
يُجري حزب "البديل من أجل ألمانيا" (AfD) اليميني المتطرف تدقيقاً في صفوف موظفي القطاع العام تمهيداً لعملية "تطهير" مُخطط لها حال فوزه في انتخابات تُجرى بإحدى المناطق الشرقية في وقت لاحق من هذا العام، وفق ما نقلت "بلومبرغ" عن مصادر مطلعة.
وأفادت المصادر، التي طلبت عدم الكشف عن هويتها، بأن مسؤولي الحزب المناهض للهجرة يُقيمون موظفي القطاع العام على المستويين الاتحادي والولائي لتقييم مدى توافقهم مع أجندة الحزب في ولاية ساكسونيا-أنهالت. وطرح الحزب فكرة استبدال ما يصل إلى 200 وظيفة إدارية في الولاية.
وتُشير استطلاعات الرأي إلى اقتراب حزب "البديل من أجل ألمانيا" من تحقيق أغلبية مطلقة في ساكسونيا-أنهالت قبل انتخابات 6 سبتمبر، والتي ستمنحه السيطرة على ولاية لأول مرة.
ويُعدّ هذا الإصلاح الشامل في الجهاز الحكومي من بين المقترحات السياسية التي تتضمن تشكيل "فريق عمل" خاص بالترحيل، على غرار أجندة الرئيس الأميركي دونالد ترمب للهجرة، بالإضافة إلى إجراءات شاملة في النظام التعليمي تهدف إلى استئصال ما يُسميه الحزب "التلقين اليساري".
اختبار للنظام الألماني
وسيمثل تشكيل حكومة بقيادة حزب "البديل من أجل ألمانيا" اختباراً حاسماً للنظام السياسي في ألمانيا الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية، وهزيمة للأحزاب التي حكمت الجمهورية الاتحادية على مدى العقود الثمانية الماضية.
ويُثير الحزب قلقاً بالغاً في ولاية ساكسونيا-أنهالت، إذ صنّفته السلطات الألمانية منظمة متطرفة، مُدعيةً أنه يروج لأيديولوجية قومية عرقية تسعى إلى تهميش الأقليات في انتهاك للمبادئ الدستورية.
لكن ذلك لم يمنع الحزب من تحقيق مكاسب وطنية قياسية، مدفوعاً جزئياً بفشل المستشار فريدريش ميرتس في كسب تأييد الرأي العام.
ويتصدر حزب "البديل من أجل ألمانيا" الآن معظم استطلاعات الرأي.
وأفادت مصادر مطلعة بأن العديد من أعضاء الحزب، الذي يتبنى موقفاً متشدداً ضد الهجرة ويشكك في جدوى الطاقة المتجددة، يأملون في ترسيخ مكانتهم على مستوى الولاية لإثبات قدرتهم على الحكم على المستوى الاتحادي مستقبلاً.
ولم يرد متحدث باسم الحزب في الولاية على الفور على طلب للتعليق.
وتأسس حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) عام 2013 احتجاجاً على إجراءات الإنقاذ المالي التي استهدفت مواجهة أزمة اليورو، واتخذ منحىً يمينياً حاداً رداً على تدفق أكثر من مليون طالب لجوء إلى ألمانيا بعد عام 2015.
وبعد أزمة الطاقة التي أشعلتها الحرب الروسية في أوكرانيا وتزايد استياء الشعب من الائتلاف الحاكم، تشير استطلاعات الرأي على مستوى البلاد إلى اقتراب الحزب من نسبة 30%، بينما يحظى في ولاية ساكسونيا-أنهالت بتأييد 42%، وفقاً لاستطلاع أجرته مؤسسة "إنسا" لاستطلاعات الرأي في 13 مايو.
ولاية مهمة
وإذا لم تتمكن الأحزاب الأخرى، بما فيها الحزب الاشتراكي الديمقراطي، من بلوغ عتبة الـ 5% اللازمة لدخول برلمان الولاية، فإن نتيجة أقل بكثير من 50% قد تمنح حزب "البديل من أجل ألمانيا" أغلبية المقاعد.
وتتمتع ساكسونيا-أنهالت، التي يزيد عدد سكانها قليلاً عن مليوني نسمة، بتاريخ عريق باعتبارها مهد الإصلاح البروتستانتي، إلا أنها تعاني من تحديات ما بعد الصناعة التي واجهتها ولايات أخرى من دول شرق ألمانيا الشيوعية السابقة منذ إعادة توحيدها. وتشمل هذه التحديات تباطؤ النمو، والاختلال الديموغرافي، وانخفاض عدد السكان.
لكن ولاية ساكسونيا-أنهالت، باعتبارها إحدى الولايات الألمانية الست عشرة، تلعب دوراً في النظام الفيدرالي الألماني، ولها نفوذ في مجلس الشيوخ (البوندسرات). وبالتالي، فإن حكومة بقيادة حزب "البديل من أجل ألمانيا" (AfD) سيكون لها مقعد في صنع السياسات الوطنية.
وتعتمد خطط استبدال جزء كبير من الجهاز البيروقراطي على افتراض وجود مؤيدين لحزب البديل من أجل ألمانيا بين صفوف موظفي الخدمة المدنية.
وترى قيادة الحزب إمكانية الحصول على دعم من المسؤولين في المناصب الإدارية للمساعدة في تنفيذ برنامجها، وفقاً لما ذكرته بعض المصادر.
وقال مرشح حزب "البديل من أجل ألمانيا" لرئاسة وزراء ولاية ساكسونيا-أنهالت، رجل الأعمال أولريش سيجموند، البالغ من العمر 35 عاماً، إنه يمكن الاعتماد على "العديد من رؤساء الإدارات والأقسام" في وزارات الولاية لدعم أجندة الحزب.
وأضاف سيجموند لصحيفة "ميتل دويتشه تسايتونج" في مقابلة أجريت معه مطلع هذا الشهر: "مع ذلك، إذا حاول أي شخص عرقلة عملنا بشكلٍ فعلي، فسنتخذ الإجراءات اللازمة بالطبع"، مشيراً إلى أن عدد الوظائف التي سيتم تغييرها، والتي تتراوح بين 150 و200 وظيفة، يتجاوز بكثير دورة التغيير السياسي للمناصب العليا، واصفاً إياه بأنه "واقعي".
"انقلاب"
وقال جورج ماير، وزير داخلية ولاية تورينجن المجاورة شرق ألمانيا، إن مثل هذا التغيير الجذري في الجهاز البيروقراطي سيتعارض مع قانون الخدمة المدنية الألماني، وسيُعتبر "انقلاباً".
وصرح ماير، وهو عضو في الحزب الاشتراكي الديمقراطي، لمنظمة "آر إن دي" الإعلامية: "تتناقض خطط حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) تناقضاً صارخاً مع المعايير القانونية".
ويمتلك الحزب اليميني المتطرف مجموعة من الأهداف السياسية التي يُمكن الطعن فيها أمام المحكمة، لا سيما أن قضايا الهجرة وغيرها تُدار على المستوى الاتحادي، وأن الحق في اللجوء مُكرّس بالدستور الألماني.
ويسعى حزب "البديل من أجل ألمانيا" في ولاية ساكسونيا-أنهالت إلى إنشاء قوة ترحيل تُشبه إدارة الهجرة والجمارك الأميركية. كما يهدف إلى إلغاء التعليم الإلزامي، وإعادة هيكلة الفرع الإقليمي لهيئة البث العامة في البلاد، وإنهاء دعم الطاقة المتجددة.
وفيما يتعلق بالقضايا الأمنية، لفتت السلطات الألمانية الانتباه إلى تبادل المعلومات الاستخباراتية بين مؤسسات الدولة. وقال ماير، مستشهداً باتصالات الحزب مع روسيا ومنظمات اليمين المتطرف حول العالم، إنه سيتم خلال اجتماع وزراء الداخلية في الولايات المقرر عقده في يونيو، مناقشة موضوع منع حكومة يقودها حزب "البديل من أجل ألمانيا" (AfD) من الوصول إلى المعلومات الحساسة.
وقال يان ريدمان، وزير داخلية ولاية براندنبورج وعضو حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي المنتمي ليمين الوسط بزعامة ميرتس، لصحيفة "هاندلسبلات" إن هذا الوصول "يعرض سلامتنا جميعاً للخطر". وأضاف: "هذا ليس خطراً نظرياً، بل خطراً حقيقياً".








