"ليست مساحة خاصة".. السيارات الذكية تجمع بيانات عن أصحابها | الشرق للأخبار

"ليست مساحة خاصة".. السيارات الذكية تجمع بيانات هائلة عن أصحابها

لم تعد مجرد منتج مادي بل أصبحت بيانات القيادة نفسها جزءاً من السلعة

time reading iconدقائق القراءة - 9
تستطيع السيارات الذكية جمع بيانات هائلة عن مستخدميها، صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي - Asharq
تستطيع السيارات الذكية جمع بيانات هائلة عن مستخدميها، صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي - Asharq
القاهرة-

تستطيع السيارات الذكية المتصلة بالإنترنت جمع بيانات هائلة عن سائقيها، ما يدر أرباحاً على المصنعين تتجاوز قيمة السيارة، وسط مخاوف جدية بشأن الخصوصية.

ووفق تقرير  لموقع HowToGeek التقني، فإن شراء سيارة جديدة اليوم لا يعني فقط اقتناء وسيلة نقل، بل الاشتراك فعلياً في منظومة مراقبة رقمية مستمرة، غالباً دون علم المستخدم الكامل أو موافقته الصريحة.

ويستند هذا النموذج إلى ممارسات مشابهة لما كشفته تقارير مالية سابقة لشركة "فيزيو" المصنعة لأجهزة التلفزيون الذكية، والتي أظهرت أن الجزء الأكبر من أرباحها كان يأتي من بيع بيانات المشاهدة والإعلانات، وليس من بيع أجهزة التلفزيون نفسها.

وبحسب التقرير، تتبنى شركات السيارات حالياً نموذجاً مشابهاً، إذ لم تعد السيارة مجرد منتج مادي، بل أصبحت بيانات القيادة نفسها جزءاً من السلعة التي تحقق للشركات أرباحاً إضافية.

السيارات الذكية والبيانات الشخصية

تعتمد السيارات الحديثة على منظومة واسعة من المستشعرات، والكاميرات، والميكروفونات، وأجهزة تحديد المواقع (GPS)، والحواسيب المدمجة.

ورغم مساعدة هذه الأنظمة للسائق، لكنها في الوقت نفسه تتيح للشركات المصنعة جمع بيانات تفصيلية عن المستخدمين.

ويمكن للسيارة تسجيل الأماكن التي يزورها السائق، ومواعيد انطلاقه، ومدى قوة استخدام المكابح، وعدد مرات تجاوز السرعة المقررة، وما إذا كان يقود نهاراً أو ليلاً.

وتذهب بعض الأنظمة إلى أبعد من ذلك، إذ تستخدم كاميرات داخلية لمراقبة تعابير الوجه، واكتشاف النعاس، أو تشتت الانتباه، بينما تظل بعض الميكروفونات في حالة تشغيل دائم لرصد الأصوات داخل المقصورة.

كما يمكن للسيارة، عند ربط الهاتف الذكي بها، الوصول إلى قائمة جهات الاتصال، وسجل المكالمات، والرسائل النصية، وربطها بحساب المستخدم لدى الشركة المصنعة.

سيارتك ليست "مساحة خاصة"!

استشهد التقرير بدراسة أجرتها مؤسسة "موزيلا"، ضمن مشروع يحمل اسم (Privacy Not Included)، شملت 25 شركة سيارات كبرى.

وخلصت الدراسة إلى أن أياً من الشركات التي جرى تقييمها "لم تستوفِ المعايير الأساسية المتعلقة بالشفافية، أو منح المستخدمين السيطرة على بياناتهم، أو توفير مستويات كافية من الحماية الأمنية".

وأظهرت النتائج أن 84% من الشركات المشاركة في الدراسة تشارك بيانات السائقين أو تبيعها، بينما تمنح 92% منها المستخدمين قدرة محدودة للغاية، أو معدومة، للتحكم في البيانات التي تُجمع عنهم.

