حملة مكافحة الفساد تتسع في العراق.. هل تُسترد الأموال؟ | الشرق للأخبار
خاص

حملة مكافحة الفساد تتسع في العراق.. هل تفتح أبواب استرداد الأموال المنهوبة؟

time reading iconدقائق القراءة - 8
مقر هيئة النزاهة الاتحادية في بغداد - واع
مقر هيئة النزاهة الاتحادية في بغداد - واع

لم تعد حملة مكافحة الفساد في العراق تقتصر على ملاحقات متفرقة، بعدما عادت الاعتقالات وأوامر القبض إلى الواجهة بقوة خلال اليومين الماضيين، وطالت شخصيات سياسية ومسؤولين سابقين وحاليين وموظفين، في ملفات تتعلق بالمال العام والعقود الحكومية.

وقال رئيس مجلس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي، الاثنين، إنه "لا خطوط حمراء في ملاحقة الفاسدين"، داعيا مجلس النواب إلى ممارسة دوره الرقابي في دعم جهود الحكومة لمكافحة الفساد وتجفيف منابعه.

وألقت السلطات العراقية في بغداد القبض على محافظ صلاح الدين الأسبق ورئيس حزب "الجماهير الوطنية" أحمد الجبوري، المعروف بـ"أبو مازن"، على خلفية اتهامات بالفساد.

وفي اليوم نفسه، أعلنت السلطات عن القبض على محمد الهجف، أحد المقربين منه، على خلفية ملف يتعلق بالاستحواذ على أموال مرتبطة بعقود في محافظة صلاح الدين.

وفي اليوم التالي، اتسعت دائرة الإجراءات القضائية، إذ صدر أمر قبض بحق وزير العمل والشؤون الاجتماعية السابق أحمد الأسدي، على خلفية شكوى لدى هيئة النزاهة تتعلق بتضخم الأموال والانتفاع من تعاقدات وأشغال مرتبطة بفترة توليه المنصب.

كما طلبت الجهات المختصة رفع الحصانة عن الأسدي، تمهيداً لاتخاذ الإجراءات القانونية بحقه في ملف يتعلق بتعاقدات مرتبطة بوزارة العمل.

ولم تتوقف الإجراءات عند الشخصيات السياسية، إذ أُعلن في 9 أغسطس القبض على مدير عام الشركة العامة للسيارات في وزارة التجارة هاشم السوداني، على خلفية اتهامات بالفساد في عقد مع وزارة الدفاع.

وفي ملف آخر، أعلنت هيئة النزاهة تنفيذ أوامر قبض بحق مديري بلدية الخضر السابق والأسبق و4 موظفين، على خلفية قضية تتعلق بعقود إيجار 81 محلاً عائداً للدولة، في مؤشر على امتداد الملاحقات إلى ملفات فساد إداري ومالي على المستوى المحلي.

حملة تتجاوز الأشخاص

وتعيد التطورات الأخيرة طرح تساؤلات بشأن طبيعة الحملة: هل نحن أمام إجراءات تستهدف ملفات محددة؟ أم أمام مسار أوسع لإعادة فتح ملفات فساد قديمة والوصول إلى شخصيات تتمتع بنفوذ سياسي وإداري؟

وقال رئيس مركز التفكير السياسي إحسان الشمري، لـ"الشرق"، إن الاعتقالات الأخيرة تأتي في سياق مساعي الحكومة لإثبات جديتها في مكافحة الفساد، لا سيما بعد فترة من التباطؤ في هذا الملف.

ويرى الشمري أن استمرار الاعتقالات يمثل مؤشراً على عدم تراجع الحكومة عن حملتها، لكنه حذر من أن تفكيك منظومة الفساد لا يمكن إنجازه خلال ولاية حكومة واحدة، باعتبار أن الفساد أصبح، وفق تعبيره، أشبه بـ"دولة موازية"، ما يتطلب تضافر جهود القضاء وهيئة النزاهة والجهات الرقابية والتنفيذية وغيرها.

وأشار إلى أن أهمية التطورات الأخيرة تكمن في امتداد الملاحقات إلى شخصيات مرتبطة بمستويات سياسية مختلفة، معتبراً أن ذلك قد يعكس توجهاً لتوسيع نطاق الحملة بحيث لا تقتصر على موظفين من الدرجات الدنيا.

لكن الشمري قال إن الاختبار الحقيقي للحملة يتمثل في الوصول إلى ما وصفها بـ"الرؤوس الكبيرة"، وقدرة السلطات على فتح الملفات المتعلقة بهدر الأموال وتهريبها والاستحواذ على مبالغ ضخمة.

اختبار للحكومة والقضاء

ويضع اتساع دائرة الملاحقات الحكومة والقضاء أمام اختبار سياسي وقانوني في آن واحد، خصوصاً مع وصول الإجراءات إلى شخصيات شغلت مناصب سياسية وتنفيذية.

ويرى الشمري أن فتح ملفات الفساد قد يصطدم بمصالح سياسية واقتصادية متشابكة، وأن الضغوط على الحكومة قد تتزايد كلما اقتربت التحقيقات من مراكز نفوذ أكبر.

لكن معيار نجاح الحملة، بحسب رأيه، لا ينبغي أن يكون عدد الاعتقالات أو أوامر القبض، وإنما قدرة الدولة على تحويل هذه الإجراءات إلى ملفات قضائية مكتملة، واسترداد الأموال والأصول، ومنع إعادة إنتاج شبكات الفساد.

