
شهدت الساحة السياسية السودانية خلال الفترة الأخيرة حراكاً متسارعاً تمثل في سلسلة من المبادرات السياسية الإقليمية والدولية، امتدت من لقاءات جنيف إلى اجتماعات أديس أبابا الخماسية، وصولاً إلى حراك نيروبي، في محاولة لكسر حالة الجمود وفتح آفاق جديدة أمام تسوية سياسية للأزمة.
وتباينت المبادرات من حيث الجهات الراعية والأطراف المنخرطة فيها وأولوياتها، إلا أنها اشتركت في هدف رئيسي يتمثل في البحث عن مخرج سياسي يفضي إلى توافقات أوسع بين القوى السياسية، ويؤسس لعملية سياسية قابلة للاستمرار.
تفريغ العملية السياسية من أهدافها
يقول التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة "صمود" إن رفضه إشراك الموالين للنظام السابق في اجتماعات أديس أبابا وغيرها من المنابر السياسية يستند إلى رؤيته بأن مشاركتهم تتعارض مع أهداف العملية السياسية، باعتبار أنهم، وفقاً للتحالف، يمثلون طرفاً ارتبط بالسياسات التي قادت إلى الأزمات المتعاقبة التي شهدتها البلاد، وأسهمت في تهيئة الظروف التي أفضت إلى اندلاع الحرب.
وبحسب "صمود"، فإن أي عملية سياسية جادة ينبغي أن تقوم على أسس تحول دون إعادة إنتاج تجربة الحكم السابقة، وأن تنسجم مع مبادئ الانتقال المدني الديمقراطي والعدالة والمساءلة، بما يضمن معالجة جذور الأزمة السودانية، لا الاكتفاء بتسويات مرحلية.
ويؤكد التحالف أن موقفه لا يقوم على إقصاء أي طرف بسبب انتمائه السياسي، وإنما يستند إلى ضرورة عدم منح دور سياسي للقوى التي يرى أنها تتحمل مسؤولية عن تقويض مسار الانتقال الديمقراطي أو الإسهام في تأجيج الصراع، معتبراً أن بناء عملية سياسية ذات مصداقية يتطلب توافقاً على مبادئ أساسية، في مقدمتها إنهاء الحرب، وحماية الحكم المدني، واحترام العدالة.
ويشدد التحالف، في الوقت نفسه، على أن أي حوار سياسي يجب أن يخدم هدف الوصول إلى سلام مستدام وتسوية شاملة، وأن يستند إلى توافق وطني يراعي تطلعات السودانيين في إنهاء الحرب، واستعادة مسار التحول الديمقراطي.
غياب مرجعية سودانية وطنية
وقال أمين الإعلام بحركة العدل والمساواة، الدكتور محمد زكريا، إن تباين المواقف الدولية والإقليمية، وتعدد المنصات الخاصة بالأزمة السودانية أسهما في تشتيت الجهود وإضعاف فرص الوصول إلى مسار تفاوضي موحد.
وأضاف في حديثه لـ"الشرق" أن بعض المبادرات تجاوزت جوهر الأزمة من خلال مساواة الدولة السودانية بالمليشيات، أو التركيز على وقف إطلاق النار، وتقاسم السلطة دون معالجة الأسباب الجذرية للصراع.
وأشار زكريا إلى أن غياب مرجعية سودانية موحدة فتح الباب أمام التدخلات الخارجية وأضعف القرار الوطني، مؤكداً أن أي مسار سياسي لا يحترم سيادة السودان ووحدة مؤسساته لن يقود إلى سلام دائم.
وحول أبرز العقبات التي تواجه الحوار الوطني السوداني، أوضح زكريا أن غياب التوافق بشأن الأطراف المشاركة، وأجندة الحوار، وآلياته، يمثل تحدياً رئيسياً، إلى جانب استمرار التدخلات الخارجية وتداخل المبادرات مع المسار الوطني.
وأضاف أن الخلط بين المسارين السياسي والأمني، واستمرار سياسة الإقصاء، وضعف الثقة بين الأطراف، فضلاً عن استمرار الحرب والاستقطاب السياسي والمجتمعي، كلها عوامل تعيق انطلاق حوار وطني شامل.
وفي ما يتعلق بمكان انعقاد العملية السياسية، شدد زكريا على أن الأصل هو أن تكون سودانية المضمون والملكية؛ لأن الحلول التي تُفرض من الخارج تكون أقل استدامة.
وأوضح أن المرحلة التمهيدية يمكن أن تُعقد داخل السودان أو خارجه بحسب الظروف الأمنية ومتطلبات التيسير، إلا أن المرحلة النهائية ينبغي أن تُعقد داخل البلاد، لما لذلك من أثر في تعزيز الشرعية والملكية الوطنية، وتوسيع المشاركة، وربط الحوار بواقع المواطنين.
وأضاف أن استمرار العملية السياسية في الخارج يعزلها عن المجتمع، ويجعلها أكثر عرضة للتأثيرات الخارجية والتسويات الضيقة.
الأزمة السودانية رهينة الاستقطاب
وقال المحلل السياسي عثمان ميرغني لـ"الشرق" إن السؤال المتعلق بسبب عدم التوصل إلى حلول يُعد "سؤال المليون دولار"، مضيفاً أنه يصلح لأن يكون موضوعاً لرسالة دكتوراه، ليس بسبب مضمونه المباشر فحسب، وإنما لارتباطه الوثيق بجذور الأزمة السودانية الممتدة منذ الاستقلال وحتى اليوم.
