
أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب التوصل إلى وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان، ودُعي زعيما البلدين إلى البيت الأبيض لبدء عملية سلام، فما هي الشروط التي يقوم عليها الاتفاق، وهل من الممكن نزع سلاح جماعة "حزب الله"؟
نقلت صحيفة "هآرتس" عن مسؤولين إسرائيليين قولهم إن العد التنازلي لهدنة لبنان كان متزامناً مع العد التنازلي لنهاية الحرب في إيران، ولذلك، رأى البعض أن من الأفضل بدء عملية دبلوماسية، بناءً على مبادرة لبنانية، قبل فرض وقف إطلاق النار على إسرائيل.
وبدأ الجيش الإسرائيلي غاراته في لبنان في 2 مارس، بعد 3 أيام من بدء حرب إيران في 28 فبراير، عندما انضم حزب الله إلى إيران في هجمات ضد إسرائيل.
وفي الأسابيع الأولى من الحرب، ظلت طلبات لبنان المتكررة لوقف إطلاق النار وبدء محادثات دبلوماسية دون استجابة، حتى بعد إعلان وقف إطلاق النار مع إيران، حاول رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو "فصل ساحات القتال" وهي محاولة لم تدم سوى أسبوع ويوم واحد.
لكن مساء الجمعة، أعلن ترمب وقف إطلاق النار لمدة 10 أيام، قائلاً إنه سيدعو الرئيس اللبناني جوزاف عون ونتنياهو إلى البيت الأبيض لإجراء أول "محادثات جادة" بين لبنان وإسرائيل منذ عام 1983. وحتى الآن، لم يُحدد موعد لزيارة نتنياهو إلى واشنطن.
من يقف وراء وقف إطلاق النار؟
قبل يوم من إعلان وقف إطلاق النار، أطلع البيت الأبيض الصحفيين على أن الهدنة في لبنان لا علاقة لها بالمفاوضات مع إيران، ومع ذلك، في إشارة إلى الضغط المباشر المُمارس على إسرائيل، قالت الإدارة الأميركية إن ترمب سيرحب بوقف الأعمال العدائية.
ورفض وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الثلاثاء، الإجابة على سؤال بشأن وقف إطلاق النار خلال اجتماع عقده بين سفيري إسرائيل ولبنان في واشنطن.
في وقت لاحق، وخلال حديثه مع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، حرص روبيو على التأكيد على أن "المفاوضات مع لبنان منفصلة عن المفاوضات مع إيران".
وبعد اجتماع السفيرين مع روبيو، أصدر وزير الخارجية الأميركي بياناً مشتركاً يُبرز وجود فجوات كبيرة بين الجانبين، إذ طالب لبنان بوقف النار كشرط لبدء المفاوضات وانسحاب إسرائيلي، بينما سعت إسرائيل إلى مواصلة القتال ضد "حزب الله" إلى جانب الحكومة اللبنانية.
وتم سد الثغرة الحرجة الأولى في غضون يومين من ذلك الاجتماع، ففي سلسلة منشورات على منصة Truth Social، أعلن ترمب وقف إطلاق النار، مؤكداً أن لبنان قد استجاب لمطلبه ولن يجري مفاوضات مع إسرائيل تحت وطأة النيران.
ومن الجدير بالذكر أن وقف إطلاق النار في لبنان كان جزءاً من مطالب إيران للأميركيين، والتي قُدّمت قبل جولات المفاوضات الفاشلة التي قادتها باكستان في إسلام آباد مطلع هذا الشهر.
بدوره، شكر رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، ممثل إيران في المفاوضات مع واشنطن، باكستان وقائدها العسكري عاصم منير، على دعمهما لوقف إطلاق النار في لبنان.
وأشاد رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، دون أن ينكر مساهمات بلاده، بترمب، وأصدر بياناً أكد فيه أن باكستان "ستواصل دعم جميع الجهود الرامية إلى تحقيق سلام دائم في المنطقة".
وعقب وقف إطلاق النار مع لبنان، أعلنت إيران على الفور فتح مضيق هرمز للملاحة الحرة، وبذلك، أوضحت، رغم نفي ترمب، أن الضغط الإيراني هو ما دفع نتنياهو إلى الاستسلام، إلا أن إيران تراجعت عن قرار فتح المضيق السبت، مستندةً إلى الولايات المتحدة.
