
مع اقتراب آندي بيرنهام من تولي رئاسة الوزراء في بريطانيا، تتزايد التساؤلات بشأن خبرته المحدودة في السياسة الخارجية وقدرته على إدارة ملفات دولية معقدة، وسط مخاوف من أن يواجه أزمات عالمية متسارعة دون رؤية واضحة أو فريق دبلوماسي متكامل، وفق "بلومبرغ".
وأطلق رئيس الوزراء البريطاني المستقيل كير ستارمر، في الأسابيع الأخيرة تحذيرات متكررة من أن العالم بات أكثر "خطورة وتقلباً"، لكن بيرنهام يبدو مقبلاً على مواجهة مباشرة مع هذه التحديات.
ويستعد بيرنهام لخلافة ستارمر في رئاسة الوزراء خلال أقل من شهر، ما لم يواجه منافسة على المنصب.
ومن شأن ذلك أن يدفع عمدة مانشستر السابق إلى لعب دور قيادي في الجهود الرامية إلى دعم أوكرانيا، وردع روسيا، وتأمين مضيق هرمز، واحتواء انتقادات الرئيس الأميركي دونالد ترمب للتحالف عبر الأطلسي.
وفي حين أقنعت نجاحات بيرنهام الاقتصادية والانتخابية في شمال إنجلترا المتضرر من تراجع الصناعة، كثيرين داخل حزب العمال بقدرته على معالجة أزماتهم السياسية الداخلية، إلا أن مواقفه في السياسة الخارجية لا تزال مجهولة إلى حد كبير.
ولم يتول بيرنهام مطلقاً أي منصب دفاعي أو دبلوماسي، كما لم يشغل منصب زعيم المعارضة. وتبقى أبرز محطاته المعروفة في الشؤون الدولية تصويته لصالح حرب العراق، خلال عضويته السابقة في البرلمان، بحسب "بلومبرغ".
ويقول دبلوماسيون أميركيون وأوروبيون إن بيرنهام لم يبذل أي محاولات للتواصل معهم، بينما يسعى إلى توحيد حزب منقسم وصياغة برنامج اقتصادي قبل إغلاق باب الترشح لقيادة حزب العمال في 16 يوليو.
وعلى النقيض من تحركاته لتشكيل فريق استشاري اقتصادي، لم يعين حتى الآن فريقاً للسياسة الخارجية، ما يترك الحلفاء في حالة ترقب وتخمين.
وعندما سُئل الرئيس الأميركي دونالد ترمب، خلال اجتماع مع الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (الناتو) مارك روته، عما يعرفه عن بيرنهام، أجاب: "لا أعرف عنه شيئاً. أرى أنه كان، على ما أعتقد، عمدة مدينة ما".
وأضاف ترمب: "أسمع أنه ليبرالي للغاية، للغاية جداً، وهذا يعني على الأرجح أنه لن يفتح بحر الشمال"، في إشارة إلى حظر منح تراخيص جديدة للتنقيب عن النفط والغاز، وهي إحدى القضايا البريطانية التي يكرر الحديث عنها.
ووجد ستارمر أن أجندته الداخلية تغرق مراراً تحت وطأة التطورات الدبلوماسية منذ توليه السلطة عام 2024، بدءاً من عودة ترمب إلى البيت الأبيض، وصولاً إلى قراره المثير للجدل بتعيين بيتر ماندلسون سفيراً إلى واشنطن التي باتت أكثر ميلاً إلى نهج الصفقات.
ويبدو أن بيرنهام سيتولى المنصب بعد أيام فقط من عودة ستارمر من قمة لحلف "الناتو" في أنقرة، يُرجح أن تكشف عن تصدعات داخل التحالف الذي أسهم في حماية بريطانيا على مدى 80 عاماً.
وقال ستارمر في أبريل: "يجب ألا نبقى رهائن للأحداث في الخارج"، وذلك في وقت كانت فيه حرب ترمب ضد إيران تهدد بإرباك الاقتصاد البريطاني.
ورغم أن حضوره على الساحة الدولية شكل نقطة مضيئة في سجل ستارمر، فإن السياسة الخارجية كانت أيضاً محور بعض أكبر مشكلاته السياسية، مثل تردده الأولي في الدعوة إلى وقف إطلاق النار في غزة.
دعوات للحفاظ على الاستمرارية الدبلوماسية
وجادلت وزيرة الخارجية إيفيت كوبر، في أحاديث خاصة مع بيرنهام، بأن الحفاظ على الاستمرارية في الملف الخارجي أمر بالغ الأهمية، في وقت تواجه فيه وزارتها سلسلة من الأزمات الدبلوماسية والإنسانية.
كما ناقش رئيس الوزراء المحتمل خلال الأيام الأخيرة قضايا أمنية مع جون هيلي، الذي استقال من منصب وزير الدفاع في وقت سابق من هذا الشهر إثر خلاف مع ستارمر ووزيرة المالية رايتشيل ريفز بشأن الإنفاق العسكري.
