
أنفقت بكين، على مدى سنوات، عشرات المليارات من الدولارات لبناء أكبر مخزون نفطي في العالم، في خطوة منحتها نفوذاً واسعاً في سوق الطاقة العالمية، ووفرت لها "أداة دفاعية جديدة" في مواجهة الغرب، ظهرت أولى نتائجها مع اندلاع الحرب الأميركية على إيران، وفقاً لما أوردته صحيفة "وول ستريت جورنال".
وبحسب الصحيفة، تجاوزت احتياطيات الصين النفطية العام الماضي نظيرتها الأميركية بنحو 600 مليون برميل، ما أتاح لبكين خفض وارداتها النفطية بشكل حاد مع اندلاع الحرب، وساعد على كبح ارتفاع أسعار الخام عالمياً وحماية اقتصادها.
وأظهرت أزمة إيران أن سياسة الصين في مجال الطاقة منحت بكين "أداة مهمة" يمكن استخدامها في سيناريوهات أخرى، بينها احتمال اندلاع حرب بشأن تايوان، في ظل مخاوف صينية طويلة الأمد من اعتماد البلاد على نفط مستورد يمر عبر مضائق استراتيجية قد تكون عرضة للإغلاق خلال الأزمات.
احتياطيات ضخمة وغير معلنة
وأضافت الصحيفة أن مخزونات الصين، إلى جانب تحولها بوتيرة أسرع من المتوقع بعيداً عن الوقود الأحفوري، جعلت منها أحد أكثر المشترين قدرة على التأثير في توازن أسواق الطاقة العالمية، وفق الصحيفة.
وتراجعت واردات الصين من النفط الخام بنسبة 23% بين مارس ويوليو مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، ما ساعد على منع ارتفاع أكبر في أسعار الخام.
ويعزز ذلك قدرة بكين على استخدام خفض الواردات أداة ضغط أو حماية في مواجهة أي محاولة أميركية أو غربية لعرقلة شحنات الطاقة إليها، خصوصاً أن معظم وارداتها النفطية مرت في السنوات الأخيرة عبر مضيق ملقا، أحد أبرز نقاط الاختناق الاستراتيجية في تجارة الطاقة.
ولا تكشف الصين حجم احتياطياتها النفطية الاستراتيجية أو استهلاكها الفعلي من النفط، ما يدفع المحللين إلى الاعتماد على مؤشرات غير مباشرة، مثل تشغيل المصافي وصافي واردات المنتجات المكررة.
وتقدّر "وول ستريت جورنال" نقلاً عن محللين أن إجمالي احتياطيات الصين النفطية يتراوح بين مليار و1.4 مليار برميل، بما يعادل نحو 120 يوماً من الواردات.
وبدءاً من عام 2024، سرّعت الصين عمليات التخزين، إذ زادت احتياطياتها بوتيرة تراوح، وفق بعض التقديرات، بين مليون و1.2 مليون برميل يومياً، بالتزامن مع ارتفاع وارداتها من النفط الروسي والإيراني، مستفيدة من خصومات كبيرة مع توسع استخدام ما يُعرف بـ"أسطول الظل".
سنوات من الاستعداد
وجعلت الصين أمن الطاقة أولوية وطنية منذ عام 2014، فيما ساعد الدعم الحكومي الواسع للطاقة المتجددة على تقليص الاعتماد على النفط في توليد الكهرباء، بحسب الصحيفة.
وخلال النصف الأول من هذا العام، جاء نحو خمسي إجمالي توليد الكهرباء في الصين من مصادر متجددة، كما شكّلت مركبات الطاقة الجديدة نصف السيارات الجديدة المبيعة في البلاد.
وساعد انتشار السيارات الكهربائية منخفضة التكلفة وشبكات الشحن والسكك الحديدية عالية السرعة المستهلكين الصينيين على التحول إلى بدائل أخرى عند ارتفاع أسعار الوقود، إذ انخفضت حركة المرور على الطرق بنحو 2% بين يناير ويوليو، بينما ارتفع عدد ركاب السكك الحديدية 4%.
كلفة اقتصادية
رغم المكاسب الاستراتيجية، يقول محللون إن الصين، التي كانت تعتمد على الواردات لتأمين 70% من احتياجاتها من النفط الخام قبل الحرب، لا تستطيع إبقاء وارداتها عند هذه المستويات المنخفضة إلى الأبد.
وتشير الصحيفة إلى أن تقييد تدفقات النفط عبر مضيق هرمز لفترة أطول سيجبر المسؤولين الصينيين على الموازنة بين دعم النمو الاقتصادي والحفاظ على المخزونات، بينما يضغط تراجع صادرات المنتجات عالية الربحية مثل الديزل والبنزين على المصافي وقطاعي التصنيع والتصدير.
ويقدّر لاري هو، كبير الاقتصاديين المعنيين بالشأن الصيني في مجموعة "Macquarie"، أن 90% من تباطؤ الإنتاج الصناعي في الربع الثاني ارتبط بسلسلة النفط والبتروكيماويات.
وبدءاً من عام 2024، سرّعت الصين عمليات تخزين النفط، إذ زادت احتياطياتها بمعدل يتراوح، بحسب بعض التقديرات، بين مليون و1.2 مليون برميل يومياً. وكانت واردات البلاد من النفط الخام الروسي والإيراني قد ارتفعت قبل ذلك بعام، في 2023، عندما كثّف البلدان استخدام "أسطول الظل" للالتفاف على العقوبات وبيع نفطهما بخصومات كبيرة.










