
تتسارع التحركات داخل حزب العمال الحاكم في بريطانيا ضد رئيس الوزراء كير ستارمر، مع تبلور منافسة داخلية على زعامة الحزب، عقب خسائر انتخابية محلية كبيرة، وسط انقسام متزايد بين أجنحة الحزب بشأن مستقبل قيادته، وإمكانية الدفع نحو تنحي ستارمر خلال الأشهر المقبلة.
اعتبرت مجلة "بوليتيكو"، أن التحركات داخل حزب العمال للإطاحة بستارمر، جاءت بعد أسبوع وصفته بأنه الأكثر اضطراباً في السياسة البريطانية منذ استقالة رئيسة الوزراء السابقة ليز ترس في عام 2022.
وذكرت المجلة أن خسائر حزب العمال في الانتخابات المحلية، الأسبوع الماضي، دفعت 96 نائباً من أصل 402 في الحزب إلى المطالبة بجدول زمني لتنحي ستارمر، إلا أن رفضه تحديد موعد لمغادرته ترك مصيره بيد الأجنحة المتصارعة داخل الحزب.
وأضافت أن ستارمر قد يتمكن من البقاء في منصبه لشهر أو شهرين على الأقل، لكنه إذا لم يحدد بنفسه جدولاً زمنياً للتنحي، فقد يواجه منافسة من رئيس بلدية مانشستر الكبرى، آندي بورنهام، أو وزير الصحة السابق ويس ستريتينج، الذي تراجعت محاولته لإطلاق تحرك فوري، الخميس.
وأشارت "بوليتيكو" إلى أن نائبة رئيس الوزراء السابقة أنجيلا راينر تترقب التطورات في حال فشل بورنهام في تجاوز العقبات التي تعترض طريقه نحو زعامة الحزب. ونقلت المجلة عن أحد حلفاء ستريتينج قوله: "سنصل إلى ذلك في نهاية المطاف"، فيما قال حليف آخر: "لم يتبقَّ الكثير من الخيارات سوى الصراخ بلا جدوى".
وذكرت أن المنافسين المحتملين سينشغلون خلال الفترة المقبلة بـ"المناورات السياسية وعقد التفاهمات"، بينما يحاول ستارمر تجنب أن يصبح خامس رئيس وزراء بريطاني يُطاح به خلال 7 سنوات.
وذكرت "بوليتيكو" أن بورنهام، الملقب بـ"ملك الشمال"، يحتاج أولاً إلى العودة إلى مجلس العموم نائباً منتخباً قبل خوض سباق الزعامة.
وأضافت أن هذا الشرط تسبب في صراع حاد بين معسكر بورنهام وحلفاء ستريتينج، الذين فضلوا إجراء سباق سريع على زعامة الحزب لتجنب بقاء ستارمر لفترة طويلة في وضع "البطة العرجاء"، خصوصاً مع تداعيات حرب إيران على الاقتصاد البريطاني.
وأشارت المجلة إلى أن حلفاء بورنهام ضغطوا لتنظيم سباق انتخابي يمتد لثلاثة أشهر لمنحه الوقت الكافي للعودة إلى البرلمان.
وفي نهاية المطاف، أعلن بورنهام، مساء الخميس، عزمه الترشح عن حزب العمال في الانتخابات الفرعية بدائرة ميكرفيلد شمال غربي إنجلترا، بعد استقالة النائب جوش سيمونز من المقعد.
وأضافت "بوليتيكو" أن حلفاء ستارمر أبلغوا، مساء الخميس، بأنهم لن يستخدموا الهيئة الحاكمة للحزب لمنع بورنهام من خوض السباق، كما حدث في محاولة سابقة خلال يناير الماضي.
لكن المجلة لفتت إلى أن بورنهام سيخوض انتخابات فرعية صعبة، بعدما تقلصت أغلبية حزب العمال في ميكرفيلد إلى 5399 صوتاً فقط أمام حزب "إصلاح بريطانيا" (ريفورم يو كيه) بقيادة نايجل فاراج في انتخابات 2024، فيما خسر الحزب جميع المقاعد الـ22 التي كان يدافع عنها في مجلس ويجان المحلي الأسبوع الماضي. وقال فاراج إن حزبه "سيلقي بكل ثقله" في المعركة الانتخابية.
وأشارت المجلة إلى أن راينر تبقى خياراً مطروحاً في حال فشل بورنهام، إذ قال حلفاؤها إنها مستعدة للترشح لمنع ستريتينج من الفوز إذا تعذر على آخرين ذلك، لكنها دعت، في الوقت نفسه، الحزب إلى "التكاتف".
