
وجد رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز نفسه في موقف سياسي بالغ الصعوبة، بعدما اجتاح عشرات الآلاف من المهاجرين غير النظاميين جيب سبتة الخاضع للإدارة الإسبانية في شمال إفريقيا، في أزمة كشفت حجم العزلة التي بات يواجهها داخل أوروبا بسبب مواقفه المؤيدة للهجرة، وفقاً لتقرير نشرته "بلومبرغ".
وكان سانشيز يعد أكثر القادة الأوروبيين تبنياً لسياسات تقدمية في ملف الهجرة، مخالفاً التحول الواسع نحو تشديد القيود الذي انتهجه معظم نظرائه الأوروبيين، لكن هذه السياسة جعلته عرضة لانتقادات واسعة عقب وصول نحو 50 ألف مهاجر غير نظامي إلى سبتة.
وخلال تعامل الحكومة الإسبانية مع الأزمة، تعرض سانشيز لسيل من الإدانات والتحذيرات من قادة أوروبيين، تعهد بعضهم بفرض رقابة على الحدود إذا اقتضى الأمر، بل ولوّح آخرون بتعليق مشاركة إسبانيا في منطقة شنجن التي تتيح حرية التنقل داخل الاتحاد الأوروبي.
وقالت رئيسة الوزراء الدنماركية مته فريدريكسن، المنتمية إلى تيار يسار الوسط مثل سانشيز، إن "الاتحاد الأوروبي يجب أن يتخذ فوراً كل الخطوات اللازمة ويدرس جميع الخيارات، بما في ذلك تعليق التعاون في إطار شنجن".
وأضافت: "الهجرة غير المنضبطة تشكل تهديداً لأوروبا وللدنمارك".
دعوات لتشديد السياسة الإسبانية
وربط بعض القادة الأوروبيين موجة الهجرة بالقوانين الإسبانية الأكثر انفتاحاً، بما في ذلك توفير مسارات للحصول على الإقامة لا تتوافر في دول أوروبية أخرى.
وقال رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك، إن بولندا شددت قوانين اللجوء وإجراءات الحدود، وأقامت حواجز فعالة على حدودها مع بيلاروس، مضيفاً: "يتعين على إسبانيا أن تحذو حذونا إذا كان لمنطقة شنجن أن تستمر".
ويرى التقرير أن هذه الانتقادات تعكس مدى ابتعاد سانشيز عن التوجه السائد في أوروبا بشأن أكثر القضايا إثارة للجدل، في وقت يتسابق فيه قادة أوروبيون، بمن فيهم قادة من اليسار، إلى تبني سياسات أكثر صرامة تجاه الهجرة، بالتوازي مع زيادة الإنفاق الدفاعي بمليارات اليوروهات، بينما حافظ سانشيز على نهجه التقليدي.
ورغم الضغوط، تؤكد الحكومة الإسبانية أن من المستبعد جداً أن ينتقل الوافدون الجدد إلى بقية دول أوروبا.
وأوضحت أن نحو نصف المهاجرين عادوا بالفعل إلى المغرب، فيما يُتوقع إعادة البقية قريباً.
وأشار سانشيز، الجمعة، إلى أن عدد محاولات الدخول غير النظامية عبر إيطاليا واليونان ومنطقة البلقان الغربية يفوق ما تشهده إسبانيا.
وكتب على منصة "إكس": "قد يكون التضامن والتعاطف خيارين، لكن احترام المعاهدات الأوروبية والحقائق ليس خياراً".
فرصة لليمين الأوروبي
لكن الأزمة منحت الأحزاب والقادة اليمينيين فرصة لتشديد خطابهم المناهض للهجرة.
وسارعت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني إلى استغلال الأزمة، معلنة فرض إجراءات رقابية على دخول غير مواطني الاتحاد الأوروبي القادمين من إسبانيا.
كما دخل الرئيس الأميركي دونالد ترمب على خط الجدل، في ظل خلافاته السابقة مع سانشيز بشأن الإنفاق الدفاعي في حلف شمال الأطلسي (الناتو) وتهديداته التجارية لإسبانيا.
وقال ترمب خلال اجتماع لمجلس الوزراء: "يبدو الأمر وكأنه غزو لدولة من قبل مئات الآلاف من الأشخاص، وهذا ما سيحدث لنا أيضاً إذا لم يفز الجمهوريون في الانتخابات، بل سيكون أسوأ وأكبر وأسهل".
وفي المقابل، أثارت الأزمة قلق قادة أكثر اعتدالاً، من بينهم رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، والمستشار الألماني فريدريش ميرتس، اللذان دعوا إلى إيجاد حل سريع.
ضغوط متزايدة على سانشيز
وبات رئيس الوزراء الإسباني يواجه ضغوطاً متزايدة داخل أوروبا بسبب سياساته المتعلقة بالهجرة.
وكان سانشيز قد أثار جدلاً أخيراً بعد طرح خطة تمنح تصاريح إقامة لأكثر من مليون مهاجر غير نظامي، ما اضطر الحكومة الإسبانية إلى التأكيد أن تلك التصاريح تخول أصحابها العمل داخل إسبانيا فقط، ولا تمنحهم حق العمل في بقية دول الاتحاد الأوروبي.
ولا تقتصر الخلافات الأوروبية مع سانشيز على ملف الهجرة، فقد رفض أيضاً الالتزام بهدف حلف الناتو القاضي برفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي، لتصبح إسبانيا الدولة الوحيدة بين أعضاء الحلف الـ32 التي امتنعت عن التعهد بتحقيق هذا الهدف، رغم تأكيد مدريد أنها زادت إنفاقها الدفاعي بالقيمة الاسمية أكثر من دول أخرى.
كما أثار تقارب سانشيز مع الصين احتكاكات داخل الاتحاد الأوروبي، الذي يسعى إلى تقليص اعتماده الاقتصادي على بكين.
وتضيف الأزمة تحدياً جديداً أمام سانشيز على الساحة الداخلية، إذ يقود حكومة أقلية هشة، بينما تظهر استطلاعات الرأي تراجعه قبل الانتخابات العامة المقررة عام 2027.
وفي تحول لافت في لهجته، وصف سانشيز، الجمعة، موجة الدخول الجماعي للمهاجرين بأنها "هجوم" و"انتهاك للسلامة الإقليمية لإسبانيا"، وهي تعبيرات نادراً ما يستخدمها الزعيم الاشتراكي الذي طالما قدم نفسه مدافعاً عن سياسات الهجرة.











