
تواجه رئيسة الوزراء الإيطالية المحافظة جورجيا ميلوني، اختباراً سياسياً حاسماً في استفتاء يستمر يومين بشأن إصلاح القضاء، ويبدأ الأحد، وهو تصويت تحوّل إلى حكم أوسع نطاقاً على قيادتها محلياً ودولياً، حسب ما أوردت وكالة "أسوشيتد برس".
وكان من المقرر في البداية أن يكون الإصلاح إصلاحاً تقنياً شاملاً للنظام القضائي، إلا أنه زاد من حدة الانقسامات السياسية ووحد صفوف المعارضة من يسار الوسط، ما حوّل الاستفتاء إلى مواجهة رمزية على قوة ميلوني قبل عام من الانتخابات الوطنية.
وتُظهر استطلاعات الرأي الأخيرة أن المنافسة لا تزال متقاربة للغاية، مع اكتساب معسكر "الرفض" زخماً متأخراً في مناخ سياسي مستقطب قد تكون فيه نسبة المشاركة حاسمة.
وقال لورينزو بريجلياسكو، المحلل السياسي وخبير استطلاعات الرأي في شركة "يوترند"، إن رفض الإصلاح سيكون له ثقل سياسي كبير.
وأضاف للوكالة: "إن فوزاً محتملاً لمعسكر (الرفض) سيرسل إشارة سياسية، تُضعف هالة ميلوني التي تبدو وكأنها لا تُقهر، بينما تدفع المعارضة من يسار الوسط إلى القول إن هناك بالفعل بديلًا في البلاد".
ميلوني ترفع سقف التحدي
وتجنبت ميلوني في البداية ربط صورتها بشكل وثيق بالاستفتاء، خشية أن يؤدي الفشل إلى إضعافها محلياً ودولياً.
وتترأس حالياً أكثر الحكومات استقراراً في إيطاليا منذ سنوات، بعد أن اكتسبت مصداقية بين حلفائها الأوروبيين كزعيمة ذات كاريزما. من شأن الفوز في الاستفتاء أن يعزز مكانتها في الداخل، فضلاً عن تعزيز موقعها الدولي.
لهذا السبب، ومع اقتراب موعد التصويت وتقارب نتائج استطلاعات الرأي، غيّرت رئيسة الوزراء الإيطالية استراتيجيتها وانضمت بالكامل إلى حملة "نعم".
وصعّدت ميلوني من حدة خطابها، متهمةً بعض أجزاء السلطة القضائية بعرقلة عمل الحكومة في ملفي الهجرة والأمن، محذرةً من أن عدم إقرار الإصلاح سيقوي "فصائل" قضائية غير خاضعة للمساءلة ويعرض سلامة المواطنين للخطر.
وقالت في فعالية انتخابية الأسبوع الماضي: "إذا لم يُقرّ الإصلاح هذه المرة، فربما لن تُتاح لنا فرصة أخرى.. سنجد أنفسنا أمام فصائل أكثر نفوذاً، وقضاة أكثر إهمالاً، وأحكام أكثر غرابة، ومهاجرين، ومغتصبين، ومتحرشين بالأطفال، وتجار مخدرات يُطلق سراحهم، مما يُعرّض أمنكم للخطر".
ولاقت تحذيراتها الصريحة انتقادات لاذعة من القضاة ويسار الوسط، الذين يرون أن هذه الإصلاحات ستُقوّض استقلال القضاء وتُضعف الضمانات الدستورية.
"خطر ترمب"
ويقول المحللون إن الاستفتاء يحمل تداعيات دولية أيضاً.
واعتبرت "أسوشيتد برس" أن اصطفاف ميلوني طويل الأمد مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، والذي كان يُعد ميزة سياسية في وقت سابق، قد أصبح مثيراً للمشاكل بشكل متزايد؛ وذلك في ظل مواجهة سياسته الخارجية — ولا سيما حرب إيران — رفضاً متنامياً في أوساط الإيطاليين.
وقال بريجلياسكو: "تواجه ميلوني ما أسميه (خطر ترمب)؛ ويتمثل هذا الخطر في الظهور بمظهر شديد التبعية للرئيس الأميركي، الذي يُعد زعيماً سياسياً غير محبوب إطلاقاً في إيطاليا وبقية أوروبا، كما أنه يثير قدراً كبيراً من عدم الثقة، حتى في أوساط الناخبين المنتمين لتيار يمين الوسط".
وأشارت الوكالة إلى أن الهزيمة في الاستفتاء لن تُرغم ميلوني على الاستقالة — إذ تمتد ولايتها حتى عام 2027، وتعهدت مراراً بإتمامها حتى نهايتها — إلا أنها قد تُضعف مصداقيتها داخل الاتحاد الأوروبي، حيث يُنظر إليها هناك باعتبارها عاملاً للاستقرار في بيئة سياسية تتسم غالباً بالتقلب.
صراع طويل الأمد
ويتمحور الاستفتاء حول إصلاحات طال الجدل بشأنها، وتهدف إلى إعادة تشكيل هيكلية النظام القضائي في إيطاليا.
ويتضمن أحد التدابير الرئيسية في هذا الصدد الفصل بين المسارات المهنية للقضاة والمدعين العامين، ما يحول دون تبادلهم للأدوار — وهو أمر مسموح به حالياً، وإن كان نادراً ما يُمارس على أرض الواقع.
ويتعلق تغيير رئيسي آخر بـ "المجلس القضائي الأعلى"، الذي يتولى الإشراف على تعيين القضاة والمسائل التأديبية الخاصة بهم.
ويقترح الإصلاح تقسيم المجلس إلى 3 هيئات منفصلة، وتغيير آلية اختيار أعضائه، وذلك باستبدال الانتخابات الداخلية بآلية الاختيار عن طريق القرعة من بين القضاة والمدعين العامين المؤهلين.
وطبع الصراع بين قادة اليمين في إيطاليا وبين القضاة، المشهد السياسي الإيطالي، وبلغ ذروة انفجاره خلال فترات حكم الزعيم المحافظ الراحل سيلفيو برلسكوني، الذي كان يُعد واحداً من أشد المؤيدين للإصلاح القضائي.









