
تتجه الأنظار لزيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى كوريا الشمالية، في ظل تحولات إقليمية عززت موقع الزعيم الكوري الشمالي كيم جونج أون بعد توثيق تحالفه مع روسيا، وفقاً لصحيفة "نيويورك تايمز".
ومن المتوقع أن يستخدم شي الزيارة التي تستمر يومين لإظهار جبهة موحدة في مواجهة الغرب، لكن محللين يرون أن بكين تسعى أيضاً إلى إعادة تأكيد نفوذها على جارها، الذي بات أكثر ميلاً نحو موسكو.
وفي المقابل، يريد كيم أن يُعامل كـ"شريك مستقل" لا كتابع للصين، مستفيداً من علاقته الوثيقة مع روسيا للحصول على مزيد من التنازلات الاقتصادية من بكين.
ويحذر مراقبون من أن نجاح كوريا الشمالية في الموازنة بين الصين وروسيا قد يمنح كيم مساحة أكبر للمضي قدماً في برنامجه النووي، ما قد يزيد من حالة عدم الاستقرار في منطقة تشهد أصلاً قلقاً متزايداً من تنامي القوة العسكرية الصينية، وتراجع قدرة الولايات المتحدة على الوفاء بالتزاماتها الأمنية.
شي يسعى لإظهار الوحدة
من المرجح أن يستغل شي اللقاء لتأكيد أن كوريا الشمالية لا تزال تعتمد على الصين، وأنه لا يمكن تجاوز دور بكين في شبه الجزيرة الكورية.
ويتماشى ذلك مع جهود شي لتقديم الصين كقوة عظمى تضاهي الولايات المتحدة، وإظهارها كعامل استقرار عالمي في مقابل ما تصفه بكين بالفوضى التي تثيرها واشنطن عبر حروبها وسياساتها التجارية.
لكن قرار شي القيام بزيارة نادرة إلى الخارج يعكس أيضاً حاجة الصين إلى استمالة كيم، فقد خففت بيونج يانج من اعتمادها على بكين بعدما أعادت عام 2024 إحياء اتفاقية دفاع مشترك تعود إلى حقبة الحرب الباردة مع روسيا. وفي المقابل حصلت من موسكو على النفط والغذاء والتكنولوجيا العسكرية مقابل إرسال قوات وذخائر لدعم الحرب الروسية في أوكرانيا.
ويرى خبراء أن هذا التقارب الروسي - الكوري الشمالي يثير قلق الصين، التي ترغب في بسط نفوذها على بيونج يانج وضمان الاستقرار على حدودها.
كيم في موقع أقوى
قبل سنوات قليلة فقط، بدا وضع كيم صعباً بعد انهيار المفاوضات النووية مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب عام 2019، ثم إغلاق الحدود بسبب جائحة كورونا، ما أدى إلى توقف التجارة مع الصين، الشريك الاقتصادي الرئيسي لكوريا الشمالية.
لكن الوضع تغير بعد أن استغل كيم الحرب في أوكرانيا لتعزيز علاقاته مع موسكو، فقد زود روسيا بالأسلحة والجنود، فيما قدمت له موسكو مليارات الدولارات من المساعدات والنفط والغذاء والتكنولوجيا العسكرية.
وتحاول الصين الآن تذكير كيم بأنها لا تزال الداعم الرئيسي لبلاده، إذ أعادت في مارس تشغيل خطوط القطارات والرحلات الجوية بين بكين وبيونج يانج.
ومع ذلك، يسعى كيم إلى الحصول على المزيد، خصوصاً في قطاع السياحة الذي لا يخضع للعقوبات الدولية، حيث استثمرت كوريا الشمالية في المنتجعات الساحلية والينابيع الحارة لاستقطاب السياح الصينيين.
الملف النووي يطغى على القمة
يبقى أحد أهم الأسئلة المطروحة هو ما إذا كان شي سيضغط على كيم للعودة إلى الحوار مع الولايات المتحدة، فمنذ عودته إلى البيت الأبيض، أعرب ترمب مراراً عن رغبته في عقد قمة جديدة مع الزعيم الكوري الشمالي. لكن كيم يرفض أي مفاوضات تضع برنامجه النووي على طاولة البحث.
ويعتبر كيم السلاح النووي ضمانة لأمن نظامه وحماية من أي تدخل عسكري أميركي، وهو اعتقاد تعزز بعد الضربات الأميركية على إيران بحجة منعها من تطوير أسلحة نووية.
ولسنوات طويلة، كانت الصين وروسيا تدعمان الجهود الدولية الرامية إلى الحد من البرنامج النووي الكوري الشمالي، وصوتتا إلى جانب الولايات المتحدة لفرض عقوبات أممية مشددة على بيونج يانج في عامي 2016 و2017.
لكن موقف موسكو تغير بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة، خاصة بعد توقيع اتفاقية الدفاع المشترك مع كوريا الشمالية وتقديم دعم عسكري وتقني لها.
أما الصين، فما زالت تعلن رسمياً معارضتها لامتلاك كوريا الشمالية أسلحة نووية، خشية أن يدفع ذلك دولاً حليفة لواشنطن مثل كوريا الجنوبية إلى السعي لامتلاك ترسانات نووية خاصة بها.
إلا أن محللين يرون أن موقف بكين بات أكثر مرونة، إذ تنظر إلى كوريا الشمالية النووية باعتبارها ورقة ضغط إضافية في مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة، وفقاً لـ"نيويورك تايمز".
وعندما التقى شي وكيم في بكين العام الماضي، خلت البيانات الرسمية الصادرة عن البلدين من أي إشارة إلى نزع السلاح النووي من شبه الجزيرة الكورية، وهو أمر كان يعد جزءاً ثابتاً من الخطاب الرسمي بين الجانبين لسنوات.
ويرى مراقبون أن بكين لم تعد تجد فائدة استراتيجية كبيرة في مساعدة واشنطن على حل الملف النووي الكوري الشمالي، كما أنها تدرك أن الضغط على بيونج يانج للتخلي عن برنامجها النووي قد يضر بعلاقاتها معها.