ما الشروط؟
أصدرت وزارة الخارجية الأميركية بياناً، الخميس، حددت فيه شروط وقف إطلاق النار، ومن بين ما جاء فيه، أن الهدوء في لبنان هو "بادرة حسن نية إسرائيلية من أجل المفاوضات، التي تهدف في نهاية المطاف إلى اتفاق سلام".
وكتبت وزارة الخارجية أن "البلدين سيعملان على تهيئة الظروف التي تُفضي إلى سلام دائم بينهما، بما يسمح بالاعتراف الكامل بسيادة كل منهما وسلامة أراضيه، وإرساء أمن حقيقي على طول حدودهما المشتركة، مع الحفاظ على حق إسرائيل الأصيل في الدفاع عن النفس".
وذكر البيان أنه في حال انعقاد مفاوضات جادة بين البلدين بوساطة أميركية، فإن الحكومة اللبنانية ستكون مُلزمة بفرض سيادتها الكاملة على أراضيها لأول مرة منذ عقود.
وهذا يعني عدم وجود أي ميليشيات مسلحة تعمل من أراضيها كدولة داخل الدولة، من جهة، وعدم وجود أي احتلال أجنبي على أراضيها، من جهة أخرى. نصّت الوثيقة، التي اتفقت عليها لبنان وإسرائيل، على أنه خلال فترة وقف إطلاق النار، لن تتمكن إسرائيل من القيام بأي عمليات عسكرية في لبنان إلا للدفاع عن نفسها ضد أي هجمات فعلية أو مُخطط لها. كما نصّت على إمكانية تمديد وقف إطلاق النار بموافقة الطرفين.
وألزمت الوثيقة لبنان على اتخاذ "خطوات فعّالة" لمنع حزب الله والجماعات المسلحة الأخرى من مهاجمة إسرائيل خلال فترة وقف إطلاق النار، ولم تذكر الوثيقة حزب الله بالاسم، لكنها نصت عموماً على أن كلا البلدين يُدركان التحديات التي تُشكلها المنظمات المسلحة غير الحكومية على لبنان، وأنه يجب الحد من أنشطتها.
يشار إلى أن البرلمان اللبناني وافق على اتفاق عام 1983 الموقع بين الجانبين، والتي أنهت حالة الحرب التي استمرت منذ عام 1948، إلا أنها لم تدخل حيز التنفيذ رسمياً قط، وذلك بسبب اعتراضات سياسية عدة، أبرزها الضغوط السورية. وبعد عام، في عام 1984، ألغى لبنان الاتفاق.
هل يمكن نزع سلاح حزب الله؟
ليس هذا أول اتفاق يطالب بنزع سلاح حزب الله، إذ نصّ قرار مجلس الأمن الدولي لعام 2004، وقراره 1701 لعام 2006 (الذي حدد شروط إنهاء حرب لبنان الثانية)، والاتفاق الأخير لعام 2024، جميعها على نزع سلاح الميليشيات المسلحة في لبنان، وهي مطالب قدمتها كل من الأمم المتحدة وإسرائيل.
إلا أن هذا لم يتحقق، فالحكومة اللبنانية وجيشها محدودان في صلاحياتهما، ولا يستطيعان مواجهة الجماعة دون المخاطرة بتجدد الحرب الأهلية في البلاد.
ورغم أن إسرائيل وفرنسا والولايات المتحدة (الدول المشاركة في الاتفاق الأخير في لبنان) تتفهم ذلك، إلا أن هناك اختلافات جوهرية في الحلول التي تقترحها الأطراف لمعالجة المشكلة.
وتدرك إسرائيل وفرنسا والولايات المتحدة ذلك، إلا أن هناك اختلافات جوهرية في الحلول التي تقترحها الأطراف لمعالجة المشكلة.
وفي حديثٍ لصحيفة "هآرتس"، قال مصدر إسرائيلي إن إسرائيل تتوقع من فرنسا إرسال قوات لمساعدة الجيش اللبناني على الأرض في مهمة نزع سلاح حزب الله.
