
تتجه الولايات المتحدة إلى إنهاء مهمة وحدة عسكرية متخصصة في القتال بالمسيّرات والروبوتات، بعد أشهر من إنشائها للاستفادة من دروس الحرب في أوكرانيا وتطوير تكتيكات جديدة، حسبما أفادت به صيحفة "وول ستريت جورنال".
ويأتي القرار ضمن توجه يقوده القائم بأعمال رئيس أركان الجيش الأميركي كريستوفر لانيف نحو "العودة إلى الأساسيات". وكانت الكتيبة إحدى المبادرات الرئيسية، التي أطلقها سلفه الجنرال رندي جورج، الذي أقاله وزير الحرب بيت هيجسيث في أبريل الماضي.
وأثار قرار إنهاء مهمة وحدة الهجوم بالمسيّرات انتقادات من خبراء عسكريين، يرون أن الخطوة قد "تبطئ مساعي الجيش الأميركي للتفوق في حرب المسيّرات"، التي أحدثت تحولاً جذرياً في ساحات القتال في أوكرانيا والشرق الأوسط.
وقال مايكل أوهانلون، الخبير الدفاعي في مؤسسة "بروكينجز"، إن أوكرانيا "أحدثت ثورة في القتال القريب"، مضيفاً أن الجنرال جورج كان قد بدأ يستوعب هذه الحقيقة، وأن أي تراجع في هذا المسار سيكون "مؤسفاً وخطيراً".
ولم يوضح الجيش كيف يعتزم تسريع قدراته في مجال حرب المسيّرات بعد إنهاء مهمة الكتيبة.
تسريع الهيمنة الأميركية
وقال متحدث باسم الجيش إن المؤسسة "ملتزمة بتسريع الهيمنة الأميركية في مجال المسيّرات لمواجهة متطلبات العمليات القتالية واسعة النطاق"، لكنه رفض الكشف عن خططها المستقبلية.
وأضاف أن الجيش "يختبر بشكل صارم مجموعة واسعة من التقنيات غير المأهولة والمضادة للمسيّرات في الميدان"، مشيراً إلى أن هذه الأنظمة الجوية "تمثل في نهاية المطاف أدوات تمكّن الجنود وتدعمهم".
وفي مذكرة وجهها إلى القوات الأربعاء، عرض لانيف رؤيته لمستقبل الجيش، مشيراً إلى أن القوات الأميركية يجب أن تكون مستعدة لمواجهة "أكثر التحديات تعقيداً" التي يمكن أن يفرضها الخصوم، وأن تتقن بيئة عمليات "تختلف بصورة جوهرية عن ساحات القتال في الماضي".
وفي وثيقة مرفقة حملت اسم (Army Azimuth) اطلعت عليها صحيفة "وول ستريت جورنال"، تعهد لانيف بمواصلة تغيير الجيش وإنشاء وحدات مزودة بتقنيات متقدمة في مجالات الحرب السيبرانية والحرب الإلكترونية والذكاء الاصطناعي.
ومنذ إقالة جورج، أبدى هيجسيث دعماً واضحاً للانيف، الذي عمل مساعداً عسكرياً أول لوزير الحرب في عام 2025، قبل أن يتولى منصب نائب رئيس أركان الجيش في فبراير.
لكن احتمال تولي لانيف منصب رئيس أركان الجيش بشكل دائم واجه معارضة من جمهوريين وديمقراطيين على حد سواء، بحسب ما أوردته الصحيفة سابقاً.
ورغم أن لانيف يشغل المنصب بصورة مؤقتة، فإن ذلك لم يمنعه من ترك بصمته على الجيش. ويقول خبراء قانونيون إنه يستطيع الاستمرار في منصب القائم بالأعمال إلى أجل غير محدد، لأنه مثبت في منصب نائب رئيس أركان الجيش، وهو منصب لا يخضع للقيود الزمنية المفروضة على شاغلي المناصب الحكومية بالوكالة.
تغييرات تتجاوز المسيّرات
منذ توليه قيادة الجيش، اتخذ لانيف سلسلة من القرارات التي تتجاوز ملف المسيّرات، وكان بعضها مرتبطاً بشكل مباشر بالانتشار العسكري الأميركي في أوروبا، حيث سبق أن خُفض عدد ألوية القتال الأميركية في عهد الرئيس دونالد ترمب.
وتحت قيادة لانيف، ينقل الجيش "قوة المهام متعددة المجالات" من أوروبا إلى كوريا الجنوبية، وفق مسؤولين عسكريين.
وتضم هذه الوحدة قدرات متخصصة في الحرب السيبرانية والاستخبارات وأنظمة القتال الحديثة، وكانت عنصراً مهماً في القدرات العسكرية الأميركية في أوروبا.
كما أعاد لانيف تكليف الفيلق المدرع الثالث، المتمركز في فورت هود بولاية تكساس، والذي كان يركز على تعزيز القوات الأميركية في أوروبا، للعمل ضمن القيادة الأميركية الجديدة الخاصة بـنصف الكرة الغربي.
