
تتجه الأنظار في السودان إلى مشاورات سياسية ومجتمعية جارية، تمهيداً لإطلاق حوار سوداني- سوداني مرتقب خلال أغسطس وسبتمبر، وسط مساعٍ يقودها رئيس مجلس السيادة الانتقالي وقائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان، لتهيئة المناخ السياسي وفتح قنوات تواصل مع قوى سياسية ومجتمعية مختلفة.
وتأتي هذه التحرّكات في وقت يعيش فيه السودان حرباً مستمرة وأزمة إنسانية وسياسية عميقة، وسط تباين واسع بين القوى السودانية بشأن شكل المرحلة المقبلة، وشروط وقف الحرب، وترتيبات الانتقال السياسي، ومستقبل مؤسسات الدولة.
ووفقاً لمصادر سياسية، شملت المشاورات التي أجراها البرهان، قوى سياسية، وقيادات مجتمعية، وشخصيات مستقلة، وفنيين، وقيادات من الطرق الصوفية والإدارات الأهلية، وممثلين عن منظمات المجتمع المدني، بهدف بحث أجندة الحوار، وتوسيع قاعدة المشاركة وإجراءات بناء الثقة.
كما تشمل الاتصالات قوى مدنية وسياسية أخرى، بينها تحالف القوى الديمقراطية المدنية "صمود"، سعياً إلى التوصل لصيغة أكثر شمولاً للحوار، فيما تظل هوية الأطراف المشاركة والقضايا المطروحة والضمانات المطلوبة لإنجاح العملية، من أبرز نقاط الخلاف.
وتمتد الأسئلة إلى مدى قدرة الحوار على إنتاج مسار سياسي حقيقي، وما إذا كان يمكن أن يتحول إلى منصة لتقريب مواقف القوى السودانية بشأن الحرب والسلام ومستقبل الدولة، أم سيبقى مجرد مشاورات سياسية إضافية في ظل استمرار العمليات العسكرية والانقسامات العميقة.
ويطرح الحديث عن إجراءات لبناء الثقة، من بينها مراجعة بعض البلاغات والإجراءات القانونية، تساؤلات بشأن قدرة هذه الخطوات على إقناع القوى السياسية والمدنية المترددة بالمشاركة، وما إذا كانت ستتبعها إجراءات أوسع تضمن بيئة سياسية أكثر انفتاحاً.
كما تبرز قضية المشاركة باعتبارها الاختبار الأهم أمام الحوار، خاصة مع استبعاد المؤتمر الوطني وتحالف "تأسيس" التابع لقوات "الدعم السريع"، وما يثيره ذلك من نقاش بشأن معايير المشاركة، وحدود الإقصاء السياسي، وكيفية تحقيق حوار يُنظر إليه باعتباره سودانياً وشاملاً.
وقف الحرب والمصالحة الوطنية
ويرى رئيس حزب "الأمة" مبارك الفاضل المهدي، أن تهيئة المناخ لأي حوار سياسي ينبغي أن تبدأ بقبول البرهان بالمصالحة الوطنية الشاملة ووقف الحرب وفقاً للمشروع الأميركي، إلى جانب الدخول في مفاوضات بشأن الترتيبات الأمنية، وصولاً إلى بناء جيش مهني واحد بعيد عن السياسة والنشاط التجاري والاقتصادي.
ودعا الفاضل المهدي قيادة الجيش إلى "تسليم الحكم للمدنيين، عبر اتفاق شامل يصدر عن مؤتمر للحوار يضم مختلف القوى السودانية، على أن يُعقد المؤتمر في مقر دولي أو إقليمي خارج السودان وبحياد تام، مع مشاركة وفد يمثل القوات المسلحة بصفة مراقب".
وقال إن اختزال تهيئة المناخ في إلغاء البلاغات ومذكرات القبض الدولية بحق قادة سياسيين بسبب مواقفهم الرافضة للحرب والداعية إلى السلام والتحول الديمقراطي، مع استمرار النظام الذي أصدرها، لا يحقق التهيئة الحقيقية المطلوبة للحوار.
واعتبر أن هذه البلاغات ومذكرات القبض الدولية غير دستورية وتتعارض مع الأعراف الدولية، مؤكداً أنها لم تؤثر على تحركات ومواقف السياسيين المستهدفين، ومن بينهم هو شخصياً، مشيراً إلى أنها أساءت إلى الجهات التي أصدرتها وأظهرت ضعفها.
"صمود" يرفض المشاركة
في المقابل، أعلن التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة "صمود" رفضه المشاركة في أي ترتيبات تتعلق بحوار سياسي داخلي في السودان، مؤكداً أنه لم يتلقَّ أي اتصال رسمي أو غير رسمي بشأن المبادرة المتداولة، ولم يشارك في أي ترتيبات مرتبطة بها.
