
بينما يعزز الرئيس الأميركي دونالد ترمب حملة "النبذ الاقتصادي" ضد إيران، مع إعلان انضمام الاتحاد الأوروبي إلى جهود واشنطن، يراهن على ورقة الضربات العسكرية المحدودة في مواجهة قيادة إيرانية متشددة ترفض التراجع، إلا أنه يرفض الانزلاق إلى حرب شاملة قبل نحو شهرين من انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأميركي.
ويبدو أن ترمب استقر على "نهج مزدوج" يجمع بين تكثيف الضغط الاقتصادي والتلويح بإمكانية تصعيد عسكري واسع.
وبعد إطلاق عملية "النبذ الاقتصادي" الأسبوع الماضي، في محاولة لعزل إيران عن شركائها التجاريين المتبقين حول العالم، استأنفت إدارة ترمب أيضاً الضربات العسكرية خلال الأيام الأخيرة، ما أعاد المخاوف من اندلاع حرب إقليمية شاملة.
لكن الجمع بين العقوبات المشددة المفروضة بالفعل على إيران وحملة القصف المتقطعة منذ اندلاع الحرب قبل أكثر من ستة أشهر، لم ينجح في إخضاع القيادة الإيرانية، وترك الإدارة الأميركية تكافح لإيجاد سبيل لإنهاء الصراع.
وقال نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، الخميس، إن القتال بين الولايات المتحدة وإيران "لا يعد حرباً"، فيما امتنع عن تحديد جدول زمني لانتهاء الصراع، وذلك في تصريحات تبرز التحدي الذي تواجهه إدارة ترمب مع دخول المواجهات شهرها السابع واقتراب انتخابات التجديد النصفي.
وأضاف نائب الرئيس الأميركي: "لن أسميها حرباً.. ففي الوقت الحالي، لا توجد اشتباكات مسلحة جارية، وأدرك أن هناك أماكن شهدت إطلاق نار".
وتمسكت طهران بمواقفها، ما أثار إحباط ترمب، في وقت ترتفع فيه أسعار الطاقة، ويشهد الاقتصاد العالمي اضطرابات، وتتراجع مؤشرات تأييد طريقة تعامل الإدارة الأميركية مع الحرب قبيل انتخابات نوفمبر.
أسباب داخلية لجمود الحرب
وفي تصريحات لوكالة "أسوشيتد برس"، وصف دبلوماسي إقليمي مطلع على الملف حالة الجمود الراهنة بين طهران وواشنطن، بأنها "انعكاس للأولويات الداخلية في البلدين: انتخابات التجديد النصفي بالنسبة إلى ترمب والجمهوريين، والأزمات الداخلية في إيران".
وقال الدبلوماسي إن القضايا الداخلية تمثل أسباباً أساسية لعدم استعداد أي من الطرفين للتراجع أولاً.
وأضاف أن المفاوضات، سواء بين إيران وسلطنة عُمان أو حتى بين إيران والولايات المتحدة، لن تحرز تقدماً "دون معالجة السبب الأول الذي أشعل الحرب، وهو إسرائيل".
كما أبدى الدبلوماسي تشككه في خطة العقوبات الجديدة لإدارة ترمب، قائلاً إن التهديدات تحتاج إلى توضيحات أكبر مما قدمته الولايات المتحدة حتى الآن.
وقال ترمب، الأربعاء، إنه لا يعتقد أن الصراع سيستمر "لفترة أطول بكثير"، لكنه قلل مجدداً من شأن الطروحات التي تشير إلى أن تراجع شعبية الحرب وارتفاع أسعار البنزين، قد يؤثران على حظوظ الجمهوريين في الانتخابات.
وأضاف في حديثه للصحافيين: "لا يهم، وأنا لا أتأثر بالانتخابات، أنا لست مرشحاً، لكن حزبي يخوض الانتخابات وسأساعد حزبي، وأعتقد أن حزبي يقدّر حقيقة أننا لا نسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي".
حملة عزل إيران اقتصادياً تبدأ ببطء
أعلنت الإدارة الأميركية الأسبوع الماضي، حملتها الجديدة لـ"نبذ إيران اقتصادياً"، موجهة تحذيراً شديداً إلى جميع الدول التي لا تزال تتعامل معها بضرورة قطع العلاقات المالية والتجارية مع طهران أو مواجهة إجراءات انتقامية أميركية، لكن الحملة لم تحقق حتى الآن النتائج المرجوة، وفق "أسوشيتد برس".
ويتفق خبراء على أن العقوبات، لكي تكون مؤثرة فعلياً، يجب أن تشمل الشركاء التجاريين الرئيسيين لإيران، وفي مقدمتهم الصين، إضافة إلى الهند وروسيا.
