ضغط أميركي لاستئناف مبيعات غاز روسيا إلى أوروبا عبر أوكرانيا | الشرق للأخبار

ضمن جهود إبرام اتفاق.. ضغوط أميركية لاستئناف مبيعات الغاز الروسي إلى أوروبا عبر أوكرانيا

محطة مشروع "نورد ستريم 2" في مدينة لوبمين الألمانية. 12 نوفمبر 2021 - Bloomberg
محطة مشروع "نورد ستريم 2" في مدينة لوبمين الألمانية. 12 نوفمبر 2021 - Bloomberg

تدعم الولايات المتحدة استئنافاً سريعاً لمبيعات الغاز الطبيعي الروسي إلى أوروبا عبر خطوط الأنابيب التي تمر بأوكرانيا، في إطار مفاوضات تهدف إلى التوصل إلى وقف لإطلاق النار على منشآت الطاقة قبل حلول الشتاء، وفقاً لما نقلته "وول ستريت جورنال"، الاثنين، عن مسؤولين أميركيين وأوروبيين وأوكرانيين.

وناقش الفكرة المبعوثان الأميركيان جاريد كوشنر وستيف ويتكوف، خلال زيارات إلى موسكو وكييف في سبتمبر الماضي. وتقضي الفكرة ببيع الغاز الروسي عبر وسيط أميركي للالتفاف على العقوبات الأوروبية، ما قد يتيح "فرصة مربحة" للمستثمرين الأميركيين، بحسب أشخاص حضروا المناقشات.

وتنص تشريعات الاتحاد الأوروبي الحالية، على التخلص تدريجياً من جميع مشتريات الغاز الطبيعي الروسي بحلول نهاية عام 2027. وقال قادة أكبر الدول الأوروبية إنهم لا يرغبون في العودة إلى الاعتماد على إمدادات الطاقة من دولة يعتبرونها أكبر تهديد استراتيجي لهم.

استهداف منشآت الطاقة

وعُلقت الخطة مؤقتاً الشهر الماضي بعدما أوقفت أوكرانيا من جانب واحد ضرباتها ضد مصافي النفط الروسية، تحت ضغط من الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

وأوقفت كييف هجماتها على المصافي الروسية لما يقرب من أسبوعين، بينما واصلت روسيا قصف البنية التحتية للطاقة في أوكرانيا، وبدأت موسكو شحن الديزل إلى الولايات المتحدة. وحوّلت واشنطن اهتمامها إلى احتمال التوصل إلى اتفاق سلام أكثر شمولاً.

لكن كييف استأنفت حملتها الجوية، الجمعة، بشن ثلاث هجمات على ثلاث مصافٍ روسية كبرى خلال الأيام الثلاثة الماضية. وأضفى ذلك إلحاحاً جديداً على الجهود الرامية إلى التوصل إلى وقف أكثر شمولاً لإطلاق النار على منشآت الطاقة، قبل مفاوضات سلام ثلاثية مقررة بين الولايات المتحدة وروسيا وأوكرانيا في منتصف نوفمبر بأبوظبي.

وترفض روسيا حتى الآن المحاولات الأميركية للتوصل إلى مثل هذا الاتفاق.

نقطة ضعف استراتيجية

ويرى المفاوضون الأميركيون أن عودة روسيا إلى سوق الغاز الطبيعي الأوروبية ستوفر حافزاً قوياً للرئيس الروسي فلاديمير بوتين للموافقة على الاتفاق. كما أن استخدام شبكة خطوط الأنابيب التي تعود إلى الحقبة السوفيتية، والتي تنقل الغاز إلى أوروبا عبر أوكرانيا من حقول أورينجوي للغاز في سيبيريا، سيوفر لكييف إيرادات تحتاج إليها بشدة من رسوم العبور.

