
أثارت تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بسحب تراخيص محطات تلفزيونية، بعد رفض شبكتي NBC وABC بث خطابه بشأن أمن الانتخابات مباشرة، جدلاً واسعاً بشأن حرية الإعلام واستقلالية لجنة الاتصالات الفيدرالية (FCC)، وفقاً لما أوردته مجلة "بوليتيكو".
وجاءت هجمات ترمب مساء الخميس على الشبكتين الأميركيتين لتكون "أحدث حلقة في سلسلة من الدعوات التي أطلقها خلال السنوات التسع الماضية لسحب تراخيص القنوات التلفزيونية التي تثير غضبه".
وقال ترمب: "احتيال كهذا يجب أن يؤدي إلى سحب تراخيصهم".
لكن، وعلى خلاف ولايته الأولى، حين كان قادة الحزب الجمهوري في لجنة الاتصالات الفيدرالية (FCC) ينأون بأنفسهم عن مثل هذه الإجراءات، فإن رئيس اللجنة الحالي بريندان كار فتح مراراً تحقيقات واستفسارات تستهدف الشبكات التلفزيونية نفسها التي انتقدها ترمب، ما أثار مخاوف لدى خبراء السياسات من احتمال أن تتخذ اللجنة هذه المرة خطوات فعلية، الأمر الذي قد يفضي إلى معركة دستورية.
خطوات مريبة
وقال روبرت كورن-ريفير، المسؤول السابق بلجنة الاتصالات الفيدرالية والمستشار القانوني الحالي لمؤسسة حقوق الفرد والتعبير: "لم يكن لدينا في هذا البلد قط قانون يسمح بصدور مرسوم ملكي يحدد كيفية تغطية الأخبار. وإذا ربطت صراحةً إجراءات الترخيص بما إذا كانت الشبكات تبث ما يريد الرئيس بثه، فإن أي شرعية قد تكون لهذه الإجراءات ستتلاشى تلقائياً".
ولم يرد المتحدثون باسم بريندان كار على طلب للتعليق، كما لم يعلق رئيس اللجنة على "إكس"، رغم نشاطه المستمر عليها.
ومع ذلك، فقد بدأ بالفعل بتدقيق ممارسات التنوع في شركة "كومكاست" المالكة لـNBC، إضافة إلى فحص علاقة الشبكة بمالكي محطات تلفزيونية أخرى.
كما استدعى تراخيص المحطات الثماني التابعة لـABC والمملوكة للشبكة لإجراء مراجعة مبكرة، وهي خطوة قد تفضي إلى سحب تلك التراخيص.
ودعا حلفاء ترمب المحافظون اللجنة إلى المضي قدماً في رفض تجديد تراخيص هذه المحطات، وجدد بعضهم هذا المطلب بعد إعلان ABC وNBC أنهما لن تبثا خطاب ترمب مباشرة.
وقال ستيف بانون، كبير الاستراتيجيين السابق بالبيت الأبيض خلال جزء من ولاية ترمب الأولى، في برنامجه: "اسحبوا الترخيص. دعونا نرى مدى صلابتهم عندما تفعلون ذلك".
وجاءت تهديدات ترمب الأخيرة خلال خطاب في وقت الذروة كرر فيه مزاعمه المستمرة بأن الانتخابات الأميركية عرضة للتزوير والتدخل الأجنبي.
وعادةً ما تتمتع الشبكات التلفزيونية بحرية تقرير ما إذا كانت ستبث خطابات الرئيس مباشرة، وامتنعت في مناسبات عديدة عن بث خطابات لرؤساء من الحزبين الجمهوري والديمقراطي.
إلا أن ترمب اتهم ما وصفها بـ"وسائل الإعلام الكاذبة" بتجاهل خطابه قائلاً: "لأنهم لا يحبون الموضوع، ولأنهم يعرفون مدى فساد نظامنا ولا يريدون كشف ذلك".
