
تتمسك دول أوروبية بضرورة وقف روسيا حربها على أوكرانيا قبل الدخول في أي نقاش بشأن مخاوف موسكو المتعلقة بالمنظومة الأمنية الأوسع للقارة، في موقف قد يضعها على خلاف مع الولايات المتحدة بشأن أفضل السبل لإنهاء الحرب، وفق وكالة "بلومبرغ".
وأضافت الوكالة، نقلاً عن مصادر مطلعة على المناقشات طلبت عدم الكشف عن هوياتها، أن المسؤولين الأوروبيين لا يزالون يرفضون مطالب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين التي طرحها قبل الحرب، إذ إن تنفيذها من شأنه أن يقلّص وجود حلف شمال الأطلسي (الناتو) في أوروبا الشرقية.
ردع روسيا
وأوضحت المصادر أن أحد الأهداف الرئيسية للمنظومة الأمنية القائمة يتمثل في ردع روسيا عن مهاجمة أوروبا، معتبرة أن من غير المنطقي الدخول في مثل هذه المناقشات بينما تواصل موسكو حربها على أوكرانيا وتنتهك مجموعة من الاتفاقيات القائمة.
وجاء في تقرير "بلومبرغ" أن هذا الموقف قد يؤدي إلى مزيد من التوتر مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، التي تضغط من أجل إدراج مقترحات بشأن الهيكل الأمني الأوروبي على جدول محادثات السلام الجارية مع روسيا، إلى جانب الملفات الأخرى المطروحة.
ومن المقرر أن يلتقي مسؤولون روس وأوكرانيون وأميركيون في أبوظبي الأسبوع المقبل، لاستئناف المفاوضات للمرة الأولى منذ فبراير الماضي.
ولم يرد البيت الأبيض على طلب الوكالة الحصول على تعليق. لكن جاريد كوشنر، صهر الرئيس ترمب ومبعوثه، كتب في منشور على منصة "إكس" أن هدف الولايات المتحدة يتمثل في "التوصل إلى ترتيبات عملية تعالج المخاوف الأمنية لجميع الأطراف".
وقال كوشنر، في المنشور الذي أعقب محادثات مع مسؤولين أوروبيين وأوكرانيين: "نعمل على 5 أهداف رئيسية، وهي إجراء مشاورات أمنية دائمة، وضمان اتصالات موثوقة في أوقات الأزمات، وتعزيز الشفافية العسكرية، واتخاذ تدابير متبادلة للحد من مخاطر التصعيد، ووضع إطار مستدام للأمن والاستقرار الأوروبيين على المدى الطويل".
مخاوف أوروبية
وأشارت "بلومبرغ" إلى أن المساعي الأميركية للتوصل إلى اتفاق أثارت قلق بعض العواصم الأوروبية، ناقلة عن وزير الخارجية البولندي رادوسلاف سيكورسكي قوله للصحافيين في وارسو، الخميس: "لا ينبغي أن نكون أكثر حرصاً على تحقيق السلام من بوتين نفسه".
كما واجه النهج الأميركي اعتراضات من الديمقراطيين في الكونجرس، وهو ما يمثل تحدياً لترمب، في ظل استعداد الحزب الديمقراطي للحصول على أغلبية مجلسي الكونجرس عقب انتخابات التجديد النصفي التي جرت في 3 نوفمبر.
وبحسب الوكالة، قد يتمكن الديمقراطيون، إلى جانب الجمهوريين الذين يتبنون مواقف مماثلة، من تعقيد مساعي الرئيس الأميركي لاسترضاء بوتين.
وفي رد على منشور كوشنر، قال السيناتور الديمقراطي مايكل بينيت، عبر منصة "إكس": "لدينا بالفعل هيكل أمني أوروبي، وهو حلف شمال الأطلسي. والتهديد الأكبر لأمن أوروبا ليس غياب الحوار، بل هو فلاديمير بوتين".
