صعود التقدميين.. كيف تتغير خريطة الحزب الديمقراطي الأميركي؟ | الشرق للأخبار
خاص

صعود التقدميين وتراجع "الحرس القديم".. كيف تتغير خريطة الحزب الديمقراطي الأميركي؟

خبراء لـ"الشرق": التفاف الجمهوريين حول MAGA قد يحدد طبيعة المرشح الديمقراطي لانتخابات 2028

time reading iconدقائق القراءة - 17
براد لاندر، المرشح الديمقراطي لمجلس النواب الأميركي عن ولاية نيويورك، مع رئيس بلدية نيويورك زهران ممداني خلال تجمع انتخابي. 23 يونيو 2026 - Reuters
براد لاندر، المرشح الديمقراطي لمجلس النواب الأميركي عن ولاية نيويورك، مع رئيس بلدية نيويورك زهران ممداني خلال تجمع انتخابي. 23 يونيو 2026 - Reuters
واشنطن -

في وقت يستعد فيه الديمقراطيون لمواجهة الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس المقررة في نوفمبر، يشهد الحزب الديمقراطي صعوداً بارزاً لنفوذ التيار التقدمي، خصوصاً مع فوز مرشحين محسوبين على "الاشتراكيين" في الانتخابات التمهيدية للحزب في نيويورك.

ومع احتدام المنافسة بين مرشحي الجناح التقدمي والتيار الوسطي في عدد من الولايات، تبدو الانقسامات الأيديولوجية داخل الحزب الديمقراطي أكثر وضوحاً، ما يثير تساؤلات بشأن الفروق بين التيارات التقدمية والليبرالية والمعتدلة والاشتراكية، وحجم نفوذ كل منها داخل الحزب ومؤسساته.

أجنحة وفصائل متعددة

على خلاف الحزب الجمهوري، ينقسم الحزب الديمقراطي إلى أجنحة وفصائل وتكتلات متعددة، حتى إن الممثل الكوميدي الأميركي الراحل ويل روجرز، قال في أوائل القرن العشرين، ساخراً: "أنا لست عضواً في أي حزب سياسي منظم. أنا ديمقراطي. الديمقراطيون لا يتفقون على أي شيء، ولهذا السبب هم ديمقراطيون. لو اتفقوا مع بعضهم البعض، لكانوا جمهوريين".

وبعد نحو قرن من مقولته، لا تزال خريطة الحزب الداخلية محل جدل بين الباحثين والخبراء، الذين يختلفون في تصنيف تياراته وفصائله، وفي الحدود الفاصلة بينها.

شبّه أستاذ العلوم السياسية في جامعة كاليفورنيا، ريتشارد جروبر، الحزب الديمقراطي بـ"حفلة جماهيرية كبيرة"، وقال، في حديث مع "الشرق"، إن "الحزب الجمهوري لطالما كان أكثر تجانساً، أما الحزب الديمقراطي فهو أكثر تنوعاً، لذا توجد مجموعات متعددة من المصالح. هناك مجموعات بيئية في الحزب الديمقراطي، ومجموعات أعمال، وهناك الكثير من المصالح المختلفة داخل الحزب".

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بوسطن بولاية ماساتشوستس، ديفيد هوبكنز، أنه من الصعب وضع تعريفات واضحة عندما يتعلق الأمر بأجنحة الحزب الديمقراطي، لكنه في الوقت نفسه يميل إلى تصنيفها إلى ثلاث مجموعات رئيسية، تضم اليسار التقدمي، والوسط المعتدل، وبينهما كتلة كبيرة سائدة من الليبراليين التقليديين.

وقال هوبكنز، في حديث مع "الشرق"، إنه يضع، تقريباً، كل قيادة الحزب الحالية والسابقة ضمن هذه الكتلة السائدة (الليبراليين التقليديين)، "بما في ذلك زعيم الأقلية في مجلس النواب حكيم جيفريز، وزعيم الأقلية في مجلس الشيوخ تشاك شومر، والرئيس السابق جو بايدن، والمرشحة الرئاسية السابقة كامالا هاريس، والرئيسة السابقة لمجلس النواب نانسي بيلوسي، والرئيس الأسبق باراك أوباما".

