Open toolbar

رئيس الوزراء البريطاني ريشي سوناك يتحدث خلال جلسة الأسئلة الأسبوعية في مجلس العموم بالعاصمة البريطانية لندن. 25 يناير 2023 - AFP

شارك القصة
Resize text
لندن-

منذ عام 2021، لم تهدأ  أزمات حزب المحافظين الحاكم في بريطانيا ومشاكله، إذ توالت المشاكل مشكلة تلو أخرى، ومعها فضائح تجر أزمات، كان جميع المتورطين فيها من الصف الأول في قيادات الحزب.

ومع تكرر الأسماء، تعمق المأزق السياسي الذي يعيشه أصحاب الأكثرية المطلقة في مجلس العموم، منذ نحو عامين، وبالتحديد منذ تفجر "فضيحة الحفلات" المعروفة باسم "بارتي جيت".

آخر مشكلات المحافظين، جاءت ثنائية القطب، ارتبط الشق الأول فيها بتهرب ضريبي وقع فيه رئيس شؤون الحزب الحاكم، ووزير الخزانة السابق ناظم الزهاوي. والثاني يتعلق بقرض حصل عليه قبل بضع سنوات رئيس الوزراء الأسبق بوريس جونسون، وتشوبه تهمة فساد طاولت معه رئيس هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي".  

ثمة من يعتقد أن الأزمة الجديدة التي يعيشها المحافظون، نتاج أخطاء سابقة لأصحابها ولا تنطوي على أبعاد سياسية، فيما يراها آخرون جولة من تصفية حسابات داخلية في الحزب، وضربة جديدة اجتمعت فيها أحزاب المعارضة لتوسيع الهوة بين الشارع البريطاني والحزب القابض على السلطة منذ 2010. 

التحقيق بشأن الزهاوي  

أياً كانت الأسباب وراء تزامن تفجر فضيحتي الزهاوي وجونسون الجديدتين، إلا أنهما وضعتا رئيس الوزراء ريشي سوناك أمام المساءلة البرلمانية، إذ لم يكن حزب العمال المعارض ليدع هذه الفرصة للنيل من منافسه تمر، خصوصاً وأن سوناك نفسه لديه مشكلة سابقة في سجله الضريبي مع زوجته أكشاتا مورتي، ابنة الملياردير الهندي نارايانا مورتي. 

ويواجه الزهاوي دعوات للاستقالة، بعد الكشف عن مخالفة ضريبية أدين بها وعوقب عليها من قبل الهيئة المعنية بغرامة تقارب 5 ملايين جنيه استرليني. وقد ارتكب رئيس حزب المحافظين تلك المخالفة عندما كان وزيراً للخزانة في نهايات عهد حكومة بوريس جونسون، في الفترة بين يوليو وسبتمبر 2022.

وكلف سوناك مستشارته المستقلة لشؤون الوزراء لوري ماجنوس بالتحقيق، في وقت تم الكشف عن الشؤون الضريبية للزهاوي.

وإذ اعتبر البعض أن التحقيق بمثابة ذريعة لتأجيل إقالة الزهاوي، قال رئيس الحكومة أمام البرلمان إنه "يريد معالجة قانونية وليست سياسية للأزمة الراهنة".

ويرى عضو حزب المحافظين سيمون فيرب أن سوناك سيضطر إلى إقالة رئيس الحزب (المحافظين) في نهاية المطاف، خصوصاً أنه استعجل في تبرئته قبل أسبوع، ثم اتضح أن الزهاوي تهرب من الضرائب ونال مخالفة بملايين الجنيهات، الأمر الذي أحرج رئيس الوزراء وجعله "مثار سخرية أمام المعارضة" في البرلمان. 

وأوضح فيرب لـ"الشرق" أن سوناك لا يتمسك بالزهاوي إلا ليظهر نفسه "سنداً لنواب الحزب". كما أنه يحاول الدفاع عن تشكيلته الوزارية التي اختارها كحكومة ائتلافية تجمع التيار الذي يؤيده والمجموعة المحسوبة على رئيس الوزراء الأسبق بوريس جونسون، والتي ينتمي لها الزهاوي نوعاً ما.

ورأى فيرب أن عدم تسرع رئيس الوزراء في إقالة الزهاوي ينطوي على محاولة لتجنب محاولات تصفية الحسابات الداخلية في الحزب الحاكم، فالمحافظون ليسوا على قلب رجل واحد رغم الأزمات التي يواجهونها، في حين أن أحزاب المعارضة موحدة ومتماسكة خلف قياداتها كما لم تكن من قبل أبداً، خاصة العمال.

التشكيك بنزاهة سوناك 

وفيما تمارس المعارضة ضغوطاً على رئيس الحكومة بسبب ضرائب الزهاوي وقرض جونسون الغامض، قال رئيس حزب العمال كير ستارمر، أمام البرلمان، إن ريشي سوناك "غارق في الضعف" لأنه يتجنب إقالة رئيس حزب المحافظين من منصبه، ويتجنب أيضاً الخوض في الشبهات المالية التي تدور حول رئيس الوزراء الأسبق.