وأضاف المصدر أن "المساعدة التي عرضتها فرنسا فعلياً وهي عبارة عن مساهمة مالية للجيش اللبناني وإمدادات من المركبات المدرعة، غير كافية".
ولفت إلى أن هذا أحد الأسباب التي تجعل إسرائيل لا تنظر إلى فرنسا كطرفٍ مساعد في المفاوضات مع لبنان، وهو ما أكده سفير إسرائيل لدى واشنطن، يحيئيل ليتر، علناً الأربعاء، فقد صرّح بأن فرنسا "تُشكّل عاملاً سلبياً، ويجب إبعادها عن المفاوضات".
بدوره، أوضح مصدر فرنسي لصحيفة "هآرتس" وجهة نظر بلاده في هذا الشأن، قائلاً إن باريس "ترى أن من الأفضل تعزيز لبنان ليتمكن من قيادة المهمة بنفسه".
وأضاف أن "أي مهمة عسكرية ضد حزب الله بمشاركة قوات أجنبية لن تؤدي إلا إلى مزيد من زعزعة استقرار لبنان، وزيادة خطر اندلاع حرب أهلية".
هل إسرائيل مستعدة للانسحاب من لبنان؟
وثمة سؤال آخر يطرح نفسه: هل ستكون إسرائيل مستعدة للانسحاب الكامل من لبنان، وتحت أي شروط؟ وكيف ستكون العمليتان (نزع سلاح حزب الله والانسحاب الإسرائيلي) مترابطتين؟
وأشارت وثيقة وزارة الخارجية الأميركية إلى أن المفاوضات بين لبنان وإسرائيل ستعمل على حل "جميع القضايا العالقة"، بما في ذلك ترسيم الحدود البرية.
وقد حُسمت الحدود البحرية بموجب اتفاق وُقع في أكتوبر 2022، خلال فترة رئاسة يائير لبيد للوزراء في إسرائيل، ومن المتوقع أن يكون ترسيم الحدود البرية مهمة معقدة، نظراً للنزاعات الإقليمية العديدة بين الطرفين.
وقال أورنا مزراحي وستيفان كوهين، من معهد "الدراسات الأمنية الوطنية" الإسرائيلي، إن هناك ما لا يقل عن 13 نقطة على طول الحدود، من رأس الناقورة غرب إسرائيل إلى هضبة الجليل شرقاً، يطالب لبنان بالسيادة عليها.
ويقول لبنان إن الخط الأزرق الذي رسمته الأمم المتحدة بعد انسحاب إسرائيل عام 2000 لا يتطابق مع الحدود التاريخية، ويضر بمصالحه.
ويرى لبنان أن الحدود الصحيحة هي خط الهدنة لعام 1949، أي الحدود التي رُسمت خلال فترة الانتداب الفرنسي البريطاني في عشرينيات القرن الماضي.
ووفقاً للباحثين، من بين 13 نقطة متنازع عليها على طول الحدود، تقع النقطتان الرئيسيتان في منطقة راس الناقورة ومنطقة العديسة (التي تواجه "كيبوتس مسجاف عام" على الجانب الإسرائيلي).
وتتعلق نزاعات أخرى مهمة بمناطق في هضبة الجولان، التي استولت إسرائيل عليها من سوريا في حرب 1967، لكن لبنان يطالب بأجزاء منها.
ويتعلق هذا الأمر بشكل أساسي بالجزء الشمالي من قرية غجر (التي أغلقتها إسرائيل أمام العبور من لبنان عام 2022) ومزارع شبعا، وهي أكبر منطقة متنازع عليها. ويُصوّر "حزب الله" صراعه ضد إسرائيل على أنه صراع على هذه المناطق.
ومع ذلك، ونظراً لضم إسرائيل لهضبة الجولان واعتبارها مزارع شبعا موقعاً استراتيجياً هاماً، فإن احتمال موافقتها على التنازل عن هذه الأراضي ضئيل، بحسب الصحيفة الإسرائيلية.
وقد يُفضي اتفاق بين لبنان وسوريا إلى حلٍّ مُحتمل، يتنازل بموجبه لبنان عن مطالبه بالمنطقة لصالح سوريا، مُؤجلاً بذلك البتّ في المسألة إلى مفاوضات لاحقة.












