
تواجه المؤسسة الأمنية الألمانية واحدة من أكثر القضايا إحراجاً في تاريخها الحديث، بعد توقيف أوجست هانينج، الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات الخارجية (BND)، للاشتباه في حصوله على آلاف الوثائق السرية من الجهاز الذي قاده سابقاً لأكثر من عقد.
وتقول النيابة الاتحادية الألمانية إن هانينج استعان بمسؤول سابق شغل منصب رئيس مكتبه، ودفع له أموالاً مقابل تزويده بصورة مستمرة بمعلومات ووثائق مصنفة سرية. وفي المقابل، ينفي محاميه دفع أي مبالغ مالية أو نقل أي معلومات إلى جهات أجنبية.
وتأتي القضية في وقت تناقش فيه برلين توسيع صلاحيات أجهزة الاستخبارات لمواجهة التحديات الأمنية المتزايدة، ما أعاد تسليط الضوء على المسيرة الطويلة لهانينج، التي امتدت من قمة العمل الاستخباراتي إلى عالم الاستشارات والجدل السياسي.
من الانتقاد إلى الاحتجاز
وذكرت صحيفة "فاينانشيال تايمز" أن قلة من رؤساء أجهزة الاستخبارات السابقين واصلوا حضورهم في عالم الأمن والاستخبارات بعد مغادرة مناصبهم كما فعل هانينج، الذي ترأس جهاز الاستخبارات الخارجية الألماني بين عامي 1998 و2005.
وعُرف هانينج بانتقاداته المتكررة للجهاز الذي قاده، إذ وصفه ذات مرة بأنه "نباتي بين أجهزة الاستخبارات"، في إشارة ساخرة إلى اعتقاده بأنه أقل حدة وفاعلية من بعض الأجهزة النظيرة لدى الدول الحليفة.
وبات هانينج، البالغ من العمر 80 عاماً، رهن الاحتجاز بعد أن داهمت الشرطة منزله الريفي، الثلاثاء. وتتهمه النيابة الاتحادية بالحصول بصورة غير قانونية على آلاف الوثائق السرية التابعة لجهاز الاستخبارات الخارجية على مدى أكثر من عشر سنوات.
وبحسب التحقيقات، استعان هانينج بمسؤول سابق في الجهاز شغل منصب رئيس مكتب ثلاثة رؤساء متعاقبين للجهاز، مقابل تسريب الوثائق والمعلومات له بصورة منتظمة.
وأقر محامي هانينج بأن موكله كان يحتفظ بوثائق سرية، لكنه نفى أن يكون قد دفع مبالغ مالية للحصول عليها أو نقلها إلى جهات أجنبية، مؤكداً أنه لم يقم بأي عمل يضر بالمصالح الألمانية.
وأثارت القضية صدمة داخل الأوساط السياسية والأمنية في ألمانيا، في وقت تدور فيه نقاشات بشأن منح الأجهزة الأمنية صلاحيات أوسع للتعامل مع التهديدات الدولية المتزايدة.
طريقه إلى قيادة الجهاز
وُلد هانينج عام 1946 في أسرة ميسورة بشمال غرب ألمانيا، وكان والده يمتلك مصنعاً للطوب. ودرس القانون في مدينة فرايبورج، قبل أن يحصل على درجة الدكتوراه في القانون البيئي من جامعة مونستر عام 1975.
وبدأ مسيرته المهنية في الإدارة المحلية ضمن قطاع الشؤون الضريبية، قبل أن ينتقل عام 1981 إلى المستشارية الألمانية للعمل على ملفات البيئة.
وفي عام 1986، اتجه إلى المجال الأمني، حيث عمل في بعثة ألمانيا الغربية في برلين، وتولى إدارة برنامج مكلف بشراء حرية السجناء السياسيين من ألمانيا الشرقية، التي كانت تسعى للحصول على العملات الأجنبية.
وبعد سقوط جدار برلين، نسج علاقة وثيقة مع السياسي المحافظ بيرند شميدباور، المسؤول لاحقاً عن ملفات الاستخبارات في المستشارية، والذي لعب دوراً مهماً في دعمه وتزكيته لرئاسة جهاز الاستخبارات الخارجية عام 1998.
حرب العراق والتجسس على الصحافيين
وقاد هانينج جهاز الاستخبارات الخارجية خلال مرحلة مفصلية أعقبت هجمات 11 سبتمبر 2001 وبداية "الحرب على الإرهاب" التي قادتها الولايات المتحدة.
وخلال تلك الفترة، كان المصدر الاستخباراتي الألماني المعروف باسم "كرفبول" مصدراً رئيسياً للمعلومات التي استخدمتها إدارة الرئيس الأميركي الأسبق جورج دبليو بوش لتأكيد امتلاك العراق أسلحة دمار شامل.
ووفقاً لما أورده هانينج لاحقاً، فقد احتج شخصياً لدى مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA) آنذاك جورج تينيت، معتبراً أن واشنطن أساءت استخدام المعلومات التي قدمتها الاستخبارات الألمانية.