ويختلف البعض مع هذا التصنيف، وقد يضع آخرون إطاراً أوسع وأكثر تفصيلاً.

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة برينستون بولاية نيوجيرسي، بول فرايمر، أن إطاراً مكوناً من أربع فئات يعد "أكثر دقة لتصنيف الأجنحة داخل الحزب الديمقراطي"، على حد قوله.

وتضم تلك الخريطة اليسار التقدمي، الذي ينقسم بدوره إلى فصيلين فرعيين: "الاشتراكيون الديمقراطيون" و"الليبراليون التقدميون"، إضافة إلى الليبراليين المؤسسيين، والمعتدلين، والديمقراطيين المحافظين، الذين قال إن نسبتهم "صغيرة للغاية".

وأشار فرايمر إلى أنه داخل فصائل اليسار الديمقراطي، توجد مساحات واسعة من التداخل، موضحاً، في حديثه مع "الشرق"، أن الليبراليين التقدميين قد يتشاركون الكثير مع الاشتراكيين الديمقراطيين، كما أن المعتدلين قد يتبنون أحياناً بعض الأفكار التي تُعد اشتراكية.

وأضاف: "التصنيف نفسه أيضاً يعتمد، إلى حد ما، على القضية محل النقاش، لأن بعض الملفات تُحدث انقسامات حتى بين التقدميين الذين تبدو مواقفهم متقاربة. فعلى سبيل المثال، كان بايدن ليبرالياً إلى حد كبير في قضايا العمال والاقتصاد، ومحافظاً نسبياً في موقفه من إسرائيل، ومعتدلاً إلى حد كبير في بعض قضايا الحقوق المدنية، وما إلى ذلك".

لكن تبرز أيضاً انقسامات واضحة، ربطها فرايمر بالأحداث الراهنة، مثل الانقسام حول الملف الفلسطيني الإسرائيلي، والعنف والحرب المستمرة التي تشنها إسرائيل، وما إذا كانت تُصنّف على أنها إبادة جماعية، مضيفاً: "وبخلاف ذلك، أعتقد أن معظم الخلافات بين هذه المجموعات تتعلق بمسائل الأولويات وسرعة وتيرة التغيير".

اليسار التقدمي

بزغ نجم التيار التقدمي في الحزب الديمقراطي مع صعود السيناتور الاشتراكي بيرني ساندرز. ويعرّف ساندرز نفسه بأنه مستقل، لكنه خاض، في عامي 2016 و2020، حملتين انتخابيتين للحصول على بطاقة ترشيح الحزب الديمقراطي في الانتخابات الرئاسية الأميركية.

وينقسم التيار التقدمي في الحزب إلى فصيلين فرعيين: الاشتراكيون الديمقراطيون، والليبراليون التقدميون.

واعتبر ريتشارد جروبر، الذي تتركز اهتماماته على الأحزاب السياسية والانتخابات الأميركية والكونجرس، أن ساندرز هو القائد الفكري "للاشتراكيين الديمقراطيين، الذي أضفى شرعية عليه وجذب الكثير من اليسار".

وحظي ساندرز في حملتيه الانتخابيتين بتأييد منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين الأميركيين (DSA)، رغم أنه ليس عضواً فيها أيضاً. واكتسبت المنظمة زخماً مع صعود ساندرز، وارتفع عدد أعضائها من 10 آلاف عضو إلى أكثر من 85 ألف عضو في مختلف الولايات.

وينتمي عدد لا بأس به من أعضاء الحزب الديمقراطي إلى الاشتراكيين الديمقراطيين الأميركيين (DSA)، وقد رشحت المنظمة ودعّمت عدداً من مرشحي الحزب الديمقراطي للمناصب العامة.

ويُعد عمدة نيويورك زهران ممداني أبرز أعضاء التيار الاشتراكي، وقد حظي بدعم منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين، إلى جانب النائبتين ألكساندريا أوكاسيو كورتيز ورشيدة طليب، وجميعهم أعضاء في الحزب الديمقراطي.