ولفتت "بلومبرغ" إلى أن مقترح كوشنر، إلى جانب تداخله مع مهام حلف الناتو، يبدو أنه يكرر أيضاً كثيراً من أهداف منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، وهي هيئة تعود إلى سبعينيات القرن الماضي، وتضم الولايات المتحدة وروسيا والعديد من الدول الأوروبية، وتهدف إلى ضمان الاستقرار والسلام في أنحاء القارة.
ضمانات أمنية لأوكرانيا
ولا تزال تفاصيل الضمانات الأمنية التي سيقدمها الحلفاء لأوكرانيا تمثل إحدى نقاط الخلاف الرئيسية، إذ تهدف هذه الضمانات إلى منع روسيا من مهاجمة البلاد مجدداً حال التوصل إلى اتفاق سلام، وتحديد طبيعة المساعدة التي ستحصل عليها كييف إذا وقع هجوم جديد، بحسب المصادر التي نقلت عنها "بلومبرغ".
وأضافت المصادر أن موسكو تعارض أي وجود عسكري غربي في أوكرانيا، وهو الوجود الذي تعتبره كييف وحلفاؤها الأوروبيون ضرورياً لردع روسيا عن مهاجمة جارتها مستقبلاً.
ويناقش الحلفاء، ومن بينهم الولايات المتحدة، تقديم ضمانات لأوكرانيا مماثلة لبند الدفاع المشترك في حلف الناتو، المعروف باسم المادة الخامسة. ومن شأن هذه الضمانات أن تشمل توفير الأسلحة وقدرات عسكرية أخرى، مع التأكيد على أن الجيش الأوكراني سيظل خط الدفاع الأول عن البلاد.
وسبق أن طالبت روسيا بفرض قيود على حجم الجيش الأوكراني وقدراته العسكرية.
وشددت المصادر، وفق الوكالة، على ضرورة التوصل إلى وقف لإطلاق النار قبل إبرام أي اتفاقات تتعلق بالترتيبات الأمنية في مرحلة ما بعد الحرب، مشيرة إلى أن هذه الترتيبات ستتطلب موافقة جميع الدول الأوروبية.
مفاوضات أبوظبي
وتستعد أوكرانيا وروسيا لاستئناف المفاوضات من النقطة التي توقفت عندها، بما يشمل مناقشة آليات تنفيذ أي اتفاق سلام ومراقبته، إلى جانب تدابير محتملة لخفض التصعيد.
ومن المرجح أن يتجه مسؤولون أوروبيون إلى أبوظبي، لكن مشاركتهم في المحادثات ستظل مشروطة بإحراز تقدم كافٍ، وفق مصادر "بلومبرغ".
وفي الوقت الراهن، جرى تعليق المفاوضات بشأن الأراضي إلى حد كبير، نظراً إلى حاجتها إلى قرارات سياسية على مستوى أعلى. ولا يزال بوتين متمسكاً بمطلب السيطرة على منطقة دونباس بأكملها في شرق أوكرانيا، دون أن يُظهر أي مؤشر على التراجع عن موقفه، وفقاً للمصادر.
أوروبا تشكك في جدية بوتين
وفي السياق، نقلت "بلومبرغ" عن مسؤولين أوروبيين اعتقادهم بأن الرئيس الروسي لا يبدي حالياً أي اهتمام بالانخراط بجدية في مفاوضات لإنهاء الحرب خلال الأشهر المقبلة، وأنه يركز بدلاً من ذلك على محاولة كسر معنويات أوكرانيا من خلال حملة قصف مكثفة، رغم عدم إحراز قواته أي تقدم ميداني وتكبدها خسائر قياسية، حسب قولهم.
وقال وزير الخارجية البولندي رادوسلاف سيكورسكي إن نظيره الأميركي ماركو روبيو والمبعوث الأميركي ستيف ويتكوف "يعتقدان أن الأمر يتعلق بالأراضي. لكن الأمر ليس كذلك، بل يتعلق بإعادة بناء الإمبراطورية الروسية"، مضيفاً: "يبدو أحياناً أن الضغوط تُمارس على الضحية أكثر مما تُمارس على المعتدي".









