شركات صينية تتحدى العقوبات وتدعم المسيرات في إيران وروسيا | الشرق للأخبار

شركات صينية تتحدى العقوبات الأميركية وتدعم صناعة المسيرات في إيران وروسيا

time reading iconدقائق القراءة - 11
صورة لمسيرات "شاهد" الإيرانية خلال عملية تصنيعها بأحد المصانع في روسيا. 21 يوليو 2025 - @visegrad24
صورة لمسيرات "شاهد" الإيرانية خلال عملية تصنيعها بأحد المصانع في روسيا. 21 يوليو 2025 - @visegrad24
دبي -

تواصل شركات صينية، بينها كيانات صغيرة غير معروفة، تزويد إيران وروسيا بمكونات حيوية للطائرات المُسيرة، متحديةً العقوبات الأميركية، وسط تصاعد الاعتماد على سلاسل إمداد يصعب تتبعها أو تعطيلها، بحسب "وول ستريت جورنال".

ففي 5 مارس الماضي، وبينما كانت القوات الأميركية والإسرائيلية تقصف أهدافاً إيرانية، وكانت طهران تطلق هجمات على تل أبيب ودول خليجية، انطلقت رسالة بريد إلكتروني جماعية من شركة "شيامن فيكتوري تكنولوجي" الصينية، جاء فيها، بحسب الصحيفة، "نشعر بصدمة وغضب عميقين إزاء العدوان على إيران، وقلوبنا معكم". وعرضت الشركة بيع محركات ألمانية التصميم تُستخدم لتشغيل طائرات مُسيرة انتحارية.

وكانت الولايات المتحدة قد حظرت بيع هذه المحركات، المعروفة باسم "ليمباخ L550"، إلى إيران وروسيا، إذ تُعد مكوناً هاماً في الطائرة الإيرانية الانتحارية "شاهد 136"، التي تستخدم روسيا نسخة منها على نطاق واسع في حرب أوكرانيا.

وعرضت شركة "فيكتوري تكنولوجي" صورة لطائرة مُسيرة من طراز "شاهد" في صفحة المنتجات على موقعها الإلكتروني، إلى جانب شعار "نبتكر حلول محركات الطيران".

ويشكل هذا التسويق العلني في زمن الحرب من شركة صينية صغيرة وغير معروفة، مصدراً متزايداً للإحباط في واشنطن، يتمثل في صعوبة وقف تدفق ما يُعرف بالسلع "ثنائية الاستخدام"، وهي منتجات يمكن استخدامها لأغراض مدنية وعسكرية، إلى خصومها.

وتُظهر بيانات الجمارك الصينية، أن شركات صينية تشحن مئات الحاويات المليئة بهذه السلع إلى روسيا وإيران، وتشمل قوائم الشحن محركات ورقائق إلكترونية وكابلات ألياف ضوئية وجيروسكوبات، بحسب "وول ستريت جورنال".

ولفترة من الزمن، تعمد المُصدرون الصينيون وضع ملصقات تحتوي على معلومات خاطئة على بعض الشحنات للتحايل على العقوبات الأميركية والأوروبية، لكنهم في كثير من الحالات لم يعودوا يكترثون بذلك، وفق ما قاله مسؤولون سابقون رفيعو المستوى في وزارة الخزانة الأميركية ومحللون في مجال الأسلحة للصحيفة.

عصر حروب المُسيرات

وقالت "وول ستريت جورنال"، إن هذا التوسع في التجارة، يمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه مسؤولي منع الانتشار في الولايات المتحدة في عصر حروب الطائرات المُسيرة. فخلال الحرب الباردة ولسنوات بعدها، ركزت الجهود على الأسلحة النووية والصواريخ الباليستية، وهي أدوات تدمير عالية التقنية بمكونات نادرة يسهل تتبعها نسبياً.

أما الطائرات المُسيرة، فهي منخفضة التكلفة وقابلة للاستهلاك، وتُصنع تقريباً بالكامل من مكونات شائعة تدخل وتخرج بسهولة من دوامة التجارة العالمية دون رصد.

وتزيد الصين من تعقيد هذا التحدي، إذ لطالما شكلت مركزاً لإعادة توزيع مكونات أميركية وأوروبية يمكن تحويل مسارها إلى مصانع الطائرات المُسيرة في إيران وروسيا، وفقاً لمسؤولين سابقين في وزارة الخزانة.

وأوضح المسؤولون أن هذه المكونات تُصنع داخل الصين نفسها، غالباً عبر مصانع صغيرة لا تخشى العقوبات الغربية.

ووصل عرض البيع الذي أرسلته "فيكتوري تكنولوجي"، على ما يبدو بالخطأ، إلى صندوق بريد "إيران ووتش"، وهو مشروع تابع لـ"مشروع ويسكونسن للرقابة على الأسلحة النووية" يتتبع شبكات انتشار الأسلحة الإيرانية.