وأضاف: "هم وغيرهم من وسائل الإعلام جزء من مؤامرة. يريدون استمرار هذا الاحتيال، لأي سبب كان، ويريدون حماية اليسار الراديكالي".
ورغم أن لجنة الاتصالات الفيدرالية لا تمنح تراخيص للشبكات نفسها، فإن شبكتي ABC وNBC تمتلكان محطات تلفزيونية مرخصة قد تكون معرضة للخطر.
مشكلة دستورية خطيرة
وقال المحامي أندرو جاي شوارتزمان، المتخصص في قضايا المصلحة العامة، إن إقحام بريندان كار، شكاوى ترمب مباشرة في إجراءات اللجنة سيكون محفوفاً بالمخاطر القانونية.
وأضاف: "إذا اتخذ بريندان كار إجراءً لأن الرئيس طلب ذلك علناً، فإن ذلك يثير أسئلة قانونية ودستورية خطيرة تتعلق بالتعديل الأول للدستور وحظر التمييز على أساس وجهة النظر، وهي عقبات سيكون من شبه المستحيل تجاوزها".
وكان كار، الذي أظهر دعماً واضحاً لترمب خلال العام ونصف العام الماضيين، قد أوضح أنه كان يتابع خطاب الرئيس مساء الخميس، إذ أعاد نشر البث المباشر للبيت الأبيض، وكتب قبل بدء الخطاب بقليل: "أخبار قادمة" مرفقة برموز تعبيرية لشاشة تلفزيون وعينين.
كما رفض كار فكرة أن تكون لجنة الاتصالات الفيدرالية هيئة مستقلة عن البيت الأبيض، مخالفاً بذلك النهج الذي اتبعه رئيس اللجنة خلال ولاية ترمب الأولى، وكذلك رؤساء اللجنة من الحزبين لعقود.
ويأتي ذلك بعد أن أيدت المحكمة العليا الشهر الماضي، صلاحيات ترمب في إقالة رؤساء هذه الهيئات، وهو ما يرى كثيرون أنه سيقوض استقلاليتها.
رفض ديمقراطي
وسارع الديمقراطيون إلى رفض دعوات ترمب الأخيرة.
وقالت المفوضة الديمقراطية الوحيدة في اللجنة، آنا جوميز: "من السخيف المطالبة بسحب تراخيص محطات البث لمجرد أنها اتخذت القرارات التحريرية نفسها التي اتخذتها في ظل رؤساء من الحزبين".
وأضافت: "هذه القرارات التحريرية يحميها التعديل الأول للدستور، ولا تملك لجنة الاتصالات الفيدرالية أي سلطة لمعاقبة محطة لأنها رفضت بث خطاب سياسي بحت. إنها محاولة مكشوفة لترهيب محطات البث، ويجب ألا تكون اللجنة جزءاً منها".
كما أعربت النائبة الديمقراطية دوريس ماتسوي، العضو البارز في اللجنة الفرعية للاتصالات بمجلس النواب، عن قلقها من التحقيقات الإعلامية الأخيرة التي يقودها كار.
وقالت: "في ضوء سجل رئيس اللجنة بريندان كار في التعامل مع شكاوى ذات دوافع سياسية ضد محطات البث، يجب أخذ تهديدات الرئيس ترمب بسحب التراخيص على محمل الجد ورفضها".
وأضافت: "ينبغي على كار أن يوضح أنه لن ينفذ هذه التهديدات، ولن يسمح باستخدام لجنة الاتصالات الفيدرالية كسلاح للانتقام السياسي".
وكان كار قد أثار قلقاً من الحزبين عندما قرر هذا الربيع مراجعة تراخيص المحطات الثماني التابعة لـABC والمملوكة لشركة ديزني قبل سنوات من موعد انتهاء صلاحيتها، إذ لم يكن من المقرر أن تنتهي قبل عام 2028 على الأقل.