لكن اعتراضاته لم تغير الموقف الأميركي، فيما رفضت الحكومة الألمانية المشاركة في الغزو الذي قادته الولايات المتحدة للعراق عام 2003.
وفي نهاية ولايته عام 2005، أقر جهاز الاستخبارات الخارجية بتجسس عناصر تابعة له بصورة منهجية على صحافيين ألمان. ونفى هانينج آنذاك علمه بهذه الممارسات.
وبعد مغادرته الجهاز، تولى منصب وكيل وزارة الداخلية الألمانية بين عامي 2005 و2009.
أعمال خاصة وعلاقات مثيرة للجدل
بعد خروجه من الخدمة الحكومية، اتجه هانينج إلى عالم الأعمال والاستشارات الأمنية، مستفيداً من خبرته الواسعة وشبكة علاقاته الدولية.
وفي عام 2013، انضم إلى مجلس إدارة المنتدى الألماني الأذربيجاني، وهو منظمة ضغط مؤيدة لأذربيجان، كما عمل مستشاراً لجهات وشركات في إسرائيل والولايات المتحدة وألمانيا والنمسا وأوكرانيا والشرق الأوسط.
وبرز أيضاً كصوت سياسي وإعلامي مثير للجدل. ففي عام 2015 انتقد بشدة سياسة المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل تجاه أزمة اللاجئين، داعياً إلى تشديد الرقابة على الحدود، بل وإلى فصل بعض الأسر المهاجرة عند الضرورة.
وفي عام 2017، دعا السلطات النمساوية إلى التحقيق مع صحافيين ومصادرهم بعد كشفهم قضية مرتبطة بنفوذ روسي داخل أوساط اليمين المتطرف.
ووصفه أشخاص عملوا معه بأنه معتاد على فرض آرائه ويتمتع بشخصية قوية، فيما اعتبره بعض المتعاملين معه شخصية فعالة وقادرة على إنجاز المهام المعقدة.
وقبل توقيفه، تزايدت التساؤلات داخل الأوساط السياسية والأمنية في برلين بشأن علاقاته ببعض الشخصيات والشركات المثيرة للجدل، والتي تربطها علاقات بجهات حكومية أو دوائر نفوذ في روسيا ودول أخرى.
وفي أغسطس، بعث هانينج برسالة إلى رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية الحالي احتجاجاً على نقل معلومات إلى الادعاء العام توحي باحتمال ارتباطه بأنشطة تجسسية لصالح روسيا، مؤكداً أنه لم يُمنح الفرصة الكافية للدفاع عن نفسه.
كما ارتبط اسمه بقضية انهيار مصرف "PNB Banka" في لاتفيا عام 2019، بعدما انضم إلى مجلس الرقابة في المصرف قبل ذلك بعامين.
وفتحت السلطات تحقيقاً بشأن مدى التزامه بواجباته الرقابية، فيما ذكر هانينج في رسالة بعثها إلى المستشار الألماني السابق أولاف شولتز عام 2022 أن انهيار المصرف تسبب له في خسائر مالية بملايين اليوروهات.
قضية اختطاف كشفت الوثائق السرية
غير أن التطور الذي قاد إلى القضية الحالية جاء عبر ملف مختلف تماماً.
ففي عام 2022 استعانت كريستينا بلوك، وريثة إحدى سلاسل مطاعم اللحوم الشهيرة في ألمانيا، بشركة "سيستم 360" (System 360) المرتبطة بهانينج لمساعدتها في نزاع قانوني يتعلق بحضانة أطفالها.
وفي عام 2023، نُفذت محاولة فاشلة لاختطاف طفلين من والدهما في الدنمارك وإعادتهما إلى ألمانيا، بمشاركة أشخاص قيل إن بينهم عناصر سابقة في جهاز "الموساد" الإسرائيلي.
وتنفي بلوك، التي تواجه محاكمة في هامبورج، علمها بالمخطط. وبينما لا يواجه هانينج اتهامات في تلك القضية، فقد استُدعي للإدلاء بشهادته نظراً لدوره الاستشاري.
وخلال عملية تفتيش لمنزله في سبتمبر 2025 بحثاً عن أدلة مرتبطة بالقضية، عثر المحققون على مجموعة من الوثائق السرية التابعة لجهاز الاستخبارات الخارجية الألماني.
وفي مايو 2026، تولت النيابة الاتحادية التحقيق في القضية، وبدأت جمع الأدلة ومراقبة الأجهزة الإلكترونية ذات الصلة، قبل أن تنتهي التحقيقات الأولية إلى توقيف هانينج هذا الأسبوع.
ورغم أن الاتهامات لا تزال في مرحلة الإجراءات القضائية، أثارت القضية تساؤلات واسعة بشأن حماية أسرار الدولة الألمانية ومستوى الرقابة المفروضة على كبار مسؤولي الاستخبارات بعد مغادرتهم مناصبهم.









