
أظهرت دراسة أميركية واسعة أن تأثير موجات الحر الشديد على الصحة قد يمتد إلى نطاق أوسع كثيراً من الجفاف وضربات الشمس، إذ ربط الباحثون الأيام شديدة الحرارة بزيادة زيارات أقسام الطوارئ والرعاية العاجلة بسبب 33 تشخيصاً، شملت اضطرابات الكلى وأمراضاً جلدية والتصلب المتعدد وإصابات وحوادث وبعض الاضطرابات النفسية والسلوكية.
وقال الباحثون إن النتائج قد تساعد المستشفيات وسلطات الصحة العامة على الاستعداد بصورة أفضل لموجات الحر، خصوصاً مع تزايد تواترها وشدتها بسبب تغيّر المناخ.
وبحسب الدراسة المنشورة في دورية Science Advances، حلل الفريق نحو 916 ألف زيارة لأقسام الطوارئ ومراكز الرعاية العاجلة قام بها أكثر من 373 ألف بالغ في أربعة أنظمة للرعاية الصحية بمدينة شيكاجو بين عامي 2011 و2023.
المشكلات الصحية
شملت الدراسة الأشهر الدافئة من مايو إلى سبتمبر، وسعى الباحثون إلى تحديد المشكلات الصحية التي تزداد احتمالات ظهورها عندما ترتفع درجات الحرارة بشدة، بدلاً من اختيار مجموعة محددة مسبقاً من الأمراض المرتبطة عادة بالحر.
وحدد الباحثون 100 يوم من الحر الشديد خلال فترة الدراسة، عُرفت بأنها الأيام التي بلغت فيها درجة الحرارة 33.7 درجة مئوية أو أكثر. ووقعت 36% من تلك الأيام في يوليو، و25% في أغسطس، و23% في يونيو، بينما توزعت النسبة المتبقية بين مايو وسبتمبر.
واستخدم الفريق البحثي نهجاً مستوحى من الدراسات الجينية واسعة النطاق، التي تبحث في عدد كبير من المتغيرات دون الاقتصار مسبقاً على عدد محدود منها. وفحص الباحثون 1803 رموز تشخيصية، ثم استخدموا تحليلاً إحصائياً من مرحلتين لاختبار ارتباط كل منها بدرجات الحرارة. واحتفظ التحليل الأول بـ44 رمزاً، قبل أن تنتهي المرحلة الثانية إلى 33 تشخيصاً اعتبر الباحثون أن ارتباطها بالحر يستحق الإبلاغ السريري.
وشملت النتائج بعض الآثار المتوقعة، مثل نقص السوائل والفشل الكلوي الحاد واضطرابات توازن السوائل، لكنها كشفت أيضاً عن ارتباطات أقل وضوحاً، من بينها الطفح الجلدي والتورم وقرح الضغط والدوالي في الساقين والتصلب المتعدد وبعض الاضطرابات النفسية والسلوكية المرتبطة بالقنب، بالإضافة إلى لدغات ولسعات الحشرات.
كما رصد الباحثون زيادات في مجموعة من الإصابات والأسباب الخارجية خلال الأيام شديدة الحرارة، من بينها حوادث المرور والاعتداءات وإصابات مرتبطة بالأسلحة النارية، بما في ذلك حالات إطلاق النار العرضي. وقال الباحثون إن تقديرات بعض تلك الارتباطات كانت أقل دقة من الارتباطات الخاصة بالأمراض، ولذلك ينبغي تفسيرها بحذر.
وقال المؤلف المشارك في الدراسة، دانييل هورتون، المتخصص في علوم الأرض والمناخ بجامعة نورث وسترن الأميركية، إن دراسات سابقة أظهرت أن التعرض للحر الشديد قد يرتبط بزيادة السلوك العدواني، وهو ما قد يسهم في تفسير بعض الزيادة في الإصابات الناتجة عن الاعتداء، لكنه شدد على أن النتائج تكشف ارتباطات إحصائية ولا تثبت وحدها أن الحرارة كانت السبب المباشر في كل حالة.
وتكمن أهمية النهج الجديد، بحسب الباحثين، في أن السجلات الطبية تسجل عادة المرض أو الإصابة التي عولج منها المريض دون الإشارة إلى أن الحرارة ربما أسهمت فيها. ولذلك يمكن للدراسات التي تبحث فقط عن التشخيصات المعروفة، مثل الإجهاد الحراري وضربة الشمس، أن تقلل من تقدير العبء الصحي الحقيقي لموجات الحر.
وقالت المؤلفة الرئيسية للدراسة، هيوجونج جانج، الباحثة في كلية فاينبرج للطب التابعة لنورث وسترن، إن الاقتصار على تتبع الأمراض الأكثر شهرة المرتبطة بالحر يمكن أن يؤدي إلى التقليل من حجم العبء الصحي، وبالتالي تجاهل بعض الأشخاص والمجتمعات الأكثر عُرضة للخطر.
موجات الحر
وأظهر تحليل خصائص المشاركين أن متوسط أعمارهم بلغ 52 عاماً، وأن النساء مثّلن 57.9% منهم. وكان الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 25 و44 عاماً أكبر فئة عمرية منفردة، بينما شكّل أصحاب البشرة السمراء غالبية المشاركين بحسب العرق، وسجل الجانب الغربي من شيكاجو أكبر حصة من زيارات الطوارئ والرعاية العاجلة.
وقال الباحثون إن النتائج يمكن أن تساعد أقسام الطوارئ على توقُّع زيادة الطلب على علاج الجفاف ومشكلات الكلى وغيرها خلال موجات الحر وحتى في الأيام التالية لها، كما يمكن استخدامها في تطوير إرشادات السلامة للعاملين في الهواء الطلق وتحديد المجتمعات الأكثر احتياجاً إلى إجراءات الحماية.
وأضاف هورتون أن تقليل التعرض للحر يظل أمراً أساسياً، مشيراً إلى إجراءات مثل زيادة المساحات المظللة وزراعة الأشجار وتحسين الوصول إلى أجهزة تكييف الهواء ووضع قواعد لحماية العمال الذين يعملون في الخارج.
وأردف الباحثون بالقول إن الدراسة، رغم اقتصارها على شيكاجو، تقدم إطاراً يمكن تطبيقه في مدن ودول أخرى وعلى أنواع أخرى من البيانات، مثل سجلات سيارات الإسعاف والوفيات، بما يسمح بتكوين صورة أشمل عن العبء الصحي للحر الشديد بدلاً من قصره على الأمراض التي اعتاد الأطباء والباحثون ربطها بموجات الحر.










