
تعكس نتائج انتخابات التجديد النصفي الأميركية تحولاً في المزاج السياسي تجاه الشرق الأوسط، مع تصاعد الضغوط لإنهاء حرب إيران وإعادة النظر في الدعم الأميركي لإسرائيل، في ظل فوز الديمقراطيين بأغلبية مجلسي الكونجرس، وتزايد غضب الناخبين من كلفة التدخل العسكري وعواقب الحرب في المنطقة.
بعد ساعات قليلة من اتضاح "حجم الهزيمة"، التي مُني بها الجمهوريون في الانتخابات، سارع نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إلى تحميل الحرب المسؤولية عن الخسارة.
وكتب فانس على "إكس"، الأربعاء: "السبب وراء خسارتنا هو الحرب"، في إشارة إلى قرار الرئيس دونالد ترمب شن هجوم على إيران في وقت سابق من العام الجاري. وأضاف: "إلى الذين يشعرون بالغضب ويريدون القول: (لقد أخبرتكم بذلك)، أنتم محقون، لقد حذرتمونا بالفعل".
وجاءت تصريحات فانس في محاولة واضحة، وإن كانت متأخرة، للتمايز عن ترمب، في خطوة قد تمهد أمامه لخوض سباق الرئاسة في عام 2028. لكن البيان المطول الذي نشره فانس، وأعاد نجل الرئيس دونالد ترمب الابن نشره، كشف أيضاً عن التحول الكبير في المشهد السياسي المتعلق بالسياسة الخارجية، الذي تواجهه الإدارة الأميركية بعد الفوز الكاسح للديمقراطيين وسيطرتهم على الكونجرس، وفق "فاينانشيال تايمز".
وسيتمتع الديمقراطيون بأغلبية كبيرة في مجلسي النواب والشيوخ مع بدء انعقاد الكونجرس الجديد في يناير، وستضم هذه الأغلبية نواباً من اليسار يطالبون بإعادة صياغة جذرية للعلاقات الأميركية مع إسرائيل، مستندين إلى تفويض بالتغيير عبّر عنه ناخبون من ميشيجان إلى تكساس، غاضبون من تورط الولايات المتحدة مجدداً في صراع بالشرق الأوسط، وتكاليفه.
تداعيات انتخابية
وقال السيناتور الديمقراطي عن ولاية فيرمونت بيتر ويلش لصحيفة "فاينانشيال تايمز"، إن هناك الآن "موقفاً توافقياً يقوم على المعارضة وانعدام الثقة" تجاه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وحكومته داخل الحزب الديمقراطي.
وقد تدفع الأغلبية الديمقراطية نحو إنهاء المساعدات الأميركية غير المشروطة لإسرائيل، وإجبار ترمب على إنهاء حرب إيران. كما سيواجه مشروع قانون يقوده الجمهوريون لتعميق التكامل بين الصناعتين الدفاعيتين الأميركية والإسرائيلية عقبات كبيرة أمام إقراره.
لكن ويلش قال إن تداعيات الانتخابات "قد تكون أعمق من ذلك بكثير"، بعد أن تحولت الحرب الإسرائيلية على غزة ودور نتنياهو في جر الولايات المتحدة إلى حرب إيران إلى قضيتين محوريتين في الحملات الانتخابية.
ولا تقتصر تداعيات التحول على المواجهة مع إيران، التي دخلت شهرها التاسع، إذ ظل الدعم الأميركي لإسرائيل على مدى أجيال من الثوابت السياسية في واشنطن، متجاوزاً الانقسامات الحزبية. لكن نتائج انتخابات الثلاثاء تعكس رغبة شعبية في تغيير هذا النهج، بحسب "فاينانشيال تايمز".
وقال فانس في بيانه إن الأميركيين صوتوا للديمقراطيين؛ لأنهم "كانوا غاضبين"، ويريدون من قادتهم إنهاء الحرب، وخفض تكاليف المعيشة، ووضع "أميركا أولاً"، و"تغيير علاقتنا بإسرائيل".
وساعدت حالة الغضب هذه الديمقراطيين على انتزاع مقاعد في مجلس الشيوخ من الجمهوريين في معاقل تقليدية لهم، من تكساس وكانساس إلى ساوث كارولاينا، ما أحدث تحولاً في الخريطة الانتخابية الأميركية.
وقد تمثل القطيعة العلنية السريعة التي أظهرها فانس مع أحد أهم قرارات ترمب في السياسة الخارجية، وهو شن حرب إيران، خطوة أولى في مساعيه لخلافة الرئيس. لكنها فتحت أيضاً الباب أمام احتمال تراجع الإدارة عن المواجهة.
وانخفضت أسعار النفط عقب تصريحات فانس، وسط توقعات بأن تؤدي "الموجة الزرقاء" التي أوصلت الديمقراطيين إلى واشنطن إلى إنهاء الحرب. ورغم أن الرئيس يملك صلاحيات واسعة في إدارة السياسة الخارجية، فإن الدستور الأميركي يمنح الكونجرس سلطة إعلان الحرب والتحكم في الموازنة.