وقال مسؤول أميركي كبير للصحيفة، إن مسؤولي البيت الأبيض اقترحوا أن تودع روسيا العائدات التي تحققها من مبيعات الغاز إلى أوروبا في حساب ضمان لدى جهة خارجية، حتى لا يستخدم الكرملين الأموال في تمويل حربه.

وحاول المسؤولون الأميركيون إقناع القادة الأوروبيين بالفكرة باعتبارها وسيلة لخفض أسعار الطاقة قبل شتاء بلغت فيه احتياطيات الغاز في أوروبا أدنى مستوياتها الموسمية منذ عدة سنوات.

ويمثل هذا الضغط تحولاً جذرياً عن موقف إدارة ترمب الأولى. ففي ذلك الوقت، وجّه ترمب انتقادات متكررة إلى المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بسبب بناء خط أنابيب "نورد ستريم 2" من روسيا. وحذر من أن المشروع سيجعل ألمانيا "أسيرة لروسيا"، وفرض عليه عقوبات في أواخر عام 2019.

وبعد ما يزيد قليلاً على عامين، غزت روسيا أوكرانيا، بعدما راهنت على أن أوروبا لن ترد بسبب اعتمادها الاقتصادي الكبير على موسكو، بينما كان تمويل الجيش الروسي يعتمد على عائدات صادرات الطاقة.

لكن الحرب دفعت الأوروبيين إلى اعتبار الاعتماد على الغاز الطبيعي الروسي "نقطة ضعف استراتيجية" أمام قوة معادية لم يعودوا يثقون بها. وأقر الاتحاد الأوروبي تشريعات خفضت واردات الغاز الروسي بشكل حاد، وتقضي بحظرها بالكامل بحلول نهاية العام المقبل.

رفض أوروبي لاستئناف شراء الغاز الروسي

ويتمثل الموقف الأوروبي الرسمي الحالي في أن الاتحاد الأوروبي لن يستأنف شراء الغاز الروسي حتى بعد التوصل إلى اتفاق سلام كامل مع روسيا، فضلاً عن استئنافه في إطار وقف هش لإطلاق النار على منشآت الطاقة يسمح لبوتين بمواصلة الحرب، ويوفر تمويلاً لجيشه.

وقال مفوض الطاقة في الاتحاد الأوروبي دان يورجنسن، في مقابلة مع صحيفة مجرية في أكتوبر الماضي، أكد مكتبه صحتها، إن حظر واردات الغاز الروسي يجب أن يكون دائماً. وقال: "بالتأكيد لن أثق بروسيا، حتى لو تحقق السلام غداً، وهو ما نأمله جميعاً". وتراهن إدارة ترمب على أن المقاومة الأوروبية ستتضح في النهاية أنها أقل صلابة مما تبدو عليه.

لكن بعض كبار المسؤولين الأوروبيين يتحدثون بوضوح أكبر في أحاديثهم الخاصة. وقال مسؤول كبير من دول الشمال الأوروبي إن فكرة استئناف شراء الغاز الروسي تتعارض مع كل ما يؤمن به الأوروبيون.

وشبّه مسؤول كبير من دولة أوروبية كبرى الأمر برئيس الوزراء البريطاني السابق نيفيل تشامبرلين الذي ضحى بتشيكوسلوفاكيا لصالح هتلر مقابل صفقات تجارية.

ومن جهتها، ترى الولايات المتحدة الآن أن إعادة فتح خط "نورد ستريم" في نهاية المطاف قد تكون عنصراً مهماً في اتفاق أكبر، لا يهدف فقط إلى إنهاء الحرب في أوكرانيا، بل أيضاً إلى معالجة التوترات القائمة منذ فترة طويلة بين روسيا وحلفاء أميركا الأوروبيين.

وقال مسؤول أميركي كبير إن خطأ ميركل تمثل في المضي قدماً في مشروع خط الأنابيب من دون العمل أولاً على ترتيب أمني أوسع مع روسيا، يمكن لموسكو أن تشعر بالارتياح في إطاره.