وأكدت الدراسة أن البيانات الناتجة عن استخدام السيارات لا تُخزَّن فقط على خوادم الشركات، بل تُجمع وتُحلل وتُباع وتُستخدم بطرق لا يتوقعها معظم المشترين.

وقالت جين كالترايدر، مديرة برنامج (Privacy Not Included) بمؤسسة "موزيلا"، إن كثيراً من الأشخاص ما زالوا ينظرون إلى السيارة باعتبارها مساحة خاصة، يمكن فيها إجراء مكالمات شخصية، أو التحدث مع أفراد الأسرة، أو حتى زيارة أماكن لا يرغبون في مشاركة معلومات عنها مع الآخرين.

وأضافت أن هذا التصور "لم يعد يعكس الواقع"، معتبرة أن السيارات الجديدة أصبحت "كابوساً متحركاً للخصوصية" نظراً لحجم المعلومات الشخصية التي تجمعها.

مراقبة سلوك القيادة

وأشار التقرير إلى أن كثيراً من السائقين لا يدركون أساساً ما يحدث لبياناتهم بعد جمعها.

وضرب مثالاً بشركة "جنرال موتورز"، التي استخدمت سابقاً خدمة (OnStar Smart Driver) لمراقبة سلوك القيادة، بما في ذلك الكبح المفاجئ، والقيادة الليلية، وتجاوز السرعة، مع تسجيل بعض هذه البيانات كل ثلاث ثوانٍ.

وكانت هذه البيانات تُباع لشركات إعداد التقارير الاستهلاكية، التي تنقلها بدورها إلى شركات التأمين، ولم يكتشف عدد من السائقين الأمر إلا بعد ارتفاع أقساط التأمين الخاصة بهم، أو رفض تجديد التغطية التأمينية.

ونقل التقرير عن أحد العملاء قوله، في شكوى قُدمت إلى لجنة التجارة الفيدرالية الأميركية FTC، إنه اشترك في الخدمة فقط لكي تتمكن OnStar من تتبع موقعه وتقديم خدمات المساعدة، وليس لإرسال بياناته إلى جهات خارجية تؤثر لاحقاً على تكلفة التأمين الخاصة به.

إجراءات قانونية

دفعت هذه الممارسات لجنة التجارة الفيدرالية الأميركية إلى رفع دعوى ضد "جنرال موتورز" وخدمة OnStar، انتهت بتسوية تفرض على الشركة حظراً لمدة 5 سنوات، يمنعها من مشاركة بيانات الموقع الجغرافي، وسلوك القيادة مع شركات إعداد التقارير الاستهلاكية.

كما ألزمت التسوية الشركة بالحصول على موافقة صريحة من المستخدمين قبل جمع، أو مشاركة بيانات السيارات المتصلة لمدة تصل إلى 20 عاماً.

وفي ولاية كاليفورنيا، فُرضت على الشركة غرامة مدنية بلغت 12.75 مليون دولار، بموجب "قانون خصوصية المستهلك" في الولاية، وهي أكبر عقوبة من نوعها تصدر بموجب هذا القانون.

لكن التقرير أشار إلى أن "جنرال موتورز" حققت نحو 20 مليون دولار من مبيعات البيانات خلال 4 سنوات فقط، ما يعني أن الغرامة بقيت أقل من الإيرادات التي حققتها الشركة من بيع بيانات العملاء.

كما لفت إلى أن تسوية لجنة التجارة الفيدرالية لم تتضمن أي عقوبة مالية على المستوى الفيدرالي، وهو ما اعتبره بعض الخبراء دليلاً على محدودية الردع القانوني في هذا المجال.

ولم تكن "جنرال موتورز" الحالة الوحيدة، إذ رفع المدعي العام لولاية تكساس دعوى ضد شركة Allstate، وشركتها التابعة Arity، بتهمة جمع وبيع بيانات قيادة أكثر من 45 مليون شخص دون الحصول على موافقتهم.

