
أجرى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أكبر تعديل في القيادة العسكرية منذ عام 2024، بعدما أطاح خلال ستة أيام بكل من وزير الدفاع ميخايلو فيدوروف وقائد القوات المسلحة أوليكسندر سيرسكي، في ظل خلاف داخل المؤسسة العسكرية بشأن استراتيجية الحرب ضد روسيا.
وبعد ضغوط من احتجاجات غاضبة، قرر زيلينسكي تعيين قائد القوات المشتركة ميخايلو دراباتي قائداً جديداً للجيش، وهو المرشح الذي كان فيدوروف يدعمه لتولي المنصب.
وكان الرئيس الأوكراني قد أعلن الأسبوع الماضي دعمه لسيرسكي (60 عاماً)، وأقال فيدوروف، أحد مهندسي نجاح أوكرانيا في حرب الطائرات المسيّرة، بعد ستة أشهر فقط في منصب وزير الدفاع. لكنه عاد الثلاثاء ليقيل سيرسكي ويعين دراباتي، الذي كان فيدوروف قد رشحه لخلافته، بحسب "بلومبرغ".
وقال زيلينسكي إنه عرض على فيدوروف (35 عاماً)، "منصباً قيادياً مناسباً" للعمل على تطوير التكنولوجيا العسكرية الأوكرانية، إلا أن الأخير لم يعلن حتى الآن ما إذا كان سيقبل العرض، بعدما سبق أن رفض عرضاً آخر من الرئيس.
وذكرت "بلومبرغ" أنه بالنسبة إلى زيلينسكي وأوكرانيا، جاء الانقسام داخل قمة المؤسسة الدفاعية في لحظة حساسة، إذ اكتسبت القوات المسلحة زخماً في ساحة المعركة، يعود جزء منه إلى تكتيكات الطائرات المسيّرة التي كان فيدوروف من أبرز الداعمين لها.
ويبدو أن نتيجة هذا الصراع ستعزز استراتيجيته القائمة على استخدام الابتكار التكنولوجي للحد من التفوق العددي الروسي وإلحاق أضرار اقتصادية متزايدة بآلة الحرب الروسية، بحسب بلومبرغ.
وفي ظل تعثر المفاوضات بشأن أي اتفاق سلام محتمل، كان زيلينسكي بحاجة إلى حسم الخلاف سريعاً، بينما يسعى للحصول على مزيد من أنظمة الدفاع الجوي من الولايات المتحدة وحلفائه الأوروبيين لمواجهة تصاعد الهجمات الصاروخية الروسية والاستعداد لفصل شتاء جديد من الحرب.
جيلان ورؤيتان متناقضتان
مثّل فيدوروف وسيرسكي رؤيتين متناقضتين لإدارة الحرب، كما عكسا اختلافاً في الخلفية والتجربة بين جيلين داخل المجتمع الأوكراني.
وُلد فيدوروف في يناير 1991، قبل سبعة أشهر من إعلان استقلال أوكرانيا عن الاتحاد السوفيتي.
أما سيرسكي، المولود في روسيا، فكان آنذاك ضابطاً في الجيش الأحمر السوفيتي يخدم في منطقة بولتافا الأوكرانية بعد تخرجه في مدرسة موسكو العليا للقيادة العسكرية، ثم واصل تعليمه العسكري في أكاديمية القوات المسلحة الأوكرانية وجامعة الدفاع الوطني.
واتهم فيدوروف سيرسكي بعرقلة إصلاحاته داخل وزارة الدفاع، وطالب الرئيس باستبداله قبل أن يفقد هو منصبه. واعترف زيلينسكي لاحقاً بوجود توتر بين الطرفين، قائلاً للصحافيين: "إذا لم يتمكن الطرفان من حل المشكلة، فعليّ أنا أن أفعل ذلك".
وأعلن دراباتي تأييده العلني لفيدوروف في مواجهة قائده، مؤكداً عبر "فيسبوك" أن الوزارة أدخلت العديد من التغييرات الضرورية لتسريع اتخاذ القرار ودعم القوات في الميدان.
وبرز اسم دراباتي عام 2014 عندما قاد وحدة دبابات اخترقت تحصينات الانفصاليين الموالين لروسيا في مدينة ماريوبول، وبعد الغزو الروسي عام 2022، قاد تشكيلات عسكرية استعادت أراضي قرب دنيبرو وخيرسون في الجنوب وخاركيف في الشمال الشرقي.
وفي نهاية عام 2024 تولى قيادة القوات البرية، وهو المنصب الذي شغله سيرسكي قبل ترقيته إلى قائد عام للقوات المسلحة، متعهداً بالتركيز على "الإنسان والتكنولوجيا والإدارة الشفافة".
لكن دراباتي استقال بعد أقل من عام، متحملاً المسؤولية عن سلسلة ضربات صاروخية روسية استهدفت معسكرات تدريب وقتلت عشرات الجنود الجدد، ما أثار غضباً واسعاً. إلا أن زيلينسكي أمره بالبقاء في الخدمة، قبل أن يعيده سريعاً قائداً للقوات المشتركة.