وتختلف النظرية التي يتبناها الاشتراكيون عن تلك التي تتبناها الفصائل اليسارية الأخرى.

ويقول أستاذ العلوم السياسية جروبر إن اليسار الاشتراكي الأميركي يتبنى نقداً جذرياً للرأسمالية، ويدعو إلى تفكيكها وبناء نظام أكثر مساواة يقوم على الملكية العامة، والنقابات القوية، والرعاية الصحية الشاملة، والسكن للجميع، والتعليم الجامعي المجاني، وإلغاء الديون الجامعية، مع إعادة توزيع الثروة لصالح العمال والفقراء، وفرض ضرائب أعلى على الأغنياء لتحقيق مزيد من المساواة في البلاد.

أما الفصيل الثاني من التيار التقدمي في الحزب، أي الليبراليون التقدميون، فتمثلهم السيناتورة إليزابيث وارن، والنائبة براميلا جايابال، والنائبة السابقة كاتي بورتر.

وينتقد الليبراليون التقدميون الرأسمالية، لكنهم لا يسعون إلى تفكيكها، وعلى عكس الاشتراكيين، يفضلون إصلاح النظام بدلاً من تفكيكه.

وخاضت أستاذة القانون، عضوة مجلس الشيوخ إليزابيث وارن، منافسة أمام الرئيس الأميركي السابق جو بايدن وبيرني ساندرز عام 2019 للحصول على بطاقة ترشيح الحزب الديمقراطي في الانتخابات الرئاسية الأميركية. ووصفت نفسها، حينها، بأنها "رأسمالية حتى النخاع"، وأن من "الخطأ" وصفها بالاشتراكية.

وبينما علّق البعض، حينها، بأن الاختلافات الجوهرية بين وارن وساندرز محدودة، اقترح آخرون، بحسب مجلة "نيويوركر"، أن الانقسام بين ساندرز ووارن يمكن تأطيره على أنه "ثورة مقابل إصلاح".

تتلاشى الحدود الفاصلة، أحياناً، بين التقدميين، سواء كانوا اشتراكيين أو ليبراليين، إذ يتفق اليسار الليبرالي واليسار الاشتراكي في كثير من الأهداف، لكنهما قد يختلفان، أحياناً، في طريقة تحقيقها.

ويرى ديفيد هوبكنز، الذي تشمل اهتماماته البحثية الأحزاب السياسية الأميركية والانتخابات، أن شخصيات مثل ساندرز وأوكاسيو كورتيز تصف نفسها بأنها اشتراكية، في مقابل شخصيات أخرى مثل وارن لا تتبنى هذا التعريف، "لكن آراءهم وسياساتهم لا تختلف بشكل جوهري أو ثابت".

غير أن بول فرايمر، الذي تركز أبحاثه على الأحزاب والحركات الاجتماعية، يرى أن التمييز بين الفصيلين يعد مهماً وملموساً في بعض الأماكن، مثل مدينة نيويورك، "أما في معظم أنحاء الولايات المتحدة، فغالباً ما يُنظر إلى التيارين على أنهما كتلة واحدة، ولا يُفرَّق بينهما كثيراً".

وأضاف فرايمر أن عدد أعضاء منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين الأميركيين (DSA) في كثير من المناطق ليس كبيراً بما يكفي ليجعل هذا التمييز ذا أهمية عملية أو سياسية، "ولذلك، خارج مدن مثل نيويورك، غالباً ما يصنّف الجميع ببساطة ضمن الجناح التقدمي أو "اليسار" داخل الحزب الديمقراطي، دون التمييز بين ليبراليين يساريين واشتراكيين".

ويدعم كلا الفصيلين رعاية صحية شاملة، ويشككان في نفوذ الشركات أو يعارضانه بشدة، ويرغبان في رفع الضرائب على الأثرياء.

لكن اليسار الاشتراكي يفضل أن تتولى الحكومة إدارة وتمويل نظام الرعاية الصحية بالكامل، مع إلغاء دور شركات التأمين الخاصة، أما اليسار الليبرالي فيرى إنشاء خيار تأمين صحي حكومي ينافس شركات التأمين الخاصة، بحيث يظل للمواطن حرية الاختيار بين التأمين الحكومي والخاص.