وفي ولاية كونيتيكت، أصدرت السلطات عشرات الإخطارات المتعلقة بانتهاكات قوانين الخصوصية خلال عام 2025، مع التركيز بشكل خاص على السيارات المتصلة بالإنترنت، وبيانات المواقع الجغرافية.

كما عدلت ولاية أوريجون "قانون الخصوصية" لديها في سبتمبر 2025 ليشمل جميع شركات السيارات العاملة داخل الولاية بغض النظر عن حجمها، ما أغلق ثغرة قانونية كانت تسمح لبعض الشركات الصغيرة بتجنب الامتثال.

تكلفة مضاعفة

يرى التقرير أن الفارق الجوهري بين السيارات وأجهزة التلفزيون الذكية يكمن في غياب المقابل الذي يحصل عليه المستهلك؛ ففي حالة التلفزيونات الذكية، يمكن المجادلة بأن بيع بيانات المستخدمين يساعد على خفض أسعار الأجهزة. أما في قطاع السيارات، فلا يبدو أن هناك منفعة مماثلة للمستهلك.

وأشار التقرير إلى أن متوسط سعر شراء سيارة جديدة يقترب حالياً من 50 ألف دولار، وهو أعلى مستوى يسجله القطاع على الإطلاق.

وأضاف أن العديد من العملاء يدفعون أيضاً اشتراكات شهرية مقابل الخدمات المتصلة التي تقوم أساساً بجمع البيانات عنهم، في الوقت الذي تستفيد فيه الشركات مرة أخرى من بيع تلك البيانات.

صعوبة التحكم

ولفت التقرير إلى أن تعطيل جمع البيانات ليس أمراً سهلاً دائماً، فشركة تسلا، على سبيل المثال، تحذر في سياسة الخصوصية الخاصة بها من أن إيقاف بعض عمليات جمع البيانات قد يؤدي إلى انخفاض وظائف السيارة، أو تعرضها لمشكلات تشغيلية، أو حتى توقف بعض مزاياها عن العمل.

وبذلك تصبح الخصائص التي تدفع المستهلك إلى شراء السيارة نفسها هي الوسيلة التي تُستخدم لجمع بياناته.

أوضح التقرير أن خيارات الحماية ما زالت محدودة، لكنها متاحة جزئياً من خلال عدة خطوات:

  • مراجعة إعدادات الخصوصية داخل نظام الترفيه، أو التطبيق المرتبط بالسيارة، والبحث عن خيارات مشاركة البيانات، أو خدمات التأمين والأطراف الخارجية، وتعطيل ما يمكن تعطيله.
  • قراءة سياسة الخصوصية قبل تفعيل أي خدمة متصلة، رغم أن تفاصيل مشاركة البيانات غالباً ما تكون مدفونة داخل النصوص الطويلة، والشروط التفصيلية.
  • بالنسبة لمالكي سيارات "جنرال موتورز" الذين استخدموا خدمة (OnStar Smart Driver)، يمكن طلب نسخة من البيانات المسجلة، أو المطالبة بحذفها عبر بوابة خصوصية المستهلك التابعة للشركة، تنفيذاً لمتطلبات التسوية مع لجنة التجارة الفيدرالية.

مخاطر تتجاوز الخصوصية

خلص التقرير إلى أن صناعة السيارات عملت لسنوات طويلة في بيئة رقابية محدودة فيما يتعلق بجمع البيانات، إلا أن هذا الوضع بدأ يتغير تدريجياً مع تزايد تدخل الجهات التنظيمية.

وأكد أن لجنة التجارة الفيدرالية الأميركية باتت تتعامل مع البيانات الناتجة عن السيارات باعتبارها معلومات شخصية حساسة، وليست مجرد ناتج ثانوي للتطور التكنولوجي.

ومع ذلك، يرى التقرير أن وتيرة التشريعات ما زالت أبطأ من تطور التكنولوجيا، في وقت تحتفظ فيه الشركات بالفعل بمخزونات ضخمة من البيانات التي جُمعت خلال السنوات الماضية.

تصنيفات

قصص قد تهمك