منافس محتمل
وقالت "بوليتيكو" إن إعلان بورنهام كان "الصدمة الثانية" خلال يوم واحد بالنسبة لوزير الصحة السابق ويس ستريتينج، بعدما تصدرت الصحف البريطانية توقعات عن إطلاقه حملة لقيادة الحزب.
وأضافت أن ستريتينج استقال من منصب وزير الصحة، الخميس، مهاجماً ما وصفه بـ"الفراغ" و"الانجراف" داخل الحزب، لكنه لم يعلن رسمياً خوض تحدٍ ضد ستارمر، رغم تأكيد عدد من أنصاره امتلاكه دعم 80 نائباً، وهو العدد المطلوب لبدء المنافسة الانتخابية، في حين نفى حلفاء ستارمر ذلك.
وذكر نائب مقرب من ستريتينج أن استقالة وزير الحصة كانت "اعترافاً بأنه كان عليه أن يفعل شيئاً اليوم في ظل غياب إعلان رسمي للترشح".
وأضاف نائب آخر داعم له أن "ستريتينج حصل على دعم يتراوح بين 65 و90 نائباً، لكنه لم يمتلك العدد الكافي للإطاحة برئيس وزراء في منصبه".
وأشارت المجلة إلى أن النقابات العمالية لعبت دوراً مهماً في قرار التريث، بعدما أعلنت هذا الأسبوع أن اختيار الزعيم الجديد يجب أن يركز على السياسات الاقتصادية، وليس على "الشخصيات" أو "الدراما في وستمنستر".
ونقلت عن أحد حلفاء ستريتينج قوله: "لا يمكنك أن تبدو وكأنك تعرقل ذلك"، مضيفاً أن "ستريتينج لا يستطيع الحكم من دون دعم واسع داخل الحزب".
وتضمنت رسالة استقالة ستريتينج دعوة إلى "معركة واسعة للأفكار" مع "أفضل مجموعة ممكنة من المرشحين".
ولفتت "بوليتيكو" إلى أن الأنظار تتجه حالياً إلى أي تفاهمات محتملة بين بورنهام وستريتينج أو بين بورنهام وراينر، موضحةً أن مسؤولين من معسكري بورنهام وستريتينج تبادلوا الإشادة ببعضهم البعض، الخميس، إذ قال نائب داعم لستريتينج إن العلاقة بين الرجلين "ودية"، وأن "هناك احترام متبادل بينهما".
وأشارت إلى أن حلفاء ستريتينج يخططون للتوجه إلى ميكرفيلد لدعم بورنهام، فيما قال أحدهم: "وزير الصحة يمهد الطريق أمام منافسة حقيقية بدلاً من حسم متسرع للزعامة". في المقابل، نفى نائب مقرب من بورنهام وجود أي صفقة مع ستريتينج، قائلاً إن الأخير كان "مستعداً لإغراق الحزب في الفوضى".
ستارمر يتمسك بمنصبه
وقالت "بوليتيكو" إن ستارمر أبلغ حكومته بأنه سيواصل القتال من أجل الاستقرار الاقتصادي وتنفيذ تفويض انتخابات 2024، بينما يرى حلفاؤه أن أي انتخابات قيادة قد تشل الحكومة.
وأضافت أن المخاطر داخل الحكومة تراجعت حالياً، رغم أن وزيرة الداخلية شبانة محمود كانت قد طلبت منه سراً وضع جدول زمني لمغادرته، فيما أكد حلفاء شبانة محمود ووزير الأعمال بيتر كايل أنهم لن ينضموا إلى ستريتينج في الاستقالة.
لكن المجلة أشارت إلى أن إدارة الحكومة ستصبح أكثر صعوبة، إذ جرى تعيين وزير الخزانة جيمس موراي خلفاً لستريتينج بعد ثماني ساعات فقط من استقالته، فيما يعتزم ستارمر طرح مشاريع قوانين مثيرة للجدل تتعلق بإصلاح الهجرة وتقليص عدد المحاكمات أمام هيئات المحلفين.
ونقلت "بوليتيكو" عن أحد حلفاء ستريتينج قوله: "يجب أن يحدث هذا عاجلاً لا آجلاً. لا يمكننا الاستمرار هكذا. الأمر مضر للغاية". وأردف: "أعتقد أن الأمر وشيك، ويجب أن يحدث قريباً. هذا أيضاً رأي وزير الصحة".
لكن حلفاء آخرين لستريتينج باتوا يفضلون انتظار التطورات، إذ أشار أحدهم إلى أنه "يعتقد أن ستريتينج يشعر بالحزن قليلاً، ويريد فقط من ستارمر أن يفعل الشيء الصحيح، ويحدد جدولاً زمنياً للاستقالة".











