
وسّعت أوكرانيا نطاق حرب المسيّرات في العمق الروسي باستهداف منشآت تابعة لأكبر متاجر التجزئة الإلكترونية في البلاد، ما تسبب بخسائر بمليارات الدولارات، ضمن استراتيجية تهدف إلى الضغط على اقتصاد موسكو، ونقل تداعيات الحرب إلى الحياة اليومية للروس.
بدأت الهجمات بعطلة نهاية أسبوع في يوليو، واستمرت على مدى شهر، ممتدة من موسكو وسان بطرسبرج إلى مدن في جنوب روسيا، وصولاً إلى جبال الأورال شرقاً؛ لكن الأهداف لم تكن مصافي نفط أو موانئ أو مصانع أسلحة، كما حدث في ضربات أوكرانية سابقة، بل مستودعات ضخمة تشكل عصب شبكة التسوق الإلكتروني في أنحاء البلاد.
واستهدفت مسيّرات أوكرانية مستودعات عملاقة تابعة لشركة "وايلدبيريز" (Wildberries)، أكبر متاجر التجزئة الإلكترونية في روسيا، ما أدى إلى احتراق بضائع بمليارات الدولارات، وفق ما أوردت وكالة "أسوشيتد برس".
وأبرزت الهجمات، التي طالت نحو 20 منشأة تابعة للشركة، قدرة كييف على ضرب أهداف متباعدة في عمق الأراضي الروسية، كما فرضت تحدياً جديداً على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بعد نحو أربعة أعوام ونصف العام من بدء الغزو الروسي لأوكرانيا.
ووجهت الهجمات ضربة قوية إلى إمبراطورية الأعمال التي بنتها تاتيانا كيم، أغنى سيدة أعمال في روسيا، والتي تُقدر ثروتها بنحو 8.1 مليار دولار.
كما خسر مئات الآلاف من البائعين بضائعهم، ما أحدث تداعيات واسعة في الاقتصاد الروسي. وكانت "وايلدبيريز" قد اقترضت مبالغ ضخمة من بنك "في تي بي" (VTB) الروسي، ثاني أكبر بنك مملوك للدولة في روسيا ومصارف أخرى لتمويل توسعها، وقد تجد صعوبة في سداد تلك الديون، ما يضيف مزيداً من الضغوط على النظام المالي.
بداية متواضعة لإمبراطورية إلكترونية
وُلدت كيم، البالغة 50 عاماً، في جروزني عاصمة الشيشان، لأسرة من أصول كورية، وكان والدها مهندساً ووالدتها معلمة. وأطلقت "وايلدبيريز" في عام 2004 من شقتها في موسكو، بعد وقت قصير من إنجاب طفلها الأول، حين كانت تعمل مدرسة للغة الإنجليزية.
وقالت كيم: "وُلدت الفكرة من احتياجاتي الشخصية، ثم تبين أن مئات الآلاف يحتاجون إليها أيضاً، فإذا كان منتج أو خدمة ما يجعل حياتك أسهل، فأنت على الطريق الصحيح".
وبدأت الشركة ببيع الملابس، قبل أن تتوسع إلى الأجهزة والأدوات المنزلية، ومستحضرات التجميل، والكتب، وغيرها. وأصبحت المنصة المعروفة بشعارها البنفسجي أكبر لاعب في سوق التجارة الإلكترونية الروسية، مستحوذة على نحو نصف الطلبات عبر الإنترنت في البلاد.
وتعتمد عليها شركات كبيرة وصغيرة لتخزين بضائعها وشحنها وتوصيلها إلى مختلف أنحاء روسيا، التي تمتد عبر 11 منطقة زمنية.
ويستخدم المنصة، التي توصف غالباً بأنها "أمازون روسيا"، ما بين 500 ألف و800 ألف بائع. وبعد انسحاب علامات تجارية غربية إثر اندلاع الحرب في أوكرانيا، ساعدت متاجر التجزئة الإلكترونية على سد الفراغ بسلع مستوردة من الصين وتركيا والإمارات ودول أخرى.
وتوسعت "وايلدبيريز" لاحقاً إلى قطاعات أخرى، فاستحوذت على بنك ودخلت مجال السياحة، بل درست شراء شركة طيران.
وفي عام 2024، أدى انفصال كيم عن زوجها فلاديسلاف باكالتشوك إلى صراع على السيطرة على الشركة. وسعى باكالتشوك إلى الحصول على دعم رئيس الشيشان رمضان قديروف، لكنه خسر الصراع في نهاية المطاف، بعدما بلغ ذروته في تبادل لإطلاق النار داخل مركز أعمال قرب الكرملين، أودى بحياة شخصين وأصاب آخرين.
مستودعات ضخمة وأهداف سهلة
تعتمد "وايلدبيريز" في قلب شبكتها اللوجستية على نحو 20 مستودعاً ضخماً لتخزين البضائع قبل توزيعها على نحو 100 ألف نقطة استلام في أنحاء روسيا.
وعلى النقيض، يعتمد منافسوها، مثل منصتي التجارة الإلكترونية أوزون "Ozon"، و"يانديكس ماركت" (Yandex Market)، على مستودعات أصغر موزعة على شبكة أوسع.