كما ترددت أنباء عن توتر في العلاقة بين سيرسكي ودراباتي، وقال فيدوروف بعد مغادرته وزارة الدفاع إن نجاح دراباتي أكسبه ثلاثة توبيخات رسمية من سيرسكي.
التكنولوجيا في مواجهة المدرسة التقليدية
أمضى سيرسكي أربعة عقود في الخدمة العسكرية، واكتسب سمعة كقائد ميداني خاض المعارك ضد روسيا منذ اندلاع الحرب في عام 2014، لكنه واجه انتقادات متزايدة بسبب اعتماده أساليب قتالية تقليدية تقوم على هجمات المشاة التي أوقعت خسائر بشرية كبيرة، حتى أطلق عليه البعض لقب "الجزار".
ورد سيرسكي هذا الأسبوع على منتقديه في مقال نشره مركز الأبحاث العسكري الأوكراني "Military"، نافياً أنه عرقل الإصلاحات أو رفض تفويض الصلاحيات للقادة، مؤكداً أنه هو من أسس قوات الأنظمة غير المأهولة كفرع مستقل في الجيش.
وقال: "أغرب اتهام سمعته هو أنني لا أريد القتال بالطائرات المسيّرة"، وأضاف: "الرؤية شيء مفيد، ويمكن بفضلها إنشاء شركة ناشئة، لكن الفوز في الحرب يحتاج إلى استراتيجية".
وجاءت هذه العبارة في إشارة غير مباشرة إلى فيدوروف، الذي أسس شركة للتسويق الرقمي، ثم منظمة خيرية لتدريب رواد الأعمال في قطاع التكنولوجيا، قبل أن يبرز عام 2019 كأول وزير للتحول الرقمي في حكومة زيلينسكي، حيث أطلق تطبيقاً لرقمنة الخدمات الحكومية وحظي بشعبية واسعة.
ومع اندلاع الحرب، أطلق فيدوروف مشروع "جيش الطائرات المسيّرة" في منتصف عام 2022، وكان أول وزير يدرك أهمية الطائرات الصغيرة غير المأهولة، في وقت كان وزير الدفاع آنذاك أوليكسي ريزنيكوف يصفها بأنها "طائرات حفلات زفاف".
وتحول المشروع لاحقاً إلى تجمع الصناعات الدفاعية "Brave1" وعدد من المبادرات الحكومية التي جذبت اهتماماً واسعاً من الشركاء الأجانب.
وخلال توليه وزارة الدفاع، سعى فيدوروف إلى تطبيق نهج يعتمد على البيانات في إدارة المشتريات وإنتاج الطائرات المسيّرة، كما طور منصات رقمية لتوثيق إصابات العدو وتسهيل حصول الوحدات العسكرية على الطائرات غير المأهولة.
وبعد أسابيع من توليه المنصب أعلن أن هدف الوزارة هو تحقيق "50 ألف خسارة مؤكدة في صفوف العدو شهرياً"، بما يتجاوز معدل التجنيد الشهري الروسي.
كما تعاونت الوزارة مع شركة SpaceX لحرمان وحدات عسكرية روسية من خدمة الإنترنت عبر الأقمار الصناعية Starlink، ما أدى إلى إرباك اتصالاتها على خطوط المواجهة.
استهداف العمق الروسي
وفي الوقت نفسه، واصلت الطائرات المسيّرة الأوكرانية تنفيذ ضربات في عمق الأراضي الروسية، مستهدفة مصافي النفط ومتسببة في نقص الوقود، كما عطلت خطوط الإمداد الروسية في شرق وجنوب أوكرانيا، وهددت بعزل شبه جزيرة القرم التي ضمتها موسكو عام 2014.
وفي رسالة نشرها عبر "تليجرام" الأربعاء، دافع سيرسكي مجدداً عن سجله العسكري، مشيراً إلى دوره في الدفاع عن كييف عام 2022، وتحرير منطقة خاركيف في العام نفسه، والتوغل في منطقة كورسك الروسية عام 2024.
وقال: "أسلم خلفي جيشاً لا يكتفي بالدفاع، بل يواصل الهجوم. وآمل بإخلاص أن يستمر هذا الهجوم".
وفي إطار التغييرات، عيّن زيلينسكي يفهيني خمارا وزيراً للدفاع بالوكالة، رغم مطالب المحتجين بإعادة فيدوروف إلى منصبه، كما عيّن إيهور سكيبيوك رئيساً جديداً لهيئة الأركان العامة ليتولى التخطيط الاستراتيجي إلى جانب دراباتي.
ويعد خمارا، وهو محارب سابق ورئيس سابق لمركز العمليات الخاصة في جهاز الأمن الأوكراني، من أبرز المسؤولين عن حملة الضربات بعيدة المدى داخل روسيا.
وبتعيين دراباتي، ومع الدور الذي قد يتولاه فيدوروف مستقبلاً، يكون زيلينسكي قد أنجز أكبر عملية إعادة هيكلة للقيادة العسكرية منذ تعيين سيرسكي قائداً عاماً للقوات المسلحة خلفاً لفاليري زالوجني عام 2024.
وقال زيلينسكي في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي: "كلنا نريد الشيء نفسه.. هزيمة العدو".