ويتمتع بعض أعضاء فريق بيرنهام الحالي بخبرة في السياسة الخارجية، فعلى سبيل المثال، عملت إحدى مساعداته، دونجيتا مفتاري، مستشارة لستارمر في هذا الملف خلال الأشهر الأولى من رئاسته للحكومة، رغم أنها تتولى حالياً منصباً إعلامياً ضمن فريق بيرنهام.
لكن لا يوجد ما يماثل دائرة الخبراء الاقتصاديين التي أحاط نفسه بها في الأيام الأخيرة، ومن بينهم كبير الاقتصاديين السابق في بنك إنجلترا آندي هالدين، والخبير الاقتصادي السابق في "جولدمان ساكس" جيم أونيل.
العلاقة مع أوروبا
وبدأ انتقال السلطة في وستمنستر يترك أثره بالفعل على الساحة الدبلوماسية. إذ أُرجئت قمة مع الاتحاد الأوروبي كان ستارمر يأمل خلالها دفع جهوده لإعادة ضبط العلاقات مع التكتل، إلى ما بعد الصيف، بسبب استقالته الإثنين.
لكن فريق بيرنهام لم يعقد بعد محادثات مع وزير شؤون الاتحاد الأوروبي نيك توماس-سيموندز، بشأن خططه للمفاوضات الجارية مع بروكسل، بحسب أشخاص مطلعين على الأمر.
وبالتالي، لم يطّلع بعد على التفاصيل الفنية التي يجري التفاوض بشأنها في ملفات مثل تنقل الشباب واتفاق تجاري للمنتجات الزراعية الطازجة.
ويفترض مسؤولون بريطانيون أن استراتيجية التفاوض الحالية للحكومة ستستمر إلى حد كبير في عهد بيرنهام، على الأقل على المدى القصير.
وكان المرشح لرئاسة الوزراء قد أعرب سابقاً عن رغبته في تبني نهج أكثر طموحاً من ستارمر تجاه الاتحاد الأوروبي، بما يشمل في نهاية المطاف إعادة الانضمام إلى التكتل.
انقسام حول الإنفاق الدفاعي
ويشهد فريق بيرنهام أيضاً انقساماً بشأن القضية الملحة المتعلقة برفع الإنفاق الدفاعي سريعاً، وقال ستارمر الأربعاء، إنه لا يزال يعتزم نشر خطة الاستثمار الدفاعي التي طال انتظارها قبل قمة "الناتو" المقررة بعد أسبوعين.
ولا يزال ستارمر وريفز يجريان مناقشات مع وزارة الدفاع بشأن رفع مخصصات التمويل إلى ما يتجاوز 13.5 مليار جنيه إسترليني (17.8 مليار دولار)، وهو ما قد يفضي إلى زيادة محدودة الشهر المقبل مع إرسال إشارة إلى نية رفعها بشكل أكبر العام المقبل.
ويصر بعض المسؤولين على أن ستارمر لا ينبغي أن يقيد خيارات الحكومة المرتقبة بنشر خطة الاستثمار الدفاعي الأسبوع المقبل، ويفضلون مراجعتها بأنفسهم إلى جانب توفير تمويل إضافي، وفقاً لأشخاص مطلعين على المناقشات.
في المقابل، لا يمانع آخرون في إعلان الخطة قبل تولي بيرنهام المنصب، مفضلين ترك الأمر لستارمر ثم تقييمه لاحقاً.
اختبار سياسي ودبلوماسي
ولا تقتصر القضية على العلاقات الدبلوماسية فقط، إذ أصبحت السياسة الخارجية خطاً فاصلاً واضحاً مع حزب "ريفورم" Reform الشعبوي، الذي تربط زعيمه نايجل فاراج علاقة صداقة بترمب ويعارض توثيق العلاقات مع أوروبا.
كما جرى تحميل موقف ستارمر من الحرب على غزة مسؤولية تسريع انتقال ناخبين يساريين إلى حزب الخضر، ويحذر مسؤولون في أحاديث خاصة من أن بيرنهام قد يخاطر بعلاقاته الدبلوماسية ومكانته السياسية إذا لم يضع خطة واضحة بسرعة.
وقال أناند مينون، مدير مركز أبحاث "بريطانيا في أوروبا متغيرة": "لا يمكن تأجيل بلورة السياسة الخارجية إلى الأشهر المقبلة؛ فالأزمات العالمية لن تنتظر حتى يضع بيرنهام خطة".
وأضاف: "ببساطة لا نعرف، عندما يتعلق الأمر بالسياسة الخارجية، ما الذي يؤمن به. ما موقفه من إسرائيل؟ ومن ترمب؟ ومن الإنفاق الدفاعي؟ هذه أمور تحتاج إلى توضيح سريع من أجل طمأنة حلفاء بريطانيا".