لكن ترمب يتردد خصوصاً في استهداف الصين، فيما يستعد لاستضافة الرئيس الصيني شي جين بينج في وقت لاحق من الشهر الجاري.
ويصر ترمب أيضاً على أن الولايات المتحدة تسيطر على مضيق هرمز، الذي كان يمر عبره خُمس النفط العالمي قبل اندلاع الحرب.
وأصبح الممر المائي الاستراتيجي إحدى أهم أوراق الضغط الإيرانية، فيما باتت إعادة فتحه بالكامل أحد الأهداف الرئيسية للإدارة الأميركية.
ولا تزال حركة السفن عبر المضيق أقل بكثير من مستوياتها قبل الحرب بسبب مخاطر التعرض لهجوم إذا لم تلتزم السفن بنظام تدقيق إيراني، في تناقض واضح مع حرية الملاحة التي كانت قائمة قبل الحرب.
وروج البيت الأبيض مراراً للتأثير الاقتصادي للعقوبات على إيران، مستشهداً بالتضخم المتفشي والانخفاض الهائل في قيمة العملة الإيرانية.
وقال ترمب في تصريحات لشبكة GB News اليمينية البريطانية إن الاقتصاد الإيراني "ينهار"، مضيفاً أن التضخم قد يصل إلى 300%، وأن العملة الإيرانية فقدت قيمتها بصورة كبيرة مقارنة بالدولار.
واعتبر وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في تصريحات لشبكة "فوكس نيوز"، أن "الثمن" الذي ستدفعه إيران خلال المرحلة المقبلة سيكون اقتصادياً في المقام الأول، مضيفاً: "ولكننا نحتفظ بالحق في اتخاذ إجراء عسكري عند الضرورة، ليس فقط لحماية أنفسنا، وإنما أيضاً لمنعهم من امتلاك القدرة على تهديد الآخرين".
وما يزيد الموقف تعقيداً بالنسبة إلى الولايات المتحدة أن القيادة الإيرانية أظهرت مؤشرات على وجود انقسامات بين تيار أكثر اعتدالاً وانفتاحاً على الحل الدبلوماسي، ومتشددين يريدون مواصلة نهج أكثر تصادمية. ويعد الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان أحد أبرز الأصوات التي لا تزال تدعو إلى حل تفاوضي.
لكن المتشددين يبدو أنهم باتوا أصحاب اليد العليا، فيما لا تظهر إيران أي مؤشر على التراجع، بحسب "أسوشيتد برس".
آثار الضغط الاقتصادي على إيران
وسعت واشنطن في الأسابيع القليلة الماضية إلى تصعيد الضغوط الاقتصادية على طهران، في محاولة لانتزاع تنازلات في أي مفاوضات مستقبلية بعدما أخفق الصراع المستمر لستة أشهر في تحقيق ذلك.
وقالت ثلاثة مصادر إيرانية رفيعة المستوى لـ"رويترز"، إن الحملة الأميركية الرامية إلى خنق الاقتصاد الإيراني عبر تقييد صادرات النفط ووقف التهرب من العقوبات أصبحت أشد وطأة على طهران.
وأضافت المصادر أنه رغم نجاح السلطات الإيرانية في الالتفاف على العقوبات لعقود، إلا أن أحدث الإجراءات الأميركية وضعتها في موقف أكثر حساسية بكثير، إذ لم يتبق لهم سوى القليل من القنوات لتأمين العملات الأجنبية أو شراء السلع.
وأشارت المصادر إلى أن الجهود الرامية إلى حرمان إيران من الوصول إلى شبكات التمويل الدولية في دول أخرى، باتت تشكل تهديداً حقيقياً وملحاً، بعد أن ظلت طهران تعتمد على ذلك لزمن طويل للحفاظ على دوران عجلة الاقتصاد.
ومما يزيد من مشكلات إيران أن الاقتصاد كان يعاني بالفعل من أزمة عميقة قبل الصراع مع انهيار العملة وارتفاع التضخم. وزاد القصف الذي استمر لأشهر، أعباءً جديدة تمثلت في فاتورة ضخمة لإعادة بناء الصناعة والبنية التحتية المتضررة.
وفي الوقت نفسه، قالت المصادر إن الضغوط المالية تؤثر بحد ذاتها على جهود طهران للتحايل على نظام العقوبات، إذ تترك لها سيولة نقدية أقل لدفع العلاوات المرتفعة التي تتطلبها عمليات التهرب من العقوبات بطرق غير مشروعة.
وتراجع الريال الإيراني إلى مستويات متدنية غير مسبوقة خلال الأيام القليلة الماضية. وقال أحد المصادر الإيرانية إن البلاد لا تملك سوى مخزونات من البنزين تكفي لشهرين إضافيين، وهو ما يتعين استيراده رغم إنتاج النفط المحلي بسبب محدودية طاقتها التكريرية.