وبدا أن ترمب نفسه سئم الصراع، إذ قال لـ"فاينانشيال تايمز"، الثلاثاء، إنه لا يعتزم شن هجمات جديدة على إيران في الوقت الحالي، رغم أن الولايات المتحدة قصفت جزيرة قشم، الاثنين، وأن الرئيس قال إن قواته "على أهبة الاستعداد" لتوجيه ضربات أخرى.
وكان التحول في المواقف السياسية تجاه السياسة الخارجية أكثر وضوحاً خلال انتخابات التجديد النصفي في ولاية ميشيجان، حيث فاز الديمقراطي عبد الرحمن السيد بمقعد في مجلس الشيوخ، بعد حملة انتخابية ربط خلالها بين ارتفاع تكاليف المعيشة في الولايات المتحدة، والدعم المالي الأميركي لإسرائيل وحرب إيران.
تنامي الغضب الشعبي
وحاول ترمب وجمهوريون آخرون، بينهم فانس، تصوير عبد الرحمن السيد على أنه "متطرف ومعادٍ للسامية". لكن الرئيس الأميركي، الذي استشعر تنامي الغضب الشعبي، فاجأ الحزبين والحكومة الإسرائيلية صباح يوم التصويت، عندما قال لشبكة "فوكس نيوز" إن الولايات المتحدة ستنهي مساعداتها السنوية لإسرائيل، البالغ قيمتها 3.8 مليار دولار.
وقال ترمب إن المساعدات أصبحت "نقطة انتقاد سيئة"، مضيفاً: "لماذا ينبغي أن نتحمل الهجمات من أشخاص مجانين مثل السيد، في حين أن الإسرائيليين لا يحتاجون إليها؟".
لكن تحول موقف ترمب جاء متأخراً لمنع فوز عبد الرحمن السيد، المعروف بانتقاداته الصريحة لإسرائيل، بمقعد في مجلس الشيوخ. ولا يزال من غير الواضح ما إذا كان الرئيس الأميركي، الذي يفاجئ مساعديه أحياناً بتغيير مواقفه، سيمضي فعلاً في تنفيذ خطة وقف المساعدات.
وشهدت نظرة الرأي العام الأميركي إلى إسرائيل تراجعاً حاداً خلال السنوات الأخيرة، مع تزايد استياء الناخبين من أعداد الضحايا والدمار الناجمين عن الحرب الإسرائيلية على غزة.
وأظهر استطلاع أجراه مركز "بيو" للأبحاث في يوليو الماضي، أن 62% من الأميركيين لديهم نظرة سلبية تجاه الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة، بينهم أغلبية ساحقة من الديمقراطيين. كما باتت غالبية الجمهوريين دون سن 39 عاماً تنظر إلى إسرائيل بصورة سلبية، وفق الاستطلاع.
وأثارت محاولات جماعة الضغط الأميركية "أيباك"، المتحالفة مع الحكومة الإسرائيلية، التأثير في الانتخابات الأميركية، بما في ذلك انتخابات ميشيجان، ردود فعل عكسية لدى بعض الناخبين.
وقال عبد الرحمن السيد في خطاب الفوز الذي ألقاه في مدينة ديترويت: "إلى أيباك، التي أنفقت 42 مليون دولار ضدنا، شكراً لمنحنا الفرصة لهزيمتكم مرتين"، في إشارة أيضاً إلى دعم جماعة الضغط لمنافسته في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي، هيلي ستيفنز، الذي تغلب عليها خلال الصيف.
وكان فانس، قد أبدى تشككاً في طبيعة العلاقة الاستثنائية مع إسرائيل، محذراً تل أبيب في يونيو، من أن الولايات المتحدة هي "حليفها القوي الوحيد".
كما امتنع عن إدانة المعلق السياسي اليميني تاكر كارلسون، الذي اتهم إسرائيل بارتكاب "إبادة جماعية" في غزة، وروّج لما وصفته الصحيفة بـ"تلميحات معادية للسامية".
وبعد نشر فانس تحليله لأسباب الهزيمة الجمهورية على "إكس"، الأربعاء، اتهمه الملياردير الجمهوري والمانح السياسي كليفورد أزنس، بمحاولة "إلقاء اللوم على اليهود". وعكس ذلك ملامح الصراعات المقبلة داخل الحزب الجمهوري، الذي يستند بدرجة كبيرة إلى دعم الجماعات المؤيدة لإسرائيل، بينما يحاول التعامل مع هزيمة انتخابية قاسية برزت فيها إسرائيل كقضية رئيسية.
وستمتد هذه النقاشات إلى الكونجرس أيضاً، حيث سيواجه التيار اليساري في الحزب الديمقراطي، ومن بينهم عبد الرحمن السيد، قيادة ديمقراطية أكثر ميلاً إلى الوسط وتقليدية في مواقفها. لكن نتائج الثلاثاء تشير إلى أن الزخم بات في صالح الأعضاء الجدد مثل عبد الرحمن السيد.