وأوضح أن أسباب تعثر المبادرات السياسية يمكن تلخيصها في عدة عوامل رئيسة، أبرزها أن الحرب جاءت انعكاساً لخلافات سياسية عميقة، وعبّرت عن جوهر تلك الخلافات، ما دفع بعض المكونات السياسية إلى ترقب أن تحقق الحرب أهدافاً سياسية كانت تتطلع إليها، الأمر الذي أدى إلى ربط بعض الشعارات السياسية بنتائج الحرب المتوقعة بعد انتهائها.
وأضاف أن حالة الاستقطاب الحاد بين القوى السياسية، وما صاحبها من خطاب متبادل اتسم بالتصعيد والسعي إلى تحقيق مكاسب سياسية آنية، جاءت على حساب التركيز على المصالح الوطنية الجامعة.
وأشار ميرغني أيضاً إلى أن إدارة الخلافات الداخلية عبر مؤثرات وأطراف خارجية أسهمت في إضعاف فرص التوافق، إذ انشغلت القوى السياسية بتضخيم نقاط الخلاف بدلاً من توسيع مساحة القواسم المشتركة بينها.
كما لفت إلى وجود عجز بنيوي لدى المكونات السياسية في إنتاج حلول عملية للأزمة، مع هيمنة خطاب سياسي يقوم على تبني مواقف صفرية وحادة، وهو ما أسهم في تعقيد فرص الوصول إلى تسوية سياسية مستدامة.
خلافات القوى السياسية السودانية
وأشار أستاذ العلوم السياسية بجامعة النيلين عمر معتصم سيد أحمد في حديثه لـ"الشرق" إلى أن معالجة عدم توافق القوى السياسية السودانية تتطلب إطلاق حوار سياسي شامل يضم جميع القوى المدنية والأحزاب السياسية والحركات المسلحة دون إقصاء، بهدف الوصول إلى رؤية وطنية مشتركة حول مستقبل البلاد.
وأوضح أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى الاتفاق على مبادئ أساسية لإدارة الفترة الانتقالية، ووضع آليات واضحة لاتخاذ القرار وتجاوز الخلافات الداخلية، إلى جانب تعزيز الثقة بين الأطراف السياسية عبر الالتزام بالمواثيق والاتفاقيات الموقعة والابتعاد عن خطاب التخوين والاستقطاب، مع إعطاء الأولوية لإنهاء الحرب ومعالجة الأوضاع الإنسانية.
وأضاف أن الحلول تشمل كذلك إصلاح مؤسسات الدولة وبناء نظام سياسي قائم على المشاركة والعدالة وسيادة القانون، مع ضرورة إشراك القوى المجتمعية والشباب والنساء ومنظمات المجتمع المدني في العملية السياسية.
وأكد أن وجود وساطة وطنية وإقليمية محايدة يمكن أن يسهم في تقريب وجهات النظر بين الأطراف المختلفة والوصول إلى توافق سياسي يحقق الاستقرار ويمهد لانتقال ديمقراطي.
المؤتمرات والاجتماعات السياسية
وشهدت العاصمة الإثيوبية أديس أبابا خلال عام 2024 سلسلة من الاجتماعات والمؤتمرات التي جمعت القوى السياسية والمدنية السودانية برعاية الاتحاد الإفريقي والهيئة الحكومية للتنمية (الإيغاد) في إطار الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب التي اندلعت في السودان في 15 أبريل 2023، وإطلاق عملية سياسية شاملة.
وكان أبرز هذه الاجتماعات المؤتمر التأسيسي لتنسيقية القوى الديمقراطية المدنية (تقدم) الذي عُقد في أديس أبابا عام 2024 بمشاركة قوى الحرية والتغيير وأحزاب سياسية ومنظمات مجتمع مدني ونقابات وشخصيات وطنية برئاسة الدكتور عبد الله حمدوك.
كما استضافت المدينة المؤتمر التحضيري للحوار "السوداني- السوداني" عام 2024 برعاية الاتحاد الإفريقي وبمشاركة ممثلين عن الأحزاب السياسية والقوى المدنية والحركات المسلحة ومنظمات المجتمع المدني.
وفي العام نفسه احتضنت أديس أبابا اجتماعات ضمت تنسيقية "تقدم" والحركة الشعبية لتحرير السودان–شمال بقيادة عبد العزيز الحلو، وحركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور إلى جانب عدد من القوى السياسية لمواصلة المشاورات حول مستقبل العملية السياسية.
واستضافت مدينة جنيف السويسرية عام 2024 اجتماعات للقوى السياسية والمدنية السودانية نظمها مركز الحوار الإنساني بمشاركة قيادات من الأحزاب السياسية وممثلين عن منظمات المجتمع المدني وخبراء سودانيين، وذلك في إطار الجهود الرامية إلى تقريب وجهات النظر بين القوى المدنية ودعم مسار الحوار السياسي بشأن الأزمة السودانية.
كما احتضنت العاصمة الكينية نيروبي عام 2025 اجتماعات للقوى السياسية والمدنية السودانية بمشاركة تحالفات سياسية ومدنية والحركة الشعبية لتحرير السودان–شمال وعدد من القوى السياسية الأخرى، حيث خُصصت الاجتماعات لمناقشة الرؤى السياسية المتعلقة بإنهاء الحرب ومستقبل العملية السياسية في السوادن.
كما استضافت العاصمة الكينية نيروبي عام 2026 اجتماعات لقوى إعلان المبادئ السوداني "نحو بناء وطن جديد" بمشاركة عدد من القوى السياسية والمدنية والحركات المسلحة والشخصيات العامة السودانية، وعقدت هذه الاجتماعات لمواصلة النقاش حول مستقبل العملية السياسية ومسارات إنهاء الحرب في السودان.










