
حذّرت بكين الإدارة الأميركية من فرض عقوبات على شركات الذكاء الاصطناعي الصينية، واتهمتها بـ"الهيمنة" على هذا القطاع، وذلك قبل أسابيع من اجتماع مرتقب بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ونظيره الصيني شي جين بينج.
وقالت وزارة التجارة الصينية في بيان، الاثنين، إن الولايات المتحدة التزمت خلال المحادثات التجارية بوضع سقف لما يُسمى "الرسوم البديلة" عند 20%. وكشفت بكين عن هذا الاتفاق بعد أن فرضت واشنطن رسماً جديداً بنسبة 12.5% على السلع الصينية ليحل محل الرسوم التي ألغتها المحكمة العليا الأميركية، ما يضع فعلياً حداً لأي زيادات إضافية، وفق ما أوردت "بلومبرغ".
وبعد دقائق من هذا الإعلان، حذرت الصين في بيان منفصل من أنها ستتخذ "جميع التدابير اللازمة" إذا فرضت الولايات المتحدة عقوبات على شركات الذكاء الاصطناعي الصينية، بناءً على اتهامات بأنها استخدمت نماذج أميركية بشكل غير سليم لتدريب أنظمتها الخاصة.
ورجحت "بلومبرغ" أن البيانين يهدفان إلى تنبيه واشنطن إلى ما تعتبره بكين "أمراً غير مقبول" دون تصعيد التوترات على الفور.
ويأتي البيانان قبيل زيارة الرئيس الصيني المقررة إلى الولايات المتحدة، بينما يحاول البلدان الحفاظ على الهدنة التجارية الهشة التي توصلا إليها في نوفمبر الماضي.
وقالت ويندي كاتلر، المسؤولة التجارية الأميركية السابقة، والتي تشغل حالياً منصب نائب رئيس "معهد سياسات مجتمع آسيا" (Asia Society Policy Institute): "لقد اختبرت الولايات المتحدة والصين حدود بعضهما البعض دون تجاوز الحدود". وأضافت: "مع اقتراب موعد الزيارة المقررة للرئيس شي إلى الولايات المتحدة، ينبغي أن نتوقع استمرار هذا النمط، بل وربما بوتيرة أسرع".
يأتي هذا الرد قبل أقل من شهرين من الموعد المتوقع لوصول الرئيس شي إلى الولايات المتحدة. ولا تزال التجارة والاستثمار عنصرين محوريين في العلاقة بين البلدين، في حين أن النزاع الناشئ بشأن الذكاء الاصطناعي يضيف مصدر توتر يصعب التنبؤ به.
محاولة لتجنب "حرب تجارية"
وعلى الصعيد التجاري، يأتي تحذير الصين في الوقت الذي يعيد فيه ترمب بناء نظامه للتعريفات الجمركية، بعد أن ألغت المحكمة العليا الأميركية بعض الرسوم التي فرضها في البداية.
وأفادت "بلومبرغ إيكونوميكس" للأبحاث، بأن الإجراء الأخير رفع معدل التعريفة الجمركية الأميركية الفعلي على السلع الصينية إلى نحو 22.2%.
ومن شأن زيادة أخرى بمقدار 7.5 نقطة مئوية أن ترفع المعدل الفعلي إلى نحو 30٪، وهو تقريباً المستوى الذي كان عليه بموجب الاتفاق الذي جرى التوصل إليه في ماليزيا في أكتوبر الماضي، قبل صدور قرار المحكمة العليا.
وأشار بيان وزارة التجارة الصينية إلى أن بكين ستتسامح مع مثل هذه الزيادة، ولكن ليس أكثر من ذلك.
ويعكس هذا الاعتدال تركيز الرئيس الصيني على الحفاظ على استقرار العلاقات في ظل تطلعه إلى عام 2027، حيث يُتوقع أن يسعى لولاية رئاسية أخرى.
وقال يورج فوتكه، الرئيس السابق لغرفة التجارة التابعة للاتحاد الأوروبي في الصين، إن "الأمر الأكثر أهمية بالنسبة لشي هو الاستقرار. إنه لا يريد خوض حرب تجارية مع الولايات المتحدة، بل يريد السلام والهدوء على هذا الصعيد".
"هيمنة على الذكاء الاصطناعي"
وحضت الصين الولايات المتحدة على التوقف عن "تشويه سمعة" شركات الذكاء الاصطناعي الصينية، والتهديد بفرض عقوبات عليها، قائلة إن مثل هذه الإجراءات تفتقر إلى أساس واقعي وقانوني، وتمثل شكلاً نموذجياً "لهيمنة الذكاء الاصطناعي".
وأدلى متحدث باسم وزارة التجارة الصينية بهذه التصريحات رداً على تقارير تفيد بأن بعض كبار المسؤولين الأميركيين دعوا علناً إلى فتح تحقيقات بشأن شركات الذكاء الاصطناعي الصينية، على خلفية مزاعم بأنها استخدمت تقنية "التقطير" لنماذج أميركية متقدمة، وأن الولايات المتحدة قد تفرض عقوبات على هذه الشركات استناداً إلى مزاعم بـ"سرقة الملكية الفكرية الأميركية"، وفق ما أوردت وكالة الأنباء الصينية "شينخوا".
وقال المتحدث إنه "لطالما عارضت الصين الممارسات الأميركية المتمثلة في تسييس قضايا العلوم والتكنولوجيا والاقتصاد والتجارة واستغلالها، فضلاً عن تشويه سمعة الشركات الصينية وفرض عقوبات عليها بذرائع لا تستند إلى أي أساس".
وأضاف أن "الولايات المتحدة تجاهلت حقائق، منها أن تواريخ إطلاق نماذج الذكاء الاصطناعي التي طورتها الشركات الصينية المعنية جاءت متقاربة للغاية مع تواريخ إطلاق النماذج الأميركية"، وأن "بعض النماذج الصينية بلغت بالفعل مستويات رائدة من حيث القدرات"، معتبراً أن "الابتكار ليس حكراً على أي طرف".
وتابع: "الصين ستتخذ جميع الإجراءات اللازمة رداً على أي إجراءات تلحق ضرراً مادياً بمصالحها، وستحمي بحزم حقوقها ومصالحها المشروعة والقانونية".
نموذج "كيمي كيه 3"
وبدأت التوترات الحالية مع إطلاق "كيمي كيه 3" (Kimi K3)، وهو نموذج جديد للذكاء الاصطناعي طورته شركة "مونشوت إيه آي" (Moonshot AI) الصينية الناشئة.
واتهم مسؤولون أميركيون الشركة باستخدام مخرجات نماذج أميركية رائدة بشكل "غير سليم" للمساعدة في تطوير "كيمي كيه 3"، ما يثير احتمال فرض عقوبات أو قيود على التصدير، وهي اتهامات رفضتها بكين.
وقال جيرارد ديبيبو، مدير قسم الاقتصاد الكلي العالمي في مجموعة "يوراسيا": "إن إطلاق طراز كيه 3، والنقاش اللاحق حول الردود الأميركية المحتملة يجريان بوتيرة أسرع من الاستعدادات المعتادة للقمة". ورجح أن بكين "تأمل على الأقل في تأجيل أي ردود أميركية حتى يتمكن القادة من مناقشة الأمر".
وأفادت "بلومبرغ"، نقلاً عن مصادر مطلعة، بأن نائب وزير الخارجية الصيني ما تشاو شو، زار واشنطن الأسبوع الماضي في مهمة تشمل استطلاع آراء وكالات أميركية بشأن نطاق ذلك الحوار، ونتائجه المحتملة.











