
رفض الناخبون في آيسلندا استئناف مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، في انتكاسة لمساعي الحكومة لإعادة فتح ملف العضوية، بعدما انحاز الناخبون إلى مخاوف تتعلق بالسيادة والسيطرة على مياه الصيد.
ومن المرجح أن تخيب نتيجة الاستفتاء آمال بروكسل، إذ كان يرى بعض مسؤولي الاتحاد الأوروبي أن انضمام آيسلندا للتكتل، على عكس أوكرانيا، "منخفض المخاطر"، وأنه يمكن أن يساعد في تخفيف التحفظات الدولية تجاه توسع الاتحاد، ويعزز موقعه الاستراتيجي، فيما يتزايد فيه التركيز على أمن القطب الشمالي.
وكانت الحكومة قد قدمت خطة استئناف مفاوضات العضوية باعتبارها لحظة "الآن أو أبداً"، وقالت رئيسة الوزراء كريسترون فروستادوتير، للناخبين في أغسطس إن التصويت بـ"لا" سيضع حداً للتكهنات بشأن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.
وأظهرت نتائج الاستفتاء تقدم جبهة الرافضين بفارق ضئيل في وقت مبكر، الأحد، في اقتراع شديد التقارب يعكس انقساماً حاداً بشأن مستقبل علاقة البلاد بالتكتل.
وقالت رئيسة الوزراء كريسترون فروستادوتير، بعد الإدلاء بصوتها، السبت، إن حملة الاستفتاء أثارت نقاشاً أوسع بشأن مكانة آيسلندا في العالم. وأضافت: "هذا يوم عظيم، انتظرنا لسنوات حتى نتمكن من التصويت"، مؤكدة أن حكومتها ستواصل عملها بغض النظر عن النتيجة.
وأظهر استطلاع أجرته مؤسسة "جالوب" عشية التصويت، أن 51.6% عارضوا استئناف المحادثات مقابل 48.4% أيدوها، في تحول طفيف عن استطلاعات سابقة أظهرت تقدماً محدوداً للمؤيدين.
وأشارت بيانات حكومية أوردتها مجلة "بوليتيكو" إلى إقبال مرتفع، إذ تراوحت نسبة المشاركة بين نحو 60% في العاصمة ريكيافيك، وأكثر من 80% في بعض المناطق الريفية. ويبلغ عدد سكان آيسلندا أقل من 400 ألف نسمة.
استفتاء على المفاوضات لا العضوية
ويقول المؤيدون إن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي قد يخفف من ارتفاع أسعار الفائدة ويوفر مزيداً من الأمن في ظل الاضطرابات الجيوسياسية، فيما يرى المعارضون أن الخطوة قد تهدد سيادة البلاد وسيطرتها على مياه الصيد وقطاعاتها الزراعية.
ولا يعني التصويت بالموافقة انضمام آيسلندا مباشرة إلى الاتحاد الأوروبي، بل منح الحكومة تفويضاً لاستئناف المفاوضات مع بروكسل. وإذا تم التوصل إلى اتفاق، فسيتعين عرضه على استفتاء شعبي ثانٍ، إلى جانب موافقة جميع الدول الأعضاء في الاتحاد، وفق مجلة "بوليتيكو".
ورغم أن الاستفتاء استشاري، قالت الحكومة إنها ستلتزم بنتيجته، بحسب "بلومبرغ". وتشير تقديرات لوزارة الخارجية إلى أن المحادثات قد تبدأ بحلول نهاية 2026 وتستغرق بين 18 و24 شهراً.
أسعار الفائدة وتكاليف المعيشة
وتركز النقاش داخل آيسلندا بدرجة أكبر على أسعار الفائدة وحقوق الصيد وتكاليف المعيشة. وتعاني البلاد تضخماً مرتفعاً وأسعار فائدة جعلت الرهون العقارية باهظة الكلفة، ويقول المؤيدون إن الانضمام إلى الاتحاد وربما اعتماد اليورو قد يخففان من الأزمة.
ويبلغ سعر الفائدة لدى البنك المركزي الآيسلندي 8%، مقارنة مع 2.25% لدى البنك المركزي الأوروبي. ووفق "بلومبرغ"، يعد المعدل الأعلى في أوروبا الغربية، فيما ظل التضخم فوق مستهدف البنك المركزي البالغ 2.5% منذ 2020.
وقال فيلهالمور هيلمارسون، كبير الاقتصاديين في نقابة "فيسكا": "لن يحل ذلك الاختلالات الهيكلية في آيسلندا، لكنه قد يصبح حافزاً لاقتصاد أكثر متانة".
في المقابل، قالت زعيمة المعارضة جودرون هافشتيندوتير، التي قادت حملة "لا": "هذه ليست مشكلات ستحلها بروكسل لنا. هذه مشكلات يتعين على السياسيين الآيسلنديين حلها".
وأظهرت بيانات منظمة التجارة العالمية، التي أوردتها "بلومبرغ"، أن الاتحاد الأوروبي استحوذ على نحو ثلثي صادرات آيسلندا العام الماضي، مقابل 9% للولايات المتحدة.
وترتبط آيسلندا بالفعل بالسوق الأوروبية الموحدة من خلال اتفاق المنطقة الاقتصادية الأوروبية، ما يمنحها وصولاً واسعاً إلى أسواق الاتحاد من دون عضوية كاملة، فيما يرى المؤيدون أنها تطبق جزءاً كبيراً من القواعد الأوروبية من دون تأثير يذكر في القرارات المتخذة في بروكسل.
نقطة خلاف رئيسية
وتظل مصائد الأسماك في صلب الخلاف. فوفق قواعد الاتحاد الأوروبي، تحدد حصص الصيد استناداً إلى أنماط الصيد التاريخية وعوامل أخرى، ويرى مسؤولون أن ذلك قد يسمح لآيسلندا بالاحتفاظ بدرجة كبيرة من السيطرة على مياهها، لكن معسكر الرفض يشكك في استمرار أي ضمانات يقدمها الاتحاد.
وتقدمت آيسلندا بطلب للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي في عام 2009 عقب الأزمة المالية العالمية، وبدأت المفاوضات في العام التالي قبل أن تتوقف في عام 2013 بسبب خلافات بشأن الصيد وقضايا أخرى.
وعاد الملف إلى الواجهة بعد تغيير الحكومة في أواخر 2024، وسط الحرب في أوكرانيا وحرب إيران، والرسوم الجمركية الأميركية، وتهديدات الرئيس دونالد ترمب بشأن جرينلاند.
وقالت فروستادوتير، إن هذه التحولات دفعتها إلى تقديم موعد الاستفتاء من 2027، معتبرة أن الولايات المتحدة باتت تستخدم الرسوم الجمركية "أداة للإكراه التجاري وسلاحاً".
ووفق "بلومبرغ" يُشكل الاستفتاء أيضاً اختباراً للمصداقية الجيوسياسية للاتحاد الأوروبي، في وقت يسعى فيه إلى تسريع عملية التوسع بعد توقف دام 13 عاماً.
وتتمتع آيسلندا بأهمية استراتيجية في شمال الأطلسي رغم عدم امتلاكها جيشاً دائماً، وهي عضو مؤسس في حلف الناتو، وتستضيف بانتظام طائرات للحلف في قاعدة كيفلافيك لمراقبة الغواصات والسفن الروسية.










