
حذر معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي من أن الإرهاب، الذي يمارسه مستوطنون يهود ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية، يهدد أمن إسرائيل ومكانتها الدولية وقدرتها على العمل كدولة، مشيراً إلى أن "كلفة الانتظار تتزايد" في ظل ما وصفه بتقاعس حكومة بنيامين نتنياهو عن التحرك، وفق ما نقلت "هآرتس".
وقال المعهد إن عنف المستوطنين، الذي تصاعد من حيث وتيرته وحدّته منذ هجوم 7 أكتوبر، "تحول من مشكلة محلية تتعلق بفرض القانون إلى تهديد استراتيجي واضح لدولة إسرائيل وطابعها الديمقراطي".
وهذا هو ثاني تحذير استراتيجي يصدره المعهد في تاريخه، إذ صدر الأول في مارس 2023، على خلفية الأزمة الاجتماعية والسياسية التي اندلعت بسبب خطة التعديلات القضائية، قبل 7 أشهر من هجوم 7 أكتوبر.
وأشار التقرير الجديد إلى أن ضعف إنفاذ القانون بحق المستوطنين المتورطين في أعمال العنف، وضعف النظام القضائي، وغياب الدعم السياسي للجيش والشرطة لاتخاذ إجراءات ضد مرتكبي هذه الأعمال، "تخلق واقعاً يتسم بانعدام القانون، وعدم الاعتراف بمؤسسات الدولة، وفقدان الدولة احتكار استخدام القوة".
وأضاف التقرير أن "غياب رد إسرائيلي حاسم يشكل دليلاً على أن هناك سياسة موجهة من أعلى".
"وصمة أخلاقية"
وذكر أن ضعف إنفاذ القانون وتوفير الغطاء السياسي لهذا العنف يشيران إلى وجود موافقة على سياسة تهدف إلى الضغط على التجمعات الفلسطينية في المنطقة "ج" الخاضعة للسيطرة العسكرية الإسرائيلية، وهدم منازلها وإحراقها، بهدف دفع سكانها إلى مغادرة المنطقة وتهيئتها لفرض السيادة الإسرائيلية عليها.
وجاء في التقرير أن "الإخفاق الأساسي يتمثل في هذا السلوك، الذي يشكل وصمة أخلاقية"، مضيفاً أن الأمر "يتجاوز ذلك إلى تجاهل سلسلة ردود الفعل والتداعيات المصاحبة له، سواء على الساحة الداخلية الإسرائيلية أو الدولية".
ويرسم المعهد، الذي تربطه علاقات وثيقة بالمؤسسة الدفاعية الإسرائيلية، صورة قاتمة للوضع، محذراً من أن إسرائيل "لا يمكنها أن تعتبر نفسها دولة تحكمها سيادة القانون، بجيش غير حزبي ونظام يقوم على المسؤولية المشتركة والدعم المتبادل بين مؤسساتها، كالجيش والشرطة والشاباك والحكومة، بينما تتغاضى في الوقت نفسه عن التطبيق الانتقائي للقانون، وتقف مكتوفة الأيدي، وتطمس الحقائق".
وأضاف أن "العنف المدفوع بأيديولوجيا، عندما يحظى بحصانة فعلية أو بدعم سياسي، يؤدي إلى تآكل سلطة القيادة والانضباط العسكري واحتكار الدولة لاستخدام القوة".
دورة مزعزعة للاستقرار
وقالت تامي كانر، الباحثة الرئيسية في برنامج القانون والأمن القومي بالمعهد، لصحيفة "هآرتس"، إن قرار إصدار التحذير لم يكن نتيجة تصاعد إرهاب المستوطنين وحده.
وأوضحت: "تمكنا من رؤية خطر استراتيجي ملموس يتشكل ويتجاوز العنف نفسه"، مشيرة إلى تضافر عنف المستوطنين، وضعف إنفاذ القانون، وتراجع الدعم السياسي لأجهزة الأمن وجهات إنفاذ القانون في إسرائيل، والتغيرات في أنماط الحوكمة على الأرض في الضفة الغربية، إلى جانب تصاعد الضغوط على التجمعات الفلسطينية والسلطة الفلسطينية.
وأشارت إلى دورة من الأحداث حددها التقرير، تبدأ بأن الإرهاب الذي يمارسه مستوطنون يهود يؤدي إلى زعزعة استقرار المنطقة ويدفع الفلسطينيين إلى الانخراط في أعمال عنف، ما يستدعي رداً عسكرياً إسرائيلياً يزيد بدوره الاحتكاك بين المجتمعات ويؤدي إلى سقوط مزيد من الضحايا. ونتيجة لذلك، يضطر الجيش الإسرائيلي إلى تحويل قوات من جبهات أخرى، ما يجعل إسرائيل أكثر عرضة للخطر.
وحذّر التقرير من أن العنف قد يمتد إلى ما هو أبعد من الحاجز الفاصل، قائلاً إن "التصعيد يمكن أن يمتد أيضاً إلى القدس الشرقية، ولا سيما الحرم القدسي، وكذلك إلى داخل إسرائيل وساحات أخرى".
وعن أسباب سماح الحكومة باستمرار هذا المسار، قالت كانر: "لا أعتقد أنه يمكننا القول إن الحكومة ككل تؤيد الهجمات على الفلسطينيين، لكنني أعتقد أن أجزاء من النظام السياسي تدعم السياسة الأوسع المتمثلة في توسيع السيطرة الإسرائيلية على المنطقة ج تحديداً وفي أنحاء الضفة الغربية، مع منع التجمعات الفلسطينية من التوسع لردع إقامة دولة فلسطينية".
وأضافت أن النتائج ذاتها يمكن تحقيقها من خلال العنف، معتبرة أن ما يحدث يمثل "دعماً صامتاً، ليس للعنف، وإنما للنتيجة ذاتها".
وقالت إن دعم الحكومة لهذه السياسة يتيح للعنف الاستمرار من خلال خطابها السياسي، ومحاولاتها التقليل من حجم الظاهرة أو خطورتها، ورفضها إدانتها بشكل واضح لا لبس فيه.
تحذير آخر لم يُستمع إليه؟
هذا هو التحذير الاستراتيجي الثاني الذي يصدره المعهد. وكان تحذيره الأول قد صدر في مارس 2023، قبل أشهر من هجوم "حماس" في 7 أكتوبر. وحذّر المعهد حينها من أن حملة التشريعات التي أطلقتها حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو كانت تتسبب في انقسام داخلي غير مسبوق داخل المجتمع الإسرائيلي، وتفاقم التهديدات الأمنية والجيوسياسية والاقتصادية التي تواجهها إسرائيل.
وقالت كانر إنها لا تعرف ما إذا كانت السلطات ستستجيب للتحذير، لكنها شددت على أن كلفة الانتظار تتزايد.
وأكدت أن القضية تتجاوز إرهاب المستوطنين، لتتعلق أيضاً بتآكل احتكار الدولة لاستخدام القوة وقدرتها على تطبيق القانون من دون تدخل سياسي، وبغض النظر عن هوية الضحية أو مرتكب الجريمة.










