تقنية تعيد برمجة الخلايا المناعية بالجسم تمهد لعلاج السرطان | الشرق للأخبار

تقنية تعيد برمجة الخلايا المناعية داخل الجسم تمهد لعلاج السرطان

ممرضة تحضّر حقنة مناعية تستهدف أكثر من 12 نوعاً من السرطان، مركز ماونت فيرنون للسرطان بمقاطعة هيرتفوردشاير، بريطانيا. 27 أبريل 2026 - Reuters
ممرضة تحضّر حقنة مناعية تستهدف أكثر من 12 نوعاً من السرطان، مركز ماونت فيرنون للسرطان بمقاطعة هيرتفوردشاير، بريطانيا. 27 أبريل 2026 - Reuters
القاهرة -

طور باحثون نهجاً جديداً للعلاج المناعي يعتمد على إعادة برمجة الخلايا المناعية مباشرة داخل جسم المريض، بدلاً من استخراجها وتعديلها وراثياً في المختبر ثم إعادتها إليه، في تقنية واعدة قد تفتح آفاقاً جديدة في علاج مرض السرطان وأمراض المناعة الذاتية وبعض الأمراض المعدية، مع إمكانية خفض التكلفة وتقليص الوقت اللازم لإنتاج العلاج.

تعتمد أنواع العلاج المناعي الخلوي التقليدية، ومنها العلاج بالخلايا التائية المعدّلة بمستقبلات المستضدات الخيمرية (CAR-T)، على سحب خلايا مناعية من دم المريض، وإعادة هندستها وراثياً داخل المختبر لتتمكن من التعرف على الخلايا السرطانية ومهاجمتها، قبل إعادة حقنها في الجسم.

ورغم نجاح هذه التقنية في علاج أنواع من سرطانات الدم واضطراباته، فإن تصنيع الخلايا المعدلة لكل مريض يتطلب تجهيزات متخصصة، وإجراءات معقدة تستغرق وقتاً طويلاً، فضلاً عن تكلفتها المرتفعة، ما يحد من إمكانية توفير العلاج على نطاق واسع.

وبحسب الدراسة التي نشرتها دورية "Nature"، يسعى النهج الجديد إلى تحويل جسم المريض نفسه إلى بيئة لإنتاج الخلايا المناعية العلاجية، من خلال إيصال تعليمات وراثية مباشرة إلى خلايا محددة، بحيث تكتسب القدرة على التعرف على أهداف مرضية، ومهاجمتها دون حاجة إلى إخراجها من الجسم.

تعديل الخلايا المناعية لعلاج السرطان

تقوم فكرة تعديل الخلايا المناعية داخل الجسم على إيصال تعليمات وراثية دقيقة إلى خلايا محددة في الجهاز المناعي، بحيث يمكن إعادة برمجتها لأداء وظائف علاجية جديدة، دون حاجة إلى استخراجها من دم المريض، وتعديلها في المختبر. 

ولتحقيق ذلك، استخدم العلماء وسائل توصيل متطورة، أبرزها "الجسيمات النانوية الدهنية"، وهي حويصلات متناهية الصغر، مصنوعة من مواد دهنية، تستطيع تغليف جزيئات وراثية، مثل الحمض النووي الريبي المرسال (mRNA)، وحمايتها من التحلل أثناء انتقالها داخل الجسم.

بعد إعطاء العلاج، غالباً عن طريق الحقن، تنتقل هذه الجسيمات عبر مجرى الدم، ويُصمَّم سطحها في بعض التقنيات لاستهداف مستقبلات معينة على أنواع من الخلايا المناعية، مثل الخلايا التائية، والارتباط بها. وبمجرد دخول الجسيمات إلى الخلية، تطلق حمولتها الوراثية، التي توجه آليات تصنيع البروتينات داخلها إلى إنتاج بروتينات جديدة تُكسب الخلية قدرات علاجية لم تكن تمتلكها سابقاً. 

على سبيل المثال، يمكن توجيه الخلايا التائية لإنتاج مستقبلات صناعية، تعرف باسم (CAR)، تتيح لها التعرف على علامات محددة موجودة على سطح بعض الخلايا السرطانية، ثم تنشيط آلياتها المناعية لمهاجمتها وتدميرها.

ويختبر الباحثون أيضاً استخدام نواقل فيروسية معدَّلة هندسياً، تستفيد من قدرة الفيروسات الطبيعية على إدخال المواد الوراثية إلى الخلايا، لكن بعد إعادة تصميمها لتوصيل التعليمات العلاجية. 

ويختلف تأثير ومدة التعديل بحسب وسيلة التوصيل؛ فالتعليمات المعتمدة على الحمض النووي الريبي المرسال تؤدي عادة إلى إنتاج مؤقت للبروتين المطلوب دون تغيير الحمض النووي للخلية، بينما يمكن لبعض النواقل الفيروسية إدخال مادة وراثية تستمر لفترات أطول، وقد تندمج في جينوم الخلية بحسب نوع الناقل المستخدم. 

ويسعى العلماء إلى التحكم في مدة عمل الخلايا المعدلة، بحيث يستمر نشاطها عند الحاجة إلى علاج طويل الأمد، أو يتراجع بعد فترة محددة لتقليل احتمالات المضاعفات، ومع ذلك، فإن التحدي الأكبر يتمثل في ضمان وصول التعليمات إلى الخلايا المقصودة فقط، ومنع وصولها إلى أنسجة أخرى أو إثارة استجابات مناعية غير مرغوبة، فضلاً عن إثبات أن الخلايا المعاد برمجتها تستطيع أداء وظيفتها العلاجية بأمان وفاعلية داخل جسم الإنسان، ولذلك لا تزال هذه التقنيات، رغم النتائج الأولية الواعدة، في مراحل مختلفة من البحث والتجارب السريرية.

ولا تقتصر التطبيقات المحتملة على الخلايا التائية المستخدمة في مكافحة السرطان؛ إذ يبحث العلماء إمكانية إعادة برمجة أنواع أخرى من الخلايا المناعية، بما يسمح بتطوير آليات علاجية تستهدف اضطرابات المناعة الذاتية، التي يهاجم فيها الجهاز المناعي أنسجة الجسم، وكذلك بعض الأمراض المعدية.

لكن الباحثين حذروا من عقبات أساسية، أبرزها ضمان وصول التعليمات الوراثية إلى الخلايا المطلوبة دون غيرها، وتجنب حدوث تعديلات جينية غير مقصودة، أو استجابات مناعية سلبية تجاه المواد المستخدمة في توصيل العلاج.

ويواجه العلماء تحدياً يتعلق بالتحكم في مدة استمرار نشاط الخلايا المعدَّلة؛ إذ قد تتطلب بعض الأمراض استجابة مناعية طويلة الأمد، بينما تستدعي حالات أخرى إيقاف النشاط العلاجي بعد فترة محددة لتجنب المضاعفات.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة؛ لأن استمرار نشاط الخلايا المناعية بصورة غير منضبطة قد يؤدي إلى تأثيرات ضارة، ما يجعل تطوير وسائل للتحكم في شدة الاستجابة المناعية، ومدتها، أحد الشروط الأساسية لسلامة هذه الآليات العلاجية الجديدة.

ورغم النتائج المشجعة لبعض التجارب المبكرة، يؤكد الباحثون أن إثبات سلامة هذه التقنيات وفاعليتها على المدى الطويل لا يزال ضرورياً قبل اعتمادها على نطاق واسع، خصوصاً مع اختلاف متطلبات علاج السرطان، وأمراض المناعة الذاتية، والعدوى. 

تصنيفات

قصص قد تهمك