ومع توسيع أوكرانيا استخدام المسيّرات بعيدة المدى لضرب أهداف في عمق روسيا، انتقلت من استهداف القواعد العسكرية ومصافي النفط وغيرها من منشآت البنية التحتية إلى مستودعات شركة "وايلدبيريز"، التي تُشكل أهدافاً سهلة نسبياً.
ومنذ الهجوم الأول في 18 يوليو على مستودعين في مدينة إلكتروستال شرقي موسكو ومنطقة تامبوف جنوب غربي البلاد، توالت الحرائق في منشآت الشركة، وانتشرت مشاهد ألسنة اللهب والدخان على منصات التواصل.
وتصل مساحة بعض المستودعات إلى 300 ألف متر مربع، وكانت تفتقر إلى الحماية الكافية، ما جعل إشعالها أمراً سهلاً نسبياً. واستغرق إخماد الحريق في مستودع إلكتروستال، المركز الرئيسي للشركة في منطقة موسكو، ثلاثة أيام.
وقال مارك جاليوتي، الخبير في الشؤون الروسية، ورئيس شركة "ماياك إنتليجنس" (Mayak Intelligence) الاستشارية ومقرها لندن، إن هذه المنشآت "ليست أهدافاً عسكرية أو سياسية عالية القيمة، ولذلك لا تحظى بحماية خاصة، ولم تُصمم أساساً لتحمل ضربات المسيّرات".
وامتدت الهجمات من الجزء الأوروبي من روسيا إلى يكاترينبورج، الواقعة على بعد أكثر من ألفي كيلومتر من الحدود الأوكرانية.
ورغم ندرة البيانات المعلنة، تشير بعض التقديرات إلى تدمير ما يصل إلى 20% من إجمالي المساحات التخزينية للشركة، فيما تقدر الخسائر بما يصل إلى 6 مليارات دولار.
وقالت كيم إن الشركة عززت تحصينات منشآتها وإجراءات حمايتها، لكن الهجمات تواصلت، فيما أعادت أوكرانيا استهداف بعض المستودعات التي لم تلحق بها سوى أضرار محدودة في ضربات سابقة.
وبدأت شركة "وايلدبيريز" إعادة ترتيب سلاسل إمدادها عبر إنشاء "مراكز شريكة" لتخزين البضائع، في عملية تبدو طويلة ومعقدة بالنظر إلى اعتماد نموذج أعمالها بدرجة كبيرة على المستودعات العملاقة.
تداعيات اقتصادية تتجاوز الشركة
ويقول مسؤولون أوكرانيون إن شركة "وايلدبيريز" تبيع معدات ومكونات تقنية، بينها مسيّرات، للجيش الروسي. ونفت موسكو ذلك، لكن منتجات مزدوجة الاستخدام، مثل مكونات المسيّرات والسترات الواقية والمناظير الحرارية للأسلحة، لا تزال معروضة على المنصة.
وقال ميخايلو بودولياك، مستشار الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، إن الضربات تستهدف تعطيل الإمدادات العسكرية وإثارة استياء شعبي، فضلاً عن إحداث تأثير متسلسل في الاقتصاد الروسي عبر زيادة الضغوط على مصارف كبرى، قدمت قروضاً ضخمة للشركة، التي بلغت ديونها، وفق تقديرات، ما يعادل نحو 15 مليار دولار بنهاية 2025.
وتأتي هذه الضغوط فيما تعاني الشركات الروسية الصغيرة والمتوسطة بالفعل من زيادات ضريبية وعقبات تنظيمية، فضلاً عن أزمة وقود نجمت أخيراً عن الهجمات على مصافي النفط.
وقال كريس ويفر، الرئيس التنفيذي لشركة "ماكرو أدفيسوري" (Macro-Advisory) للاستشارات، إن الهجمات التي استهدفت "وايلدبيريز" زادت الضغوط التي يوجهها قطاع الأعمال في روسيا.
وأضاف: "لن أقول إنها المسمار الأخير في النعش، فنحن لم نصل إلى تلك المرحلة بعد، لكنها بالتأكيد ضربة قاسية أخرى تضاف إلى التحديات الكبيرة التي تواجهها الشركات الصغيرة بالفعل".
وكانت "Wildberries" قد عدلت مؤخراً سياستها تجاه البائعين، لتعفي نفسها من مسؤولية التعويض عن المخزون المتضرر جراء حالات "القوة القاهرة"، التي تشمل هجمات المسيّرات.
وتعهدت كيم بمساندة البائعين عبر خفض رسوم التخزين، ونقل البضائع مجاناً إلى منشآت أخرى، وتقديم قروض بشروط مخفضة وإجراءات أخرى، كما دفعت الشركة بعض التعويضات، لكنها لم تغط سوى جزء من الخسائر.
وطلب المصرف المركزي الروسي من المصارف إعادة هيكلة قروض الشركات الصغيرة والمتوسطة التي فقدت بضائعها في الهجمات.
واعتبر جاليوتي، أن استهداف "Wildberries" يعكس مساعي كييف لنقل تداعيات الحرب بصورة مباشرة إلى المجتمع الروسي، فيما حذر محللون من أن الهجمات ربما تأتي بنتائج عكسية، عبر تعزيز المشاعر المناهضة لأوكرانيا والغرب بدلاً من تأجيج الاستياء الداخلي.









