
تسعى أوروبا إلى تعزيز حضورها السياسي والاقتصادي والأمني في القطب الشمالي عبر شراكة أوثق مع جرينلاند، مع إعلان بروكسل عن حزمة تمويل جديدة للجزيرة بقيمة 200 مليون يورو، في ظل تنامي أهميتها الجيوسياسية وسط تهديدات أميركية بضمها، وفق صحيفة "فاينانشيال تايمز".
وأشارت الصحيفة إلى أن رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين تعتزم الإعلان عن حزمة التمويل خلال زيارة إلى العاصمة نوك، الأحد، في مسعى لتعزيز العلاقات مع المنطقة القطبية، بعد أن رفض الناخبون في آيسلندا استئناف مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.
وتأتي الخطوة في وقت يتجدد فيه النقاش بشأن الدور الأوروبي في الأمن والسياسة بمنطقة القطب الشمالي، بينما تظل طموحات جرينلاند إلى الاستقلال عن الدنمارك مرتبطة بقدرتها على جذب الاستثمارات وتنشيط اقتصادها وتقليص اعتمادها على الدعم المالي من كوبنهاجن.
ومن المتوقع أن تشمل حزمة التمويل المخصصة لعامي 2026 و2027 استثمارات في قطاعات المواد الخام الحيوية، والطاقة المتجددة، والكابلات البحرية، والاتصالات عبر الأقمار الاصطناعية، ومراكز البيانات، وفقاً لمسؤولين أوروبيين مطلعين على ترتيبات الزيارة.
دعم اقتصادي وسياسي لجرينلاند
ويأتي التمويل الجديد بالإضافة إلى 225 مليون يورو خصصها الاتحاد الأوروبي بالفعل لجرينلاند ضمن موازنته الحالية خلال الفترة من 2021 إلى 2027. ومن المقرر أن تضاعف فون دير لاين هذا المبلغ في حزمة التمويل المقبلة للجزيرة، الذي سيُصرف بين عامي 2028 و2034.
وبناءً على المفاوضات الجارية بشأن الموازنة الأوروبية المقبلة، من المتوقع أن تصل تلك الحزمة إلى 530 مليون يورو.
وستوقع فون دير لاين أيضاً إعلاناً يهدف إلى تعزيز العلاقات الاقتصادية بين الاتحاد الأوروبي والجزيرة القطبية، التي يبلغ عدد سكانها نحو 57 ألف نسمة وتتمتع بالحكم الذاتي ضمن مملكة الدنمارك.
وتسعى بروكسل من خلال ذلك إلى تعزيز دعمها السياسي لجرينلاند، بعد تهديدات متكررة من الرئيس الأميركي دونالد ترمب بضمها.
وشدد متحدث باسم المفوضية الأوروبية على الأهمية الاستراتيجية لجرينلاند بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي، "لا سيما في ظل التحولات الجيوسياسية والبيئية في المشهد القطبي الشمالي".
رفض آيسلندا يعيد الجدل بشأن أوروبا
تأتي الزيارة بعد أيام من استفتاء رفض فيه الآيسلنديون إعادة فتح مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. وتعتمد آيسلندا بدرجة كبيرة على الولايات المتحدة في مجال الأمن، لكن تهديدات ترمب بشأن جرينلاند، إلى جانب موقفه المتقلب من دعم حلف شمال الأطلسي (الناتو)، أعادت إلى الواجهة نقاشاً قديماً حول ما إذا كان يتعين على البلاد توثيق علاقاتها ببروكسل.
وكان ترمب قد دعا خلال ولايته الأولى إلى بسط السيطرة على الجزيرة القطبية، ثم هدد في ولايته الثانية بضمها، ورفض استبعاد استخدام القوة العسكرية لتحقيق ذلك.
وتراجع ترمب عن لهجته هذا العام، بعدما تعهدت دول الاتحاد الأوروبي بالدفاع عن الإقليم، ولوّحت بفرض رسوم جمركية انتقامية على الولايات المتحدة.
ويحاول الاتحاد الأوروبي من خلال تحركه تقديم نفسه شريكاً أكثر موثوقية على المدى الطويل، مشيراً إلى أن استثماراته في الجزيرة سبقت تهديدات ترمب.
وهذا الأسبوع، قال مفوض الاتحاد الأوروبي للشراكات الدولية جوزيف سيكيلا في بيان: "نأتي لتعزيز قدرة مجتمعات القطب الشمالي على اتخاذ قراراتها بنفسها، ودعم تلك القرارات بالاستثمار".
وفي إشارة غير مباشرة إلى تصريحات ترمب السابقة عن رغبته في "شراء" جرينلاند، قال سيكيلا: "مستقبل القطب الشمالي ملك لشعوب القطب الشمالي، وليس لمن يريد شراءه".
استثمارات في مواجهة التحديات الأمنية
ومن المقرر أن تستند سياسة جديدة للاتحاد الأوروبي بشأن القطب الشمالي، سيُعلن عنها في وقت لاحق من هذا العام، إلى حزمة التمويل التي ستعلنها فون دير لاين، مع ربط الاستثمار الاقتصادي بصورة أوثق بالاستثمارات في الأمن والدفاع.
وبحسب متحدث باسم المفوضية، ستركز السياسة الجديدة على "تعزيز الترابط، ودعم التنوع الاقتصادي، وتعزيز قدرة المجتمعات المحلية على الصمود".
لكن مسؤولين في جرينلاند يشعرون بالإحباط بسبب بطء وتيرة الاستثمارات الأوروبية والأميركية في الجزيرة.
وتحول التكاليف المرتفعة والصعوبات اللوجستية وظروف التشغيل القاسية دون تدفق استثمارات أجنبية واسعة النطاق إلى قطاع التعدين في جرينلاند.
وكان صندوق التصدير والاستثمار الدنماركي "إيفو" (Eifo) من بين أكثر المستثمرين نشاطاً، إذ دعم شركة "أماروك" التي تدير أحد المناجم القليلة العاملة في جرينلاند.
وتعتمد آمال جرينلاند في الحصول على الاستقلال عن الدنمارك بدرجة كبيرة على تحقيق نمو كبير في النشاط الاقتصادي، بما يسمح للجزيرة بالاستغناء تدريجياً عن المنحة السنوية التي تحصل عليها من كوبنهاجن.
وبلغت قيمة هذه المنحة 670 مليون دولار العام الماضي، لكن مسؤولين يقرون بأن تحقيق تحول اقتصادي بهذا الحجم غير مرجح في الأجل القصير، رغم تنامي الاهتمام بقطاع السياحة.
وفي الوقت نفسه، ركزت دول أوروبية، بينها فرنسا وهولندا، بدرجة أكبر خلال الصيف على الجانب الأمني، إذ أرسلت قوات ومعدات إلى جرينلاند للمشاركة في تدريبات عسكرية.