اقرأ أيضاً

حملة مكافحة الفساد في العراق.. هل تتحول إلى مواجهة سياسية؟

تتواصل حملة مكافحة الفساد في العراق مع مداهمات جديدة وتحقيقات تطال شخصيات بارزة، فيما يترقب المشهد السياسي مواقف الإطار التنسيقي وتطورات الملف.

وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة مع اتساع الإجراءات خلال يومي 8 و9 أغسطس، إذ لم تعد الملاحقات محصورة في ملف واحد، بل شملت شخصيات سياسية ومسؤولين وملفات عقود حكومية وموظفين محليين.

من الاعتقال إلى استرداد الأموال

وقال الخبير في مكافحة الفساد سعيد ياسين، لـ"الشرق"، إن القيمة الحقيقية لأوامر القبض الأخيرة تكمن، بحسب رأيه، في كونها مؤشراً على تكامل أدوار مؤسسات الدولة في إنفاذ القانون.

ووضع ياسين استرداد الأموال في مقدمة أولويات مكافحة الفساد، داعياً إلى تطوير التعاون القضائي الدولي وإبرام اتفاقيات ثنائية، والحصول على قرارات قضائية في الدول التي يُعتقد بوجود أموال مهربة فيها، تمهيداً لتجميدها وحجزها واستردادها.

وأكد أن مكافحة الفساد لم تعد شأناً داخلياً، في ظل تجاوز الجرائم المرتبطة به، مثل غسل الأموال وتهريب النفط والمخدرات والمقتنيات الثمينة، للحدود، ما يتطلب تعاوناً بين القضاء العراقي وهيئة النزاهة والبنك المركزي والجهات المختصة بمكافحة غسل الأموال والمؤسسات الدولية.

وبالتوازي مع الملاحقات، دعا ياسين إلى معالجة الثغرات التي تتيح وقوع جرائم الفساد، خصوصاً في العقود والمشتريات الحكومية والمناقصات والاستثمار، إلى جانب سن قوانين لاسترداد عائدات الفساد، وضمان الحق في الحصول على المعلومات، وحماية المخبرين والشهود والخبراء.

فاتورة اقتصادية ضخمة

ولا يقتصر أثر الفساد على خزينة الدولة، بل يمتد إلى قدرة الاقتصاد العراقي على تنفيذ المشاريع وتقديم الخدمات.

وقال الخبير الاقتصادي عبد الرحمن المشهداني، لـ"الشرق"، إن الفساد تسبب في أضرار كبيرة للاقتصاد العراقي، مشيراً إلى أن الأموال التي يرى أنها هُرّبت نتيجة عمليات فساد خلال الفترة الممتدة من 2004 إلى 2026 قد تتراوح، بحسب تقديره، بين 600 و800 مليار دولار.

ويربط المشهداني جانباً كبيراً من الخسائر بالمشاريع الوهمية أو المتلكئة أو المنفذة بمواصفات تقل عن المطلوب، فضلاً عن تضخيم تكاليف بعض العقود، معتبراً أن آثار ذلك ظهرت في قطاعات التعليم والإسكان والطرق والصناعة والخدمات.

واعتبر أن استمرار حملة الاعتقالات قد يفتح الباب أمام استرداد مبالغ مهمة، لكن الخطوة الأهم بعد القبض على المتهمين هي تتبع الأموال والأصول، لأن الاعتقال وحده لا يعيد ما خسرته الدولة.

وتأتي التطورات الأخيرة في سياق حملة أوسع بدأت خلال الأشهر الماضية، وكان من أبرز ملفاتها التحقيقات المرتبطة بوكيل وزارة النفط لشؤون التصفية عدنان الجميلي.

وأعلنت السلطات القضائية في وقت سابق ضبط مبالغ مالية وعقارات وأصول أخرى في إطار التحقيقات المرتبطة بالملف، كما صدرت قرارات بالحجز على عقارات ومعامل وشاحنات مرتبطة بالقضية.

لكن اللافت في تطورات أغسطس هو انتقال الحملة إلى ملفات وشخصيات جديدة، ما يعيد طرح التساؤل بشأن ما إذا كانت التحقيقات السابقة قد قادت إلى خيوط جديدة، وما إذا كانت الاعترافات والملفات المتراكمة ستقود إلى مستويات أعلى.

ما بعد أوامر القبض؟

وبينما تواصل السلطات العراقية إجراءاتها، لا يتعلق التحدي الأكبر بإصدار أوامر القبض فقط، بل بما سيأتي بعدها: التحقيق، والإحالة إلى القضاء، وإثبات المسؤولية وفق القانون، ثم استرداد الأموال والأصول.

كما أن التوسع في الملاحقات يفرض على السلطات تقديم معلومات رسمية دقيقة، خصوصاً أن القضاء سبق أن حذر من تداول أسماء أو معلومات غير دقيقة بشأن قضايا الفساد.

وعليه، لم يعد السؤال فقط: من اعتُقل؟ بل أصبح: ماذا سيحدث للأموال؟ وإلى أين ستصل التحقيقات؟ وهل تستطيع الدولة الوصول إلى المستويات العليا من شبكات الفساد؟، فنجاح الحملة لن يقاس بعدد أوامر القبض، وإنما بقدرتها على تحويل الاعتقالات إلى أحكام قضائية تستند إلى أدلة، وتحويل الأموال المضبوطة والمستردة إلى موارد تعود للدولة، وسد الثغرات التي سمحت بتكرار عمليات الفساد.

وبذلك تبدو حملة أغسطس أمام اختبار مزدوج، إثبات سيادة القانون من جهة، وإثبات قدرة الدولة على استرداد المال العام من جهة أخرى.

تصنيفات

قصص قد تهمك