
حذّرت دراسة حديثة من أن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى إضعاف مهارات التفكير النقدي للبشر، في ظل الاعتماد المتنامي على تلك الأدوات للحصول على إجابات سريعة.
وترى عالمة الأعصاب النظرية فيفيين مينج، التي عملت نحو 3 عقود في مجال الذكاء الاصطناعي، أن النقاش التقليدي بشأن ما إذا كانت الآلة أكثر ذكاءً من الإنسان؛ يطرح السؤال الخطأ، إذ إن القضية الأساسية لا تتعلق بقدرات الأنظمة، بل بكيفية توظيف البشر لها.
وأشارت إلى أن السردية الشائعة؛ التي تفترض أن الذكاء الاصطناعي سيتولى المهام الروتينية مثل البحث وإعداد المسودات، وتحليل البيانات، بينما يركز البشر على الإبداع واتخاذ القرار؛ لا تعكس الواقع بدقة.
الذكاء الاصطناعي والعقل البشري
وذكرت صحيفة وول ستريت جورنال، أن مينج أجرت تجربة ميدانية على مجموعة من البالغين في مدينة سان فرانسيسكو الأميركية، وطلبت من المشاركين التنبؤ بأحداث واقعية خلال ساعة واحدة، باستخدام سيناريوهات مستمدة من منصة Polymarket للمراهنات، التي تتيح مقارنة التوقعات بنتائج سوق تنبؤية تعتمد على آراء آلاف المشاركين المدفوعين بحوافز مالية.
وشملت التجربة نماذج ذكاء اصطناعي تعمل بشكل مستقل، إلى جانب فرق بشرية، وأخرى هجينة تجمع بين الطرفين، باستخدام أدوات مثل ChatGPT، وجيميناي.
أظهرت النتائج أن الفرق البشرية سجلت أداءً ضعيفاً، إذ اعتمدت بشكل كبير على الحدس، أو معلومات سطحية متاحة في يوم التجربة، فيما حققت نماذج الذكاء الاصطناعي نتائج أفضل، لكنها ظلت أقل دقة.
وعند الانتقال إلى الفرق الهجينة، كشفت النتائج عن تباين واضح في الأداء؛ فقد اكتفى معظم المشاركين باستخدام إجابات الذكاء الاصطناعي كما هي، ما جعل نتائجهم لا تتجاوز أداء هذه النماذج منفردة.
وفي حالات أخرى، أدخل المشاركون توقعاتهم الخاصة، وطلبوا من الذكاء الاصطناعي تقديم أدلة داعمة، وهو ما أدى إلى الوقوع في حلقة التحيز التأكيدي، حيث يميل النظام إلى دعم آراء المستخدم، حتى وإن كانت غير دقيقة، ما انعكس سلبًا على النتائج.
الذكاء الهجين
في المقابل، أظهرت نسبة محدودة من الفرق، تراوحت بين 5% و10%، نمطاً مختلفاً من التفاعل، إذ تعاملت مع الذكاء الاصطناعي كشريك فكري حقيقي، من خلال التشكيك في نتائجه، وطلب الأدلة، وفحص الافتراضات بشكل منهجي.
وعندما أظهر النظام درجة عالية من الثقة، عمد المشاركون إلى اختبار هذه الثقة، بينما لجأوا إلى طلب حجج مضادة عندما تمسكوا بآرائهم.
ووصفت الدراسة هذه الحالة بأنها شكل من الذكاء الهجين "Hybrid Intelligence" الذي تتكامل فيه قدرات الإنسان والآلة.
وتمكنت هذه الفرق من التوصل إلى استنتاجات أكثر عمقاً، وحققت أداءً يضاهي دقة الأسواق التنبؤية، بل وتفوقت عليها في بعض الحالات.
وأكدت مينج أن هذا التفوق لا يعود إلى مستوى ذكاء أعلى لدى المشاركين، بل إلى امتلاكهم مهارات محددة، أبرزها القدرة على تبني وجهات نظر مختلفة، والتواضع الفكري، أي إدراك حدود المعرفة الشخصية، والتعامل مع حالة عدم اليقين.
وأوضحت أن هذه المهارات ذات طبيعة عاطفية في جوهرها، إذ يتطلب تبني وجهات نظر مختلفة فضولاً حقيقياً تجاه أفكار الآخرين، بينما يستلزم التواضع الفكري شجاعة نفسية لتقبل الشعور بعدم اليقين، ونقص المعرفة.
إلا أن هذه الصفات لا تحظى عادة بالتقدير، في ظل ثقافة تميل إلى تمجيد الثقة والحسم، إلى جانب تصميم أنظمة الذكاء الاصطناعي لتقديم إجابات فورية تقلل من مساحة الشك والتفكير.
وفي هذا الإطار، تشير الدراسة إلى أن القدرات الأكثر أهمية في عصر الذكاء الاصطناعي قد تكون تلك "غير المريحة"، مثل القبول بإمكانية الخطأ، والحفاظ على الفضول، والتريث قبل اللجوء إلى الإجابات الجاهزة، إضافة إلى التشكيك في الردود التي تبدو واثقة.
وترى مينج أن هذه المهارات لا تُكتسب عبر تجنب الصعوبات، بل من خلال مواجهتها، كما في حالات الطلاب الذين يحاولون حل المسائل قبل الاطلاع على الإجابات، أو القراء الذين يمنحون أنفسهم وقتاً لفهم الأفكار المعقدة في ما يقرأونه من كتب.
تراجع الاستكشاف البشري
وأطلقت مينج على هذه الظاهرة مصطلح "مفارقة المعلومات والاستكشاف"، إذ يؤدي انخفاض تكلفة الوصول إلى المعلومات إلى تراجع الاستكشاف البشري.
وتظهر هذه المفارقة في تحسن أداء الطلاب أثناء استخدام الذكاء الاصطناعي مقابل تراجع أدائهم لاحقاً، وكذلك في زيادة إنتاجية المطورين مع انخفاض مستوى فهمهم لما يكتبونه من شفرات برمجية.
وحذّرت الدراسة من أن الخطر الحقيقي لا يكمن في سيناريوهات حلول الآلة محل البشر، بل في عملية تدريجية يتم خلالها تفويض الحكم البشري للذكاء الاصطناعي، بشكل غير ملحوظ.
ومع مرور الوقت، ربما يؤدي ذلك إلى انقسام المستخدمين إلى فئتين، الأولى تستخدم هذه التقنيات كشريك يعزز التفكير، والثانية تعتمد عليها للحصول على إجابات سريعة، دون تطوير مهارات التحليل، وطرح الأسئلة.
ودعت مينج إلى إعادة تعريف الهدف من استخدام الذكاء الاصطناعي، بحيث لا يقتصر على تسريع الوصول إلى الإجابات، بل يمتد إلى تعميق الفهم، واكتشاف أوجه القصور في التفكير.
وشددت على أهمية طلب الحجج المعارضة، والانتباه إلى نقاط التردد في إجابات الأنظمة، والتعامل معها كأدوات مساعدة على التفكير لا بدائل عنه.










