إيران تستعيد تكتيكات "حرب الناقلات" لتعطيل الشحن العالمي | الشرق للأخبار

"حرب الناقلات".. إيران تستدعي تكتيكات قديمة في "مواجهات هرمز"

time reading iconدقائق القراءة - 8
صورة أرشيفية لسفينة عسكرية إيرانية بالقرب من مضيق هرمز. إيران. 31 ديسمبر 2022 - Reuters
صورة أرشيفية لسفينة عسكرية إيرانية بالقرب من مضيق هرمز. إيران. 31 ديسمبر 2022 - Reuters
دبي-

خلال "حرب الناقلات" في ثمانينيات القرن الماضي، استخدمت إيران الصواريخ والألغام والزوارق السريعة لفرض سيطرتها على مضيق هرمز، ما استلزم حينها كسر قبضة طهران عبر عملية بحرية واسعة النطاق، شملت تدمير مراكز قيادة على منصات نفطية بحرية بواسطة قوات مشاة البحرية الأميركية.

أما هذه المرة، وإلى جانب تكتيكاتها التقليدية، تمتلك إيران أسطولاً كبيراً من الطائرات المُسيرة الهجومية، التي باتت تمثل "عاملاً جوهرياً مضاعفاً للقوة"، وفق صحيفة "وول ستريت جورنال". وفي المقابل، لم تُقدم البحرية الأميركية حتى الآن على إرسال سفن حربية لمرافقة ناقلات النفط والسفن الأخرى العالقة في الخليج.

وبعد نحو شهر من الهدوء النسبي في محيط المضيق، في ظل وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، بدا أن مبادرة من الرئيس الأميركي دونالد ترمب لحماية السفن التي تحمل اسم "مشروع الحرية"، فجّرت موجة جديدة من الهجمات الإيرانية على السفن، الاثنين.

"حرب الناقلات"

ويختلف المشهد الحالي اختلافاً جوهرياً عن "حرب الناقلات"، التي استمدت اسمها من الهجمات التي شنها كل من العراق وإيران على البنية التحتية النفطية خلال نزاعهما الطويل في الثمانينيات. آنذاك، تدخلت الولايات المتحدة لحماية عدد محدود من ناقلات النفط التي وجدت نفسها وسط نيران الطرفين.

وقال توم دافي، الدبلوماسي الأميركي السابق وضابط البحرية المتقاعد، الذي نشر هذا العام كتاباً بعنوان "حرب الناقلات في الخليج": "الأطراف ذاتها، والمياه ذاتها، لكن السياسة وبيئة التهديد اليوم مختلفتان تماماً".

وأضاف دافي: "يمكن القول إن الاستراتيجية الإيرانية لم تتغير منذ 50 عاماً، فهي قائمة على فرض التكاليف، بهدف إحكام السيطرة على المياه الإقليمية".

وفي وقت تدرس فيه واشنطن خيارات الرد في النزاع الراهن، قد تظل تلك "الحرب داخل الحرب" التي دارت رحاها قبل أربعة عقود تحمل دروساً مفيدة، وفق الصحيفة.

وقال ترمب، الأحد، إن الولايات المتحدة ستسعى إلى توجيه السفن الراغبة في عبور المضيق. وأوضح مسؤولون أميركيون كبار أن ذلك سيتضمن مشاركة معلومات حول مواقع الألغام وتقييم أكثر المسارات أماناً للملاحة.

وأشاروا إلى عدم وجود خطة حالية لتسيير مرافقة معقدة من النوع الذي وضع سفن البحرية الأميركية مباشرة في مرمى النيران الإيرانية خلال عشرات المهام التي بدأت عام 1987.

وأبدت شركات الشحن شكوكها في كفاية هذه الإجراءات لضمان عبور آمن لمئات السفن العالقة. في المقابل، حذرت إيران، البحارة من محاولة المرور عبر المضيق دون إذن من طهران، كما حذرت القوات الأميركية من الاقتراب.

ومنذ التعرض لهجمات من الولايات المتحدة وإسرائيل قبل شهرين، أطلق الحرس الثوري الإيراني النار على أكثر من 25 سفينة تجارية، واحتجز سفينتين، وتمكن من إبقاء البحرية الأميركية على مسافة آمنة، ما أدى فعلياً إلى إغلاق هذا الممر البحري الضيق الحيوي لشحنات النفط العالمية.

وكما فعلت خلال "حرب الناقلات"، تستفيد إيران من موقعها الجغرافي لتهديد حركة الملاحة. لكن هدفها وقتها كان رفع أسعار النفط من دون استدراج الولايات المتحدة إلى مواجهة مباشرة، بحسب كينيث إم بولاك، نائب رئيس السياسات في "معهد الشرق الأوسط".

"معركة مصيرية"

وقالت "وول ستريت جورنال" إن قادة إيران، اليوم، يسعون إلى خنق صادرات النفط في المنطقة لإلحاق الضرر بالاقتصاد العالمي، في خضم معركة "مصيرية لبقائهم". وفي الثمانينيات كان النظام الإيراني لا يزال في بداياته، لكن الآن تتمتع إيران بتحالفات مع روسيا والصين. كما أنها مزودة بأسلحة حديثة، بينها ترسانة من الطائرات المُسيرة تتيح لها استهداف السفن التجارية والحربية بطرق يصعب التصدي لها وذات تكلفة مرتفعة.