من جهته، شدد زعيم الحزب الوطني الإسكتلندي في البرلمان البريطاني ستيفن فلين على أن قضية الشؤون الضريبية للزهاوي أصبحت "موضع تشكيك واضح في نزاهة رئيس الوزراء نفسه".

ولفت إلى أن الاسكتلنديين اليوم باتوا ينظرون إلى حزب المحافظين الحاكم كـ"مجموعة من المحتالين لا أكثر"، على  حد تعبيره.  

وترجم التشكيك في نزاهة سوناك حرفياً من خلال سؤال رسمي وجه من نواب في البرلمان إلى رئيس الحكومة يستسفرون فيه ما إذا كان قد حصل على مخالفة ضريبية تشبه تلك التي  نالها الزهاوي، لكن ناطقاً باسم الحكومة رد على التساؤل بالنفي، وقال إن سوناك سيعلن قريباً إقراره الضريبي كاملاً، من دون أن يحدد موعداً لذلك.

ودارت تساؤلات كثيرة العام الماضي بشأن السجل الضريبي لزوجة سوناك. وشنت وسائل إعلام محلية حملة على زوجته الثرية بحجة أنها تدفع ضرائب أقل على عائدات شركتها ودخلها، لأنها تسجل أعمالها كأنشطة أجنبية، لكن محاسبي العائلة قدموا توضيحات قانونية للجهات المختصة في هذا الشأن. 

ووفقاً لتقارير إعلامية، استطاعت أكشاتا مورثي التهرب من دفع ضرائب على أرباح سنوية بلغت نحو 11.5 مليون جنيه إسترليني في العام المالي 2020 و2021. وعندما ترشح سوناك لرئاسة الحكومة أعلنت مورثي أنها ستبدأ دفع الضرائب في المملكة المتحدة على جميع دخل شركتها سواء داخل البلاد أو خارجها. 

ضغوط المعارضة 

يقول عمر إسماعيل، نائب رئيس حزب العمال عن دائرة هيرتيفودشير، إن التجاوزات المتلاحقة لقيادات المحافظين "أساءت للحزب الحاكم وللعمل السياسي بشكل عام في المملكة المتحدة".

ولفت إلى دراسات متخصصة تؤكد أن السياسة باتت من "المهن المكروهة أخيراً نتيجة الممارسات السلبية للمسئولين في الحزب الحاكم". 

وأوضح إسماعيل، في حديث مع "الشرق"، أن المعايير السبعة المتبعة في وصف المسؤولية والالتزام لدى ساسة بريطانيا، "لم تعد تنطبق اليوم على عدد كبير من قيادات حزب المحافظين المستمر في السلطة منذ عام 2010".

وأشار إلى أن ما يتداول اليوم حول المخالفات الضريبية لرئيس الحزب "ليس إلا أحد أمثلة كثيرة". 

وشدد إسماعيل على أن كير ستارمر "يتحرك من موقع قوة وهو يلاحق تجاوزات قيادات المحافظين، لأنه اتخذ موقفاً صارماً تجاه كل من كانت تدور حوله شبهة فساد في حزب العمال منذ توليه قيادة الحزب".

وأشار إلى أن الجهد الذي بذله ستارمر في هذا السياق "عزز من جاذبية المعارضة ورفع من رصيدها الشعبي". 

وأشار استطلاع للرأي، أجري في نهاية ديسمبر 2022، إلى أن شعبية حزب العمال فاقت المحافظين بقيادة ريشي سوناك بواقع 26 %، إذ بلغت نسبة تأييد العمال 45% مقارنة بـ 19% للحزب الحاكم، وفقاً للاستطلاع الذي شمل 1169 شخصاً بالغاً، وأجرته مؤسسة "بيبول بولينج" البحثية، لصالح قناة "جي بي" الإخبارية. 

التخطيط لما بعد الخسارة

الصحافي والباحث في الشأن البريطاني أحمد أصفهاني اعتبر أن سلسلة الفضائح المتلاحقة والأزمات، التي يعيشها حزب المحافظين منذ عام 2021، جعلت نسبة كبيرة من أعضائه وعدداً من قياداته يسلمون بخسارة الانتخابات العامة المقبلة، وبالتالي بات من الأفضل لهم التخطيط لمرحلة ما بعد وصول حزب العمال إلى السلطة. 

وأوضح أصفهاني، في حديث مع "الشرق"، أنه منذ حصول المحافظين على أكثرية برلمانية مطلقة في انتخابات 2019، يمارس عدد من قادة الحزب "نوعاً من اللامبالاة والاستعلاء، وكأنهم فوق القانون"، وهو ما قال إنه "راكم أخطاءً كثيرة، وخلق للحزب أزمات سياسