
اتهم رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير كلاً من رئيس الوزراء الحالي كير ستارمر وعمدة مانشستر آندي بيرنهام ووزير الصحة المستقيل ويس ستريتينج بتعريض مستقبل حزب العمال للخطر عبر التخلي عن "أرضية الوسط"، محذراً من أن "القدرة شبه اللامتناهية للحزب على خداع الذات" تعني أنه مرشح لخسارة الانتخابات المقبلة، في حين دعا لتحسين العلاقات مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب.
وفي مقال لاذع من 5 آلاف و700 كلمة، نُشر مساء الثلاثاء، وأوردته صحيفة "الجارديان"، هاجم بلير رئيس الوزراء وخلفاءه المحتملين، داعياً الحكومة إلى تشديد الإنفاق على الرعاية الاجتماعية، وإلغاء القيود المفروضة على النفط والغاز، كما انتقد نهج ستارمر تجاه حرب إيران، على الرغم من أن معظم استطلاعات الرأي تُظهر شعبيته لدى العامة، مؤكداً على أهمية أن تثق الولايات المتحدة بلندن كحليف.
ووجه رئيس الوزراء البريطاني السابق انتقادات لتخفيضات المساعدات الدولية، التي قال إنها "أضعفت نفوذ بريطانيا"، وقال إن ستارمر "يحاول التفاوض مع أوروبا من موقع ضعف"، فيما اعتبر أن التوجه نحو الحياد الكربوني "خطأ رئيسي"، إلى جانب إلغاء تراخيص النفط والغاز.
كما انتقد قرار وزيرة الخزانة راشيل ريفز برفع الحد الأدنى للأجور والتأمين الوطني، وتغيير وضع غير المقيمين.
ومن المرجح أن يثير مقاله، الذي يُعد تدخلاً غير مألوف لرئيس وزراء سابق من حزب "العمال"، ردود فعل غاضبة داخل الحزب، حيث لا يزال إرث بلير مثيراً للجدل، فقد اتهمه مصدر رفيع المستوى، بالتخلي عن قيم الديمقراطية الاجتماعية وتبني أجندة "لا تقدم أي حلول".
حزب العمال "يلعب بالنار"
لكن بلير أشار أيضاً إلى أن سعي آخرين في الحزب لعزل ستارمر من منصب رئيس الوزراء كان خطأً، قائلاً: "حزب العمال يلعب بالنار، أو بالأحرى بمستقبله ومستقبل البلاد. سواء حدث تغيير في القيادة أم لا، فهو غير ذي صلة ما لم يبدأ بنقاش سياسي".
وبينما يُرجح أن يخسر حزب "العمال" عدداً أكبر بكثير من المقاعد لصالح حزب "الإصلاح" (ريفورم) مقارنة بحزب "الخضر" في الانتخابات العامة، تشير معظم تحليلات الانتخابات المحلية الأخيرة إلى أنه سيخسر 4 أضعاف عدد الأصوات لصالح "الخضر"، ما سيؤدي إلى تشتيت أصوات اليسار.
وهاجم بلير، بيرنهام وزميله في المنافسة على زعامة الحزب، ويس ستريتنج، الذي يُوصف غالباً بأنه من "أتباع بلير" بسبب أفكارهما حول الضرائب والإنفاق التي قال إن "الحكومات الجادة رفضتها".
ووصف بلير فكرة أن يتجه الحزب نحو اليسار، بينما يخسر مقاعد لصالح اليمين بأنها "وهم دائم"، مؤكداً أن "اتباع هذا النهج في الحكومة أمر خطير".
وانتقد بشدة الحلول التي طرحها الساعون لخلافة ستارمر، قائلاً إن "جناح ستريتنج المُؤيد للتحديث يبدو وكأنه يُنادي بالانضمام مجدداً إلى الاتحاد الأوروبي"، فضلًا عن تغييرات في ضريبة مكاسب رأس المال "رفضتها الحكومات المتعاقبة لأسباب وجيهة".
ورفض أيضاً طرح بيرنهام المتمثل في تبني "النقد اليساري المتطرف الذي يُشير إلى عدم وجود أي خير في الأعوام الـ 40 الأخيرة من الليبرالية الجديدة، والتي يُفترض أنها تشمل حكومة حزب العمال السابقة".
وقال بلير إنه "كان واضحاً منذ الانتخابات أن انتخاب ستارمر كان نتيجةً للاستياء من حكومة المحافظين، وليس بسبب برنامج حزب العمال، وإن الحزب يفتقر إلى رؤية واضحة تُوجه سياساته وتوجهاته السياسية".
وأضاف: "تتبنى الحكومة موقفاً تقليدياً لحزب العمال، أقرب إلى اليسار المعتدل، وهي راسخة في منطقة الراحة الحزبية. ليست المشكلة الرئيسية للحكومة شخصية ستارمر، ولا فشلها في إيصال إنجازاتها، ولا حاجتها إلى تأكيد قيم حزب العمال بشكل أقوى، بل تكمن في افتقارنا إلى خطة متماسكة ومدروسة للبلاد في عالم سريع التغير، ووضع سياسي خاطئ يمكننا من وضع خطة والفوز بولاية ثانية".
وقال مصدر رفيع في حزب "العمال" لـ"الجارديان": "من الواضح أن بلير لم يكن على احتكاك مباشر مع الطبقة العاملة البريطانية لعقود، بل كان منغمساً في عالم التكنولوجيا المليء بالأوهام".
وأضاف: "لا يملك فكر بلير المُعاد إحياؤه أي حلول لانحدارنا الوطني منذ أن أُطلق العنان للانتهازيين. كان في الماضي يدافع عن قيم الديمقراطية الاجتماعية، لكن هذا يُظهر مدى انحداره".
"ستارمر يفتقد الثبات"
وجادل بلير بأن على الحكومة الآن "إزالة جميع العقبات أمام نمو الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وتوسيع نطاق إصلاح التخطيط بشكل جذري، وإلغاء سياستها المتعلقة بالطاقة في بحر الشمال، وإجراء تغييرات جوهرية على نظام الرعاية الاجتماعية، فضلاً عن السعي لإصلاح العلاقات مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب".
وقال: "بدون برنامج كهذا، جذري ولكنه منطقي، ستواصل بريطانيا انحدارها الطويل نحو الهبوط من دوري الأمم الأوروبية الممتاز".
ولفت بلير إلى أن المشكلة الأساسية لدى ستارمر "لا تكمن في افتقاره للكاريزما أو التواصل، بل في افتقاره للثبات "، مضيفاً: "هذه المشكلة الجوهرية للحكومة. غالباً ما تبدو وكأنها تتخبط في مهب الريح، وتفتقر إلى الثبات".
وتابع أن الحزب "كان عليه التخلي عن وعود مثل إصلاحات حقوق العمال والالتزامات المتعلقة بتراخيص النفط والغاز في بداية عهده"، مُلقياً باللوم على الوضع المالي، مُشيراً إلى أن ذلك كان سيكسبه تأييد قطاع الأعمال، كما انتقد إلغاء الحد الأقصى لطفلين، مُؤكداً أن نظام الرعاية الاجتماعية بحاجة ماسة إلى إصلاحات جذرية.
وقال بلير، الذي كان من أشد المعارضين لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ولاعباً رئيسياً في الدعوات لإجراء استفتاء جديد، إنه "يعتقد الآن أن السعي للتفاوض على اتفاق جديد مع أوروبا أمرٌ غير منطقي في ظل ضعف موقف بريطانيا".
وأضاف: "كما لم يكن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي حلاً لتحديات بريطانيا عام 2016، فإن التراجع عنه ليس حلاً لوضع البلاد الأسوأ بكثير عام 2026"، مؤكداً أن أي مفاوضات جادة "يجب ألا تبدأ إلا عندما تكون بريطانيا في أقصى حدود قدرتها التنافسية الأوروبية. أما الآن، فنحن لسنا كذلك".
وأوضح أن موقف المملكة المتحدة أضعف بكثير مما كان عليه قبل عقدين من الزمن، حين كانت حليفاً رئيسياً للولايات المتحدة، وقائدة في أوروبا، ولاعباً رئيسياً في العالم النامي بفضل المساعدات الدولية.