وقالت "وول ستريت جورنال"، إنها اطلعت على عرض البيع بعد مشاركته من قبل "إيران ووتش".

وقال جون كيفز، الباحث في المشروع: "إنهم يسعون بنشاط لبيع محركات ليمباخ L550 إلى إيران، ويفعلون ذلك بجرأة واضحة".

من جانبه، قال مُرسل البريد الإلكتروني، الذي عرّف نفسه باسم كريستوف تشن، للصحيفة، إن الشركة بدأت بيع المحركات في وقت سابق من العام الجاري، ولم تُصدر أياً منها إلى إيران أو روسيا، دون أن يوضح سبب إرسال الرسالة إلى "إيران ووتش".

مسيرات "شاهد"

تُعد طائرة "شاهد"، وهي الطائرة الهجومية الرئيسية لإيران، من أكبر مصادر قلق الولايات المتحدة، إذ يمكنها التحليق لمسافة تصل إلى 1000 ميل مع رأس حربي متفجر، وتبلغ تكلفة إنتاجها ما بين 20 ألفاً و50 ألف دولار، بحسب تقديرات محللين، ما يجعلها بديلاً أرخص للصواريخ الجوالة (كروز).

وأثبتت هذه الطائرات فعاليتها في إرباك أنظمة الدفاع الجوي أو تجاوزها وضرب الأهداف، فيما طورت الولايات المتحدة مؤخراً نسخة مشابهة لها.

وكشفت عمليات تفكيك لطائرات مُسيرة استُعيدت في أوكرانيا والشرق الأوسط أن النسخ الأولية من مُسيرة "شاهد" كانت تحتوي على مكونات إلكترونية دقيقة ومحركات للتحكم الدقيق وأجزاء حيوية أخرى صُنعت في الولايات المتحدة وأوروبا.

وأظهرت تحقيقات وزارة الخزانة الأميركية، أن معظم هذه المكونات الأميركية والأوروبية، جرى تحويل مسارها عبر موزعين معتمدين إلى تجار تجزئة في الصين أو هونج كونج، قبل إعادة شحنها إلى إيران أو روسيا.

وغالباً ما كانت المدفوعات تتم عبر شركات وهمية يسهل تأسيسها في هونج كونج، ما يساعد في إخفاء الوجهة النهائية للمكونات، وفق "وول ستريت جورنال".

وفي عام 2024، فرضت وزارة الخزانة الأميركية، عقوبات على شبكة من الشركات الوهمية في هونج كونج مرتبطة بحامد دهقان، وهو تاجر في طهران تُعد شركته مورداً رئيسياً لبرامج الطائرات المُسيرة والصواريخ الإيرانية.

وبعد عام، ظهرت شبكة جديدة بالكامل من الشركات في هونج كونج لتعمل كواجهة لعمليات دهقان، ما أدى إلى موجة جديدة من العقوبات.

وقال مياد مالكي، وهو مسؤول سابق في وزارة الخزانة الأميركية، أشرف على برامج العقوبات في مكتب مراقبة الأصول الأجنبية: "تغاضت الصين عن هذا التدفق رغم كشف دوره مراراً في تقارير عامة وقرارات عقوبات". وأضاف: "إما أنهم لا يكترثون أو اختاروا عدم التدخل".

وفي بيان، أكدت وزارة الخارجية الصينية، أنها تطبق باستمرار قيود تصدير السلع ثنائية الاستخدام "وفقاً لقوانينها ولوائحها والتزاماتها الدولية".

وفي ظل صعوبة اعتراض هذه المكونات، يقول مسؤولون أميركيون، إنهم يسعون أيضاً إلى تجفيف مصادر تمويل طهران عبر استهداف مشتري النفط الإيراني وشحناته. وقال مسؤول أميركي: "نركز على الإيرادات، لأن قطع رأس الأفعى هو ما يمكن أن يُحدث ضرراً دائماً".

وفي الآونة الأخيرة، يبدو أن برامج الطائرات المُسيرة في روسيا وإيران، تعتمد بشكل متزايد على مكونات يتم الحصول عليها مباشرة من الصين، وفق مسؤولين سابقين بوزارة الخزانة الأميركية ومحللين في القطاع.

مكونات صينية المنشأ

وأفادت منظمة "كونفليكت أرمامنت ريسيرش" البريطانية، المتخصصة في تتبع تهريب الأسلحة، بأنها رصدت "زيادة ملحوظة" في استخدام مكونات من تصنيع صيني في طائرات على طراز "شاهد".

في المقابل، كشفت عمليات تفكيك عسكرية أوكرانية لطائرات رباعية المراوح روسية تُستخدم بمنظور الشخص الأول FPV، عن أعداد كبيرة من المكونات ذات المنشأ الصيني. 

وتشير بيانات الجمارك الصينية إلى أن الشركات المحلية أصبحت أكثر استعداداً للتجارة العلنية في مكونات مرتبطة بالطائرات المُسيرة رغم العقوبات الأميركية والأوروبية.