خط "نورد ستريم"

وبنت روسيا وألمانيا أول خط من "نورد ستريم" لتجاوز شبكات الأنابيب التي تمر عبر أوكرانيا في عام 2011. وتوقف "نورد ستريم 1" عن تسليم الغاز في أغسطس 2022، فيما لم يدخل "نورد ستريم 2" الخدمة مطلقاً.

وتعرض الخطان لأضرار جسيمة جراء انفجارات تحت الماء نُسبت إلى أوكرانيا في سبتمبر 2022. وستتطلب إعادة تشغيلهما وقتاً طويلاً، حتى لو أمكن بطريقة ما تجاوز العقبات السياسية والتنظيمية.

وقال مسؤول أميركي إن المفاوضين ناقشوا مقترحات اقتصادية مختلفة طوال فترة المفاوضات. وأضاف أن الأوروبيين أبدوا اهتماماً بمقترح من شأنه خفض أسعار الغاز بشكل كبير في أنحاء القارة، مشيراً إلى أن أي اتفاقات اقتصادية ستكون جزءاً من اتفاق سلام شامل.

في المقابل، يمكن إعادة تشغيل شبكة الأنابيب التي تمر عبر أوكرانيا، والمرتبطة بسلوفاكيا ومنها إلى النمسا وألمانيا، على الفور تقريباً. واستمرت كميات محدودة من الغاز في التدفق عبرها حتى إغلاقها في يناير 2025، بعد فترة طويلة من اندلاع الحرب الشاملة بين روسيا وأوكرانيا.

ولا يأتي اليوم سوى 11% من الغاز الطبيعي الأوروبي من روسيا، انخفاضاً من 45% عشية الحرب. ويشكل الغاز الطبيعي المسال الأميركي 30% من الاستهلاك الأوروبي، بينما يُستورد الغاز الروسي إما عبر ناقلات الغاز الطبيعي المسال، أو من خلال خطوط "نورد ستريم" التي تمد المجر وسلوفاكيا بالغاز.

ويقر مسؤولون أوروبيون بأن تداعيات حرب إيران قد تضعف مقاومة أوروبا. إذ لا تزال شحنات الغاز الطبيعي المسال القطري عالقة داخل الخليج العربي، بينما استمر الارتفاع العالمي في أسعار الطاقة رغم مرور المزيد من شحنات النفط عبر مضيق هرمز.

وأنفقت أوروبا 100 مليار يورو إضافية، أي نحو 112 مليار دولار، على الطاقة نتيجة الحرب مع إيران، وفقاً للاتحاد الأوروبي.

وتبلغ نسبة امتلاء مخزونات الغاز الطبيعي تحت الأرض في أوروبا نحو 75%، فيما ستدخل القارة الشتاء المقبل بمخزونات تقل عن متوسط السنوات التسع الماضية، بحسب الجهات التنظيمية لقطاع الطاقة في الاتحاد الأوروبي.

وجعل حزب "البديل من أجل ألمانيا" اليميني المتطرف، وهو أكبر أحزاب المعارضة في ألمانيا، استئناف واردات الغاز الطبيعي الروسي الرخيص جزءاً أساسياً من حملته قبل الانتخابات المقررة في عام 2028.

وقال دبلوماسيون إن تغيير أوروبا موقفها سيكون أسهل إذا أيدت كييف مبيعات الغاز ضمن اتفاق لوقف إطلاق النار يمنع انقطاعات الكهرباء وكارثة إنسانية محتملة في المدن الأوكرانية الكبرى، قد تؤدي إلى موجة نزوح جديدة من اللاجئين خلال الأشهر المقبلة.

ويكتسب ذلك أهمية خاصة مع نفاد منظومات الدفاع الجوي لدى أوكرانيا، في وقت تقيد فيه الولايات المتحدة إمدادات صواريخ "باتريوت" الاعتراضية وسط نقص عالمي سبّبته الحرب على إيران.

تصنيفات

قصص قد تهمك