وتسببت بعض أوامر لانيف في توتر مع وزير الجيش دان دريسكول، الذي كان يعمل بشكل وثيق مع جورج. وكان دريسكول وهيجسيث على خلاف منذ أشهر بشأن إقالة كبار قادة الجيش والتغييرات التي طرأت على المؤسسة العسكرية وغيرها من الملفات.
كما دخل لانيف ودريسكول في خلاف هذا الصيف بشأن مساعي الأول لإعادة صياغة معايير اللياقة البدنية في الجيش، فبموجب توجيهات لانيف، استبدل الجيش جداول الطول والوزن التقليدية واختبارات قياس محيط الجسم بمعيار جديد يعتمد على نسبة محيط الخصر إلى الطول، بحيث تقل عن 0.55.
وطالب دريسكول بالإبقاء على إعفاء للجنود الذين يحققون نتائج مرتفعة في اختبار اللياقة البدنية للجيش، بحجة أن النظام الجديد قد يعاقب بصورة غير عادلة الجنود ذوي البنية الجسدية القوية والممتلئة. لكن لانيف تمسك بموقفه، ولم يتضمن النظام الجديد هذا الإعفاء، فيما بقيت الإعفاءات الخاصة بالجنود الحوامل والنساء بعد الولادة سارية.
وأشاد الجنرال المتقاعد كيث كيلوج، الذي خدم في إدارتي ترمب الأولى والثانية، بلانيف، قائلاً إنه "يدفع بقوة نحو فرض المعايير"، وإن هذه "نقطة قوته"، واصفاً إياه بأنه "لا يتهاون عندما يتعلق الأمر بمصلحة القوات". وكان كيلوج قد أوصى هيجسيث بتعيين لانيف.
ويرى منتقدون داخل الإدارة وخارجها أن رئيس الجيش بالوكالة يسعى إلى التخلص من المبادرات التي طورها جورج وفريقه، رغم أن بعض الضباط الحاليين والسابقين يرون أن تلك المبادرات ضرورية.
وفي الوقت نفسه، تعهد هيجسيث بالتغلب على التفوق الصيني في تطوير المسيّرات، من خلال برنامج استثماري بقيمة 1.1 مليار دولار يتجاوز الجيش ليشمل أيضاً مشاة البحرية وقيادة العمليات الخاصة، بهدف تزويدها بتكنولوجيا جديدة للمسيّرات.
لماذا أُنشئت كتيبة المسيّرات أصلاً؟
جاء إنشاء وحدة الجيش الخاصة بالمسيّرات بعد جهود مكثفة من قادة الجيش لدراسة دروس الحرب الروسية في أوكرانيا.
وكان جورج ودريسكول والجنرال كريس دوناهيو، الذي كان آنذاك القائد الأعلى للجيش الأميركي في أوروبا، قد سافروا إلى كييف في نوفمبر للقاء قادة وحدات المسيّرات الأوكرانية.
وكان جورج قد بدأ بالفعل العمل على تحويل ألوية المشاة في الجيش إلى قوات مناورة تضم وحدات مجهزة بمسيّرات للاستطلاع والهجوم.
لكن مع دخول المسيّرات والروبوتات البرية بقوة إلى ساحات القتال، رأى جورج أن الجيش بحاجة إلى التحرك بشكل أكبر وأسرع. وتمتلك كل من روسيا وأوكرانيا وحدات قتالية خاصة بالمسيّرات وأفرعاً عسكرية مخصصة للحرب باستخدام المسيّرات والروبوتات.
وفي نوفمبر الماضي، قرر الجيش إنشاء "كتيبة الأنظمة التكتيكية غير المأهولة" لدراسة دروس الحرب في أوكرانيا وتطوير مفاهيم جديدة للقتال باستخدام المسيّرات والروبوتات لدعم لواء قتالي أكبر، على أمل أن تسهم الوحدة في ابتكار أساليب يمكن تعميمها في مختلف أفرع الجيش.
وتضم الكتيبة نحو 600 جندي، وأُنشئت رسمياً في يناير باستخدام قوات من اللواء 173 المحمول جواً، وحملت اسم الكتيبة الثالثة من فوج المشاة المظلي 504، في إشارة إلى التاريخ العريق للجيش الأميركي خلال الحرب العالمية الثانية.
ولم يكن قد حُدد عند إنشائها موعد لإنهاء مهمتها الخاصة بالهجوم باستخدام المسيّرات.
كما تناوب عدد محدود من أفراد الوحدة سراً على الخدمة في كييف، حيث التقوا بنظرائهم الأوكرانيين، وشاركت الكتيبة في تدريبات مع مشغلي المسيّرات الأوكرانيين في مناطق تدريب تابعة لحلف الناتو.
وفي الربيع الماضي، لعبت القوات الأوكرانية دور خصم افتراضي خلال تدريب عسكري، وتمكنت مسيّراتها من التفوق على لواء قتالي أميركي كان ينتشر في أوروبا.
وكان دور الكتيبة جزءاً من حملة أوسع أطلق عليها جورج اسم "التحول أثناء الاحتكاك"، وتهدف إلى تسريع التغيير من خلال إشراك الجنود الموجودين في الميدان في تقييم التكنولوجيا الناشئة وتطوير التكتيكات، بدلاً من ترك هذه القرارات لأفراد يعملون بعيداً عن ساحات القتال.