فقد قفزت صادرات الكابلات الضوئية في خريف 2024، بعد وقت قصير من نجاح روسيا في استخدام طائرات مُسيرة موجهة عبر الكابلات لمقاومة التشويش الأوكراني واستعادة منطقة كورسك.

وارتفعت هذه الصادرات بوتيرة أكبر بعد هجوم أوكراني على مدينة سارانسك في أبريل 2025، ما أدى إلى تعطيل المورد المحلي الرئيسي لروسيا للكابلات الضوئية.

كما أظهرت السجلات الرسمية، ارتفاعاً كبيراً في صادرات بطاريات "الليثيوم أيون" إلى روسيا، بالتزامن مع تكثيف الجيش الروسي إنتاج الطائرات الرباعية التي تعمل بالبطاريات، واستمرار هذا الارتفاع لاحقاً.

وقال جوزيف ويبستر، الباحث في "المجلس الأطلسي"، للصحيفة: "لا يوجد تفسير معقول سوى أن هذه المكونات تُستخدم لأغراض عسكرية... الأمر واضح للغاية".

وظهرت زيادات مماثلة في صادرات البطاريات والكابلات الضوئية إلى إيران في يوليو وأغسطس 2025، مباشرة بعد الحرب التي استمرت 12 يوماً بين إيران وإسرائيل. واستخدمت ميليشيات مدعومة من إيران طائرات مُسيرة موجهة عبر كابلات ضوئية لتدمير مروحية أميركية من طراز "بلاك هوك" ونظام رادار للدفاع الجوي في بغداد في مارس الماضي.

تحليل التكاليف

ويقود جزء كبير من التجارة الحديثة في السلع ثنائية الاستخدام إلى إيران وروسيا، شركات صينية صغيرة ومرنة ترى فرصة للاستفادة من الطلب المرتبط بالحرب، ونادراً ما تتعامل بالدولار، ما يقلل من مخاطر تعرضها للعقوبات الأميركية.

وفي حالة "فيكتوري تكنولوجي"، ظهر موقع الشركة على الإنترنت في أواخر يناير الماضي، بالتزامن مع بدء الولايات المتحدة تعزيز وجودها العسكري في الشرق الأوسط لمواجهة إيران.

ويعود العنوان المسجل على الموقع إلى شركة "شيامن ويتو كيلي"، وهي شركة تصنيع أدوات تأسست في 2016، وتتنوع أنشطتها بين إنتاج الشاي والتبغ وأدوات المطبخ والتصميم الصناعي.

وتخضع الشركة لسيطرة تشن شويشوان، أستاذ الهندسة في جامعة شيامن للتكنولوجيا، الذي كرمته الحكومة المحلية لروحه الابتكارية، ويمتلك أو يشارك في ملكية أكثر من 100 براءة اختراع تتعلق بتصميم آلات البيع واستخدام الليزر في تنظيف الأسطح الصناعية.

وقال كريستوف تشن، من "فيكتوري تكنولوجي"، للصحيفة، إن الشركة تركز على بيع محركاتها داخل السوق المحلية للاستخدامات المدنية للطائرات المُسيرة. وأضاف: "لا تُستخدم في طائرات هجومية... ونرجو عدم نشر تقارير غير صحيحة".

ويقدم موقع الشركة محتواه بعدة لغات، بينها الإنجليزية والألمانية والروسية، لكنه لا يتضمن اللغة الصينية، ويعرض محرك L550 بشكل بارز عبر صور ومقطع ترويجي.

كما فرضت الولايات المتحدة في أواخر 2024 عقوبات على شركة "شيامن ليمباخ" المحلية لتزويدها روسيا بمحركات L550 لاستخدامها في طائرات على طراز "شاهد".

وفرض الاتحاد الأوروبي عقوبات مماثلة عليها، بسبب مشاركة تصاميم المحركات مع جهات منخرطة في إنتاج هذه الطائرات، فيما تسيطر شركتها الأم الصينية أيضاً على الشركة الألمانية التي طورت المحرك أساساً. وقالت الصحيفة إن "شيامن ليمباخ" لم ترد على طلبات التعليق.

ولا تستطيع الولايات المتحدة وقف هذه التجارة بشكل كامل، لذا تسعى إلى رفع تكلفتها على إيران وروسيا قدر الإمكان، وفقاً لمسؤولين حاليين وسابقين.

ويُعد دفعهما للاعتماد على مكونات صينية أقل جودة جزءاً من هذه الاستراتيجية، بحسب كيري بيتسوف، المسؤولة السابقة في مكتب مراقبة الأصول الأجنبية.

وأشارت إلى تقارير عن سقوط بعض طائرات "شاهد" المصنعة في روسيا من السماء كدليل على تأثير حملة التعطيل في ساحة المعركة.

تصنيفات

قصص قد تهمك