
حذرت المفوضية الأوروبية من أن دول الاتحاد الأوروبي تواجه خطر فقدان أعداد كبيرة من الوظائف في السنوات المقبلة، نتيجة لتأثير ارتفاع تكاليف الطاقة، وإعادة هيكلة القطاع الصناعي، والتحول الأخضر على الاقتصاد، كما من المرتقب أن تجري تقييماً لما إذا كانت الدول تستثمر بشكل كاف في الموارد البشرية لدعم طموحات التكتل الاقتصادية والصناعية، حسبما أوردت مجلة "بوليتيكو".
وعٌرضت هذه الأرقام، ضمن "حزمة الفصل الأوروبي الربيعية"، التي تتضمن توصيات المفوضية الاقتصادية والسياسية لدول الاتحاد الأوروبي، والمقرر تقديمها الأربعاء. وتُبرز هذه الأرقام القلق المتزايد في بروكسل بشأن حجم التحديات الاقتصادية التي تواجه التكتل.
وقالت روكسانا مينزاتو، نائبة الرئيس التنفيذي للمفوضية لشؤون المهارات، للمجلة: "لن تُبنى القدرة التنافسية لأوروبا بالتكنولوجيا أو رأس المال أو التنظيم المالي وحده، بل ستُبنى بالكوادر البشرية، والمهارات التي يطورونها، والفرص التي نخلقها لهم للمساهمة بشكل كامل في اقتصاداتنا ومجتمعاتنا".
ضغوط حرب إيران
مع استمرار حرب إيران دون أي مؤشر على نهايتها، وتأثيرها المتواصل على أسعار النفط، تتوقع المفوضية الأوروبية أن تؤدي ضغوط أسعار الطاقة في عام 2026 إلى تعريض ما يصل إلى 560 ألف وظيفة للخطر. وتشمل القطاعات الأكثر تضرراً البناء والمعادن والكيماويات والنقل.
وقد أجبر ضعف النشاط الاقتصادي المفوضية على مراجعة توقعاتها بشأن البطالة. ففي خريف العام الماضي، توقعت المفوضية أن تبلغ نسبة البطالة 5.9% في عام 2026 و5.8% في عام 2027، بينما تتوقع الآن أن تصل إلى 6% في كلا العامين.
وتتوقع المفوضية أيضاً أن تلجأ الحكومات إلى مزيد من الاقتراض، مع اتساع عجز الموازنة العامة لجميع دول الاتحاد الأوروبي الـ 27 من -3.1% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2025 إلى -3.5% في عام 2026 و-3.6% في عام 2027.
وتسعى هذه الحزمة، إلى توجيه الاهتمام نحو القوى العاملة، انطلاقاً من أن أجندة الاتحاد الأوروبي للتنافسية لن تنجح دون معالجة النقص المتزايد في العمالة والفجوات في المهارات.
قطاعات مهددة
وفي قطاع السيارات الأوروبي، الذي يُعدّ ركيزة أساسية للنجاح الاقتصادي الألماني، تشير المفوضية إلى أن 600 ألف وظيفة مهددة بالضياع، في ظلّ سعي القطاع للتحوّل من مركبات محركات الاحتراق الداخلي والمنافسة الشديدة من الصين.
وفي صناعة البطاريات، تواجه نحو 85 ألف وظيفة خطراً حقيقياً. ويمثل قطاع تصنيع الطاقة الشمسية ما يقرب من 59 ألف وظيفة متأثرة بضغوط السوق، بينما قد تؤثر تدابير خفض الانبعاثات الكربونية على 4500 وظيفة أخرى في صناعة الصلب.
وتعكس هذه المخاوف نقاشاً أوسع في بروكسل بشأن ما إذا كانت أوروبا تتراجع في الصناعات الاستراتيجية لصالح منافسيها مثل الصين والولايات المتحدة، على الرغم من خطط تعزيز التصنيع المحلي.
وفي الوقت نفسه، لا يزال أصحاب العمل في جميع أنحاء الاتحاد الأوروبي يُبلغون عن صعوبات في إيجاد عمالة مؤهلة.
ووفق إحصاءات المفوضية، أبلغت 68% من الشركات المتوسطة الحجم عن نقص في المهارات عام 2023. وبحلول عام 2024، ذكرت 77% من الشركات أن نقص العمالة والمهارات يُشكل عائقاً أمام الاستثمار.
ولأول مرة، تركز توصيات الاتحاد الأوروبي المصاحبة لهذه الحزمة بشكل خاص على وضع التعليم والتدريب المهني وتعليم الكبار ومهارات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات وإعادة تأهيل المهارات في صميم إطار الحوكمة الاقتصادية للاتحاد الأوروبي.
وأضافت نائبة الرئيس التنفيذي للمفوضية لشؤون المهارات لمجلة "بوليتيكو": "يُعدّ الاستثمار في رأس المال البشري أقوى استراتيجية تنافسية لأوروبا، وركيزة أساسية لاتحاد قادر على الابتكار والتفوق في المنافسة ومواجهة أي تحدٍّ. يُنظر الآن إلى رأس المال البشري كمحرك أساسي للتنافسية، مع توفير توجيهات خاصة بكل دولة عضو".
مخاوف أخرى
وحذرت المفوضية من أن الأسر ذات الدخل المنخفض قد تواجه عبئاً غير متناسب نتيجة ارتفاع أسعار وقود النقل، ما يُكلّفها 1.4% إضافية من دخلها. كما سلطت الضوء على استمرار التفاوتات في سوق العمل، مشيرةً إلى أن مواطني الدول غير الأعضاء في الاتحاد الأوروبي يمتلكون مؤهلات تفوق متطلبات الوظائف التي يشغلونها مقارنةً بالعمال المحليين.
كما تشير بروكسل إلى المخاوف بشأن جودة الوظائف، قائلةً إن واحداً من كل خمسة عمال عالق في وظائف منخفضة الأجر في قطاعات ذات نمو إنتاجي ضعيف، بينما يواجه واحد من كل اثني عشر خطر الفقر أثناء العمل.
وفي هذا السياق، ستستخدم المفوضية الأوروبية هذه الحزمة لحث دول الاتحاد الأوروبي على إجراء إصلاحات تهدف إلى تعزيز المهارات، وتحسين جودة الوظائف، وتقوية أنظمة الحماية الاجتماعية.
وكجزء من الحزمة الأوروبية، أثارت بروكسل أيضاً مخاوف بشأن الوضع المالي لبلغاريا بعد التدقيق في أنماط إنفاقها. وقد خضعت ألمانيا وإستونيا ولاتفيا وسلوفينيا لتدقيق مماثل، لكنها خرجت من تقييم المفوضية دون أي آثار سلبية حتى الآن، توضح "بوليتيكو".