وفي حين يناهض الاشتراكيون الإمبريالية التقليدية، يميل الليبراليون أكثر إلى تفضيل دول مثل إسرائيل حليفاً تقليدياً للولايات المتحدة.

ويتشارك الفصيلان أحياناً قاعدة جماهيرية متشابهة من الأميركيين الحاصلين على شهادات عليا والأكثر ثراءً. وبينما يزداد تأثير الاشتراكيين داخل الطبقة العاملة، يمتد نفوذ الفصيل الليبرالي بين الإعلاميين والكتاب والأوساط الأكاديمية والفنانين.

ومع ذلك، يتمتع اليسار التقدمي، تاريخياً، بنفوذ محدود داخل الحزب الديمقراطي كمؤسسة، إذ يشكل أعضاؤه 94 من أصل 212 ديمقراطياً في مجلس النواب.

ولفت هوبكنز إلى أنهم "يدخلون صراعات حول من يمتلك السلطة والنفوذ داخل الحزب، وكذلك حول المواقف السياسية التي ينبغي للحزب تبنيها".

القيادة التقليدية للحزب

يستخدم الباحثون مصطلح "الليبراليين المؤسسيين" لوصف القيادة التقليدية للحزب، وليس لوصف تيار داخل الحزب الديمقراطي.

وقال أستاذ العلوم السياسية في جامعة برينستون، بول فرايمر، إن الليبراليين المؤسسيين هم القيادات التي تتولى إدارة مؤسسات الحزب، مثل زعيم الأقلية في مجلس النواب حكيم جيفريز، والرئيسة السابقة لمجلس النواب نانسي بيلوسي.

واعتبر فرايمر أن الليبراليين المؤسسيين أقل أيديولوجية وأكثر براغماتية، إذ لا ينطلقون من دافع أيديولوجي بقدر ما يسعون إلى الحفاظ على وحدة تحالفهم الحزبي وقوته قدر الإمكان، "وهذا يتطلب منهم تبني نهج استراتيجي وتحقيق توازن لا يرتبط بالضرورة بميولهم الأيديولوجية الشخصية".

وتتركز مهمتهم الأساسية في الحفاظ على وحدة الحزب، والتوفيق بين التقدميين والمعتدلين، والفوز في الانتخابات، وجمع الأصوات اللازمة لتمرير القوانين، والحفاظ على تماسك الكتلة الديمقراطية.

لكن أستاذ العلوم الاجتماعية في جامعة بوسطن، توماس والين، الذي تتركز مجالات بحثه على السياسة الأميركية المعاصرة والقيادة الرئاسية، يرى أن حكيم جيفريز يواجه مهمة صعبة فيما يتعلق بالتوفيق بين تيارات الحزب.

وقال والين، في حديث مع "الشرق"، إن جيفريز يسعى إلى إيجاد توازن دقيق بين التيار المعتدل والتيار الليبرالي، "غير أن المشكلة تكمن في أن الحزب بات يعاني من انقسام حاد، إذ يسعى الاشتراكيون الديمقراطيون إلى انتهاج مسار أكثر راديكالية. وسيكون أمام جيفريز مهمة شاقة في بناء تحالف فاعل إذا فاز الديمقراطيون في انتخابات نوفمبر".

بشكل عام، يؤمن الليبراليون المؤسسيون بمعظم المبادئ الليبرالية التقليدية للحزب الديمقراطي، مثل توسيع فرص الحصول على الرعاية الصحية، والدفاع عن الحقوق المدنية، وحقوق الأقليات، ودور الحكومة في معالجة المشكلات الاقتصادية، مع رفض إحداث تغييرات جذرية أو الدخول في صدام مع المؤسسة الحزبية.

ويُعد "التجمع البرلماني للأميركيين السود" (CBC) أقرب تكتل رسمي لليبراليين المؤسسيين. ويضم التجمع 62 عضواً في الكونجرس، وهو أكبر عدد من الأعضاء في تاريخه، ومن أبرز رموزه حكيم جيفريز، ومساعد رئيس الكتلة الديمقراطية النائب جو نيجوس، والرئيسة المشاركة للجنة التوجيه والسياسات الديمقراطية في مجلس النواب روبن كيلي، والرئيس الأسبق باراك أوباما.

الديمقراطيون "المعتدلون"

في عام 2020، فاز المعتدل، المنتمي إلى تيار "يسار الوسط"، جو بايدن على الليبرالية إليزابيث وارن والاشتراكي بيرني ساندرز، وحصل على بطاقة الحزب الديمقراطي في الانتخابات التمهيدية.

وأظهرت، حينها، القواعد الانتخابية للمرشحين الثلاثة اختلافاً واضحاً في التركيبة الديموغرافية والأيديولوجية لناخبي الحزب. فقد حظي جو بايدن، بشكل أساسي، بتأييد الناخبين الأكبر سناً، ممن تجاوزوا الخمسين عاماً، والديمقراطيين السود، والناخبين الأقل تعليماً، إضافة إلى البروتستانت والكاثوليك، ووصف مؤيدوه أنفسهم بأنهم "ديمقراطيون معتدلون".

في المقابل، حظي بيرني ساندرز بدعم الناخبين الأصغر سناً، ممن تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عاماً، واللاتينيين، والناخبين غير المنتمين إلى أي دين، وعرّف مؤيدوه أنفسهم بأنهم "ليبراليون".

أما إليزابيث وارن، فقد حظيت بدعم خريجي الجامعات والحاصلين على شهادات عليا، كما ضمت قاعدتها الانتخابية أكبر نسبة من الليبراليين، ما جعلها المرشحة المفضلة لدى شريحة واسعة من الناخبين المتعلمين والتقدميين داخل الحزب الديمقراطي، قبل انسحابها.

وقال أستاذ العلوم السياسية ريتشارد جروبر إن الغالبية المطلقة من أعضاء الحزب الديمقراطي تصف نفسها بأنها "ديمقراطيون معتدلون". وتكشف بيانات مؤسسة جالوب أن أغلبية الديمقراطيين ترغب في أن يصبح حزبهم أكثر اعتدالاً.

وعلى عكس اليسار الاشتراكي، الذي يتبنى نقداً جذرياً للرأسمالية، واليسار الليبرالي، الذي يدعو إلى إصلاحها، يؤيد اليسار المعتدل الرأسمالية ومؤسساتها.

ووفق الأدبيات السياسية، يُعرف الديمقراطيون المعتدلون بأنهم التيار الذي يفضل الإصلاح التدريجي، ويوازن بين الانضباط المالي والاستثمار في برامج الرعاية الاجتماعية، كما يميل إلى التفاوض مع الجمهوريين وطرح الحلول التوافقية وقبولها.

ويمثلهم في مجلس النواب، بالأساس، ائتلاف "الديمقراطيين الجدد" (New Democrat Coalition)، وهو أكبر كتلة ديمقراطية في المجلس، ويضم 115 عضواً.

بينما يرى الكاتب السياسي روس باركان أن الاعتدال داخل الحزب الديمقراطي لا يقتصر على المواقف التشريعية، بل يمتد أيضاً إلى البعد الثقافي والاجتماعي.

وقال باركان، في حديث مع "الشرق"، إن المعتدل يختلف عن الاشتراكي، إذ لا يرى أن الرأسمالية مشكلة يجب التخلص منها، بل يعتقد أن النظام الرأسمالي يمكن إصلاحه وتنظيمه ليصبح أكثر عدالة، كما أنه يولي أهمية أكبر لقيم الوطنية والدين من كثير من الليبراليين والاشتراكيين.

وأضاف باركان أن اليسار المعتدل يرى السوق والملكية الخاصة جزءاً مقبولاً ومفيداً من النظام، لكنه في الوقت نفسه لا يعارض، بالضرورة، السياسات الاقتصادية التقدمية، مثل زيادة الإنفاق وتوسيع البرامج الاجتماعية، "إذا قُدمت بطريقة مقنعة باعتبارها حلولاً عملية، وليست مشروعاً أيديولوجياً لإعادة تشكيل النظام الاقتصادي".

وتصنف الأدبيات السياسية الديمقراطيين المحافظين على أنهم جناح أكثر محافظة داخل المعتدلين، وليس تياراً منفصلاً بحد ذاته، ويتمثلون في ائتلاف "الكلاب الزرقاء" (Blue Dog Coalition).

ويمثل أتباع هذا التيار الديمقراطيين الريفيين والجنوبيين، ويتبنون مواقف أكثر تشدداً من المعتدلين فيما يخص الإنفاق والهجرة وتشديد الحدود والحد من تدخل الحكومة.

لكن نفوذهم تراجع بصورة كبيرة خلال العقدين الأخيرين، مع انتقال كثير من الناخبين المحافظين في الجنوب والريف إلى الحزب الجمهوري.

عقب انتخابات عام 2008، حاز ائتلاف "الكلاب الزرقاء" على 54 مقعداً في مجلس النواب، وبحلول عام 2023، انخفض هذا العدد إلى ما يقارب 8 إلى 10 أعضاء فقط. ومن أبرز رموزه النائب عن ولاية مين جاريد جولدن، والنائب عن ولاية تكساس هنري كويلار.

مستقبل الحزب الديمقراطي

يحتدم النقاش، مؤخراً، داخل الحزب الديمقراطي حول مستقبله، إثر فوز مرشحين ينتمون إلى الاشتراكيين في الانتخابات التمهيدية للحزب في نيويورك، في مقابل مرشحين ينتمون إلى التيار المعتدل. وحظي المرشحون الاشتراكيون بدعم عمدة المدينة الاشتراكي زهران ممداني.

وقد أثار ذلك الفوز مخاوف من إعادة تشكيل الحزب وسياساته، مع وجود مرشحين اشتراكيين منافسين في عدد من الدوائر الأخرى خارج نيويورك، خاصة أن بيانات مؤسسة "جالوب" للاستطلاعات، أظهرت تحولاً أيديولوجياً ملحوظاً داخل الحزب الديمقراطي نحو اليسار.

وبحسب البيانات، انخفضت نسبة المعتدلين في الحزب من 48% إلى 35% خلال ربع قرن منذ الولاية الأولى للرئيس السابق بيل كلينتون، بينما تضاعفت نسبة الليبراليين من 25% إلى 51%.

ويرى أستاذ العلوم السياسية بول فرايمر أن الجناح التقدمي ينمو ويُظهر انخراطاً وتعبئة يفوقان بقية أطياف الحزب. غير أن فرايمر يعتقد أن الوسطيين، حتى وإن أصبحوا أقل عدداً من التقدميين، يتمتعون بميزة في الانتخابات الوطنية تتمثل في قدرتهم على الزعم بأن الحزب بحاجة إلى المستقلين المعتدلين للفوز في الانتخابات العامة.

ورغم ذلك، أشار فرايمر إلى نجاح حركة "ماجا" (اجعلوا أميركا عظيمة مجدداً) داخل الحزب الجمهوري من دون التحرك نحو الوسط، مضيفاً: "كما أن الحركة التقدمية في الحزب الديمقراطي في نمو مستمر، وتتبنى قضايا تحظى بشعبية واسعة حتى بين الناخبين المعتدلين، لا سيما تلك المتعلقة بالاقتصاد وتكلفة المعيشة. ومن الممكن أن يتمكن مرشح تقدمي من الفوز بترشيح الحزب الديمقراطي في عام 2028، ومن ثم الفوز في الانتخابات الرئاسية. وكلما طال أمد تماسك الحزب الجمهوري حول رئيس وسياسات تحظى بقدر كبير من عدم الشعبية، زاد احتمال حدوث ذلك".

لكن أستاذ العلوم الاجتماعية في جامعة بوسطن، توماس والين، يرى أن التيار التقدمي الاشتراكي ليس في وضع يُمكّنه من السيطرة على الحزب الديمقراطي في المدى القريب، مستدركاً: "لكن نظراً لشعبيته الواسعة في صفوف ناخبي الجيل زد، فقد يأتي يومه في مرحلة قادمة. إنهم يراهنون على المدى البعيد".

تصنيفات

قصص قد تهمك