الاحتلال وتُلحق معاناة واسعة النطاق بالمدنيين".

وأشار أوليفر إلى أن استهداف الحملة الإسرائيلية للشباب يكشف الكثير؛ إذ لم يعد بإمكان إسرائيل أن تفترض أن الدعم الجمهوري سيستمر عبر الأجيال، موضحاً أن الحملة تهدف إلى منع انتقاد إسرائيل من الاندماج مع هوية "أميركا أولاً".

لكن أوليفر شكك في مدى قدرة الحملة الإسرائيلية على تحقيق أهدافها، قائلاً: "العلاقات العامة قادرة على ترسيخ قناعات مسبقة، وتزويد النخب المتعاطفة بالحجج، وتحويل الأنظار، لكنها أقل قدرة بكثير على تجاوز الصور المتكررة لمعاناة المدنيين، أو إقناع الناس بأن السياسات التي يعتبرونها مرفوضة مجرد سوء فهم".

ويرى أوليفر أن أنجح طريقة لإسرائيل لتحسين صورتها هي إجراء تغيير واضح في سياستها، ويقول: "لا يمكن لأي استراتيجية تواصل أن تُعوض إلى الأبد الفجوة المتزايدة بين الرواية التي تُقدمها إسرائيل عن سلوكها وما يعتقد الأميركيون أنهم يرونه".

ويتفق أستاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية والعامة في جامعة كولومبيا، روبرت شابيرو، مع أوليفر في أن جهود "العلاقات العامة هذه" لن تُحدث تأثيراً كبيراً، موضحاً أن هناك أدلة تاريخية كثيرة تُشير إلى صعوبة إقناع الناس بتغيير آرائهم على المدى القصير.

ويضيف: "في المقابل، ما تفعله إسرائيل على الأرض هو ما يمكن أن يُحدث الفارق؛ لأن الأفعال تتحدث عن نفسها، وهو ما سينعكس أيضاً على الطريقة التي ينظر بها السياسيون الأميركيون إليها ويتعاملون معها، خاصة على المدى الطويل".

تصنيفات

قصص قد تهمك