وقال التحالف في بيان، إن تصاعد الحديث عن الحل السياسي يؤكد صحة موقفه الثابت منذ اندلاع الحرب، والقائل بعدم وجود حل عسكري للأزمة السودانية، مشيراً إلى أن إطالة أمد الحرب فاقمت معاناة المدنيين.
وشدد "صمود" على أن أي عملية سياسية ينبغي أن يكون هدفها الأول وقف الحرب ومعالجة الكارثة الإنسانية، وصولاً إلى سلام مستدام وانتقال مدني ديمقراطي، معتبراً أنه لا يمكن فصل المسار السياسي عن المسارين الأمني والإنساني.
كما طالب التحالف بأن تكون العملية السياسية مستقلة عن هيمنة أطراف الحرب، محذراً من أن إجراء حوار داخل مناطق سيطرة الجيش من شأنه، بحسب تقديره، تجاهل واقع الانقسام العسكري في البلاد وترسيخ تقسيمها والتفريط في وحدة أراضيها وشعبها.
خلاف بشأن المشاركين
ورفض "صمود" مشاركة المؤتمر الوطني، والحركة الإسلامية وواجهاتهما في أي عملية سياسية تهدف إلى تحقيق السلام، متهماً تلك القوى بـ"إشعال الحرب، وعرقلة جهود وقفها"، ودعا إلى اتخاذ موقف واضح منها وعدم منحها دوراً في العملية السياسية.
وأكد المتحدث باسم "صمود"، بكري الجاك، عدم وجود نية للحوار مع المؤتمر الوطني، رافضاً مشاركته في تقرير مصير البلاد، مع التأكيد على حق أعضائه، كمواطنين، في المشاركة في صناعة الدستور.
واعتبر أن عودة الحزب إلى الحياة العامة تتطلب إجراء مراجعات، والتخلي عن العنف ومحاولات السيطرة على مؤسسات الدولة والأجهزة الأمنية، والاعتذار للشعب السوداني، مشدداً على رفض إعادة إنتاج تجربة الإنقاذ عبر الحرب.
ونفى الجاك أن يكون "صمود" قد وضع شروطاً للمشاركة في مشاورات الآلية الخماسية (المعنية بالملف السوداني)، موضحاً أن التحالف طلب التشاور بشأن الأجندة، والأطراف قبل الاجتماعات.
وتضم الآلية الخماسية كلاً من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية، والاتحاد الإفريقي، والهيئة الحكومية للتنمية في شرق إفريقيا (إيجاد)، وتعمل منذ أشهر على تقريب وجهات النظر بين الأطراف السودانية، ودعم الجهود الرامية إلى وقف الحرب واستئناف المسار السياسي.
وانتقد الجاك تحديد أطراف الحوار مسبقاً قبل تشكيل اللجنة التحضيرية، التي يُفترض أن تحدد معايير المشاركة والمشاركين، مؤكداً استمرار التواصل مع الآلية، وعدم وجود اتجاه لمقاطعتها، مع طلب عقد اجتماع معها.
حوار داخل السودان
بدوره، قال رئيس قوى الحراك الوطني التجاني سيسي، في تصريحات صحافية عقب لقاء البرهان، في إطار مبادرته للحوار السوداني، إن رئيس مجلس السيادة أكد عزم الدولة عقد الحوار السوداني داخل البلاد، بعد تهيئة البيئة المناسبة لانطلاقه.
وأوضح سيسي أن قوى الحراك الوطني أكدت خلال اللقاء ضرورة الالتزام بمبدأ الحوار عبر لجنة وطنية يتم التوافق عليها، على أن يُعقد الحوار داخل السودان وفق عملية سودانية خالصة، تتناول القضايا الكلية وأبعادها منذ استقلال السودان.
وأشار إلى أن الحوار يهدف إلى التمهيد لمرحلة انتقالية تأسيسية، ووضع الترتيبات الدستورية اللازمة لإدارة الفترة الانتقالية، بما يتيح معالجة القضايا الوطنية بصورة شاملة.
شروط لبناء الثقة
وقال القانوني عبد المطلب الختيم لـ"الشرق"، إن بناء الثقة لا يمكن اختزاله في مجرد مراجعة البلاغات أو وقف الإجراءات القانونية في مواجهة قادة القوى السياسية والمدنية، معتبراً أن هذه الإجراءات، حتى في أفضل الأحوال، تظل محدودة ولا تعالج أصل الأزمة، خصوصاً في ظل استمرار الحرب.
وأوضح الختيم أن السؤال الجوهري، من منظور قانوني، لا يتمثل فقط فيما إذا كانت البلاغات قد أُوقفت أم لا، وإنما في الأساس الدستوري والقانوني الذي أُنشئت بموجبه تلك الإجراءات، ومدى مشروعية السلطة التي اتخذتها، وما إذا كان القانون قد استُخدم باعتباره أداة لتحقيق العدالة، أم جرى توظيفه في الصراع السياسي كوسيلة للإقصاء والضغط وإعادة تشكيل المجال العام.