وعندما قرر الرئيس الأميركي الراحل رونالد ريجان، على مضض، إشراك البحرية الأميركية في "حرب الناقلات" لضمان تدفق النفط، دفعت البحرية بنحو 30 سفينة من أصل نحو 600 كانت تمتلكها آنذاك، فيما أبحرت الفرقاطات الأميركية عميقاً داخل الخليج.

أما اليوم، فلا تمتلك البحرية الأميركية فرقاطات، وقد تقلص حجمها إلى نحو النصف. وتتولى القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) التعامل مع إيران عن بُعد، حيث خصصت نحو 12 سفينة وأكثر من 100 طائرة لاعتراض السفن التجارية المتجهة من وإلى الموانئ الإيرانية.

وتقوم الفكرة على فرض حصار على طهران والضغط على اقتصادها المتضرر بشدة، لإجبار النظام على التخلي عن حصاره الخاص للمضيق. وتتمركز هذه العمليات خارج المضيق، في خليج عُمان ومناطق أبعد، وقال دافي: "يبدو أننا قلقون، لأسباب مفهومة، من التعرض لهجمات، والإيرانيون يدركون ذلك".

وعلى خلاف نظام القوافل الرسمي الذي اتُّبع خلال "حرب الناقلات"، تبدو العملية الأميركية الجديدة وكأنها إطار لـ"مراقبة عسكرية" قد تتضمن قدرات دفاعية في حال أطلقت القوات الإيرانية النار على سفن تجارية، وفقاً لمايكل آيزنشتات، مدير برنامج الدراسات العسكرية والأمنية في "معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى".

وفي عام 1987، ومع اعتماد الولايات المتحدة بشكل كبير على نفط الشرق الأوسط، وتعرض ناقلات كويتية لهجمات إيرانية، وافق ريجان على إعادة تسجيل 11 ناقلة كويتية تحت العلم الأميركي وتوفير مرافقة لحمايتها. وكان ذلك في سياق حسابات "الحرب الباردة"، إذ لم يتحرك ريجان إلا بعد أن درست الكويت طلب المساعدة من موسكو.

وتكبدت الولايات المتحدة أكبر خسائرها في "حرب الناقلات" حتى قبل بدء عملية إعادة تسجيل الناقلات ومرافقتها. فقد أطلق طيار عراقي، عن طريق الخطأ، صاروخين من طراز "إكزوسيت" على هيكل السفينة الحربية الأميركية "يو إس إس ستارك"، ما أسفر عن مقتل 37 بحاراً أميركياً وإصابة آخرين بحروق خطيرة.

عملية "إرنست ويل"

وخلال عملية المرافقة، المعروفة باسم "إرنست ويل"، أعلنت الولايات المتحدة مسبقاً مسارات السفن، اعتقاداً منها أن وجود البحرية سيشكل رادعاً لإيران. وفي أول مهمة، التي شاركت فيها 8 سفن حربية أميركية إلى جانب دعم جوي، اصطدمت إحدى ناقلتي النفط المعاد تسجيلهما بسلسلة من الألغام الإيرانية التي زُرعت حديثاً، ما هز صورة التفوق الأميركي أكثر مما ألحق أضراراً بالسفينة التي واصلت الإبحار.

وبحلول عام 1988، كانت إيران تستهدف السفن التجارية أسبوعياً، ما استدعى قيام ما لا يقل عن 10 قوى بحرية غربية و8 قوى بحرية إقليمية بدوريات في المنطقة. وعززت البحرية الأميركية نظام المرافقة بمنصات عائمة مسلحة وتحصينات أخرى.

ولم تستهدف القوات الإيرانية السفن الحربية الأميركية مباشرة، كما لم تتوقف تدفقات النفط، رغم قيام مسلحين على زوارق سريعة بإطلاق قذائف صاروخية على السفن المرافقة.

وشهد النزاع تحولاً عندما اصطدمت السفينة الأميركية USS Samuel B. Roberts "يو إس إس صامويل بي روبرتس" بلغم إيراني تبلغ كلفته 1500 دولار، متسبباً في أضرار بلغت 96 مليون دولار. وردت الولايات المتحدة بعملية "براينج مانتيس"، وهي سلسلة سريعة من الضربات القوية شملت تدمير سفن إيرانية ومنصات نفطية بحرية قالت واشنطن إنها كانت تُستخدم كمراكز قيادة وسيطرة للهجمات على ناقلات النفط.

وعقب ذلك، تراجعت إيران. غير أن أكثر حوادث الحرب دموية كان على وشك الحدوث، نتيجة خطأ أميركي. ففي يوليو 1988، أسقطت السفينة الأميركية "يو إس إس فينسنس" طائرة مدنية تابعة للخطوط الجوية الإيرانية بعد إقلاعها من دبي، بعدما اعتقدت خطأً أنها طائرة مقاتلة، ما أسفر عن مقتل 290 مدنياً. وفي الشهر التالي، وافقت إيران والعراق على وقف إطلاق النار.

تصنيفات

قصص قد تهمك