وأضاف أن المطلوب ليس تقديم إجابات أو إجراءات جزئية، وإنما اتخاذ قرارات سياسية وقانونية وأمنية أكبر من شأنها تهيئة المناخ الملائم للحوار، وفي مقدمتها وقف الحرب، وفتح مسار لمصالحة وطنية شاملة، وحوار سياسي يبحث جذور الأزمة التي أنتجت الحرب، بدلاً من الاكتفاء بترتيبات سياسية انتقالية تعيد إنتاج ذات المشهد الذي قاد إلى الأزمة، وتُبقي قطاعات واسعة من البلاد خارج دائرة أي ترتيبات سياسية مقبلة.
وأشار الختيم إلى أن القضية، من الناحية القانونية، أعمق من مجرد وقف بعض البلاغات، موضحاً أن المطلوب هو مراجعة الأساس الدستوري والقانوني الذي سمح بتوظيف أدوات العدالة في الصراع السياسي، خصوصاً أن بعض البلاغات والإجراءات، بحسب تقديره، لا تستند إلى حيثيات قانونية متسقة مع حقائق الواقع.
وأكد أن ذلك يستوجب معالجة الاختلالات التي طالت الشرعية الدستورية وسيادة القانون واستقلال المؤسسات العدلية، مشدداً على أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في كيفية إغلاق بعض البلاغات، وإنما في كيفية إعادة بناء الشرعية الدستورية والقانونية للدولة، بعد ما تعرضت له مؤسساتها من اختلالات عميقة بفعل الحرب والصراع السياسي.
وقال الختيم إن مثل هذه الخطوات لا يمكن أن تكتمل في ظل استمرار الحرب، محذراً من أن أي قرارات من هذا النوع قد تُقرأ باعتبارها تدبيراً سياسياً تكتيكياً للاستقواء وتجديد الطاقة للاستمرار في مسار الحرب، بدلاً من أن تكون مدخلاً حقيقياً لمعالجة جذور الأزمات التي أنتجتها.
وشدد على أن المطلوب ليس إغلاق بعض الملفات القانونية فحسب، وإنما وضع إطار قانوني وعدلي متكامل لمعالجة تركة الحرب والانتهاكات، بما يضمن الحقيقة والمساءلة وجبر الضرر وإصلاح المؤسسات، معتبراً أن الوصول إلى هذه الغاية لن يكون ممكناً بصورة مستدامة إلا عبر وقف الحرب والشروع في عملية سلام شاملة.
لا سلام دون معالجة جذور الأزمة
وقالت المحللة السياسية والأستاذة بجامعة النيلين فاطمة عثمان الأمين لـ"الشرق" إن السودان في ظل حالة التردي والانهيار والانقسام التي يعانيها، لا يمكنه إطفاء أزماته من خلال تسويات نخبوية تطوي مظاهر الأزمة وتُبقي على جوهرها، وإنما يحتاج إلى معالجة جذور أزماته السياسية والعسكرية والاجتماعية والقانونية، وإعادة تأسيس الدولة على قاعدة يكون فيها الدستور فوق السلطة، والقانون فوق الصراع، والعدالة مستقلة عن الاصطفاف السياسي.
ورأت عثمان أن الحديث عن بناء الثقة في ظل استمرار الحرب يبدو منفصلاً عن الواقع، لأن الحوار السياسي الجاد، بحسب قولها، لا يمكن أن يبدأ من هامش الأزمة بينما تستمر أسبابها الأساسية، وفي مقدمتها الحرب والقتال، في إنتاج العنف والانتهاكات والانقسام والدمار والمآسي الإنسانية.
وأكدت أن تهيئة مناخ الحوار تبدأ بقرارات سياسية وأمنية وقانونية كبرى، وفي مقدمتها وقف الحرب والانتهاكات، وتهيئة شروط العودة إلى المجال المدني، واستعادة سلطان الدولة وسيادة القانون، ثم الانتقال إلى حوار وطني يبحث في جذور الأزمة التي أنتجت الحرب، وليس مجرد التفاوض حول ترتيبات السلطة بين النخب السياسية والعسكرية.
وشددت عثمان على أن معالجة الأزمة السودانية تتطلب إعادة تأسيس الدولة ومؤسساتها على قواعد دستورية وقانونية تضمن استقلال العدالة وسيادة القانون، وتضع حداً لاستخدام المؤسسات العدلية في الصراع السياسي، بما يمهد الطريق أمام سلام شامل ومصالحة وطنية حقيقية.
واندلعت الحرب بين الجيش السوداني وقوات "الدعم السريع" في منتصف أبريل 2023، بعد صراع على السلطة خلال فترة انتقالية كان من المفترض أن تفضي إلى إجراء انتخابات للتحول إلى حكم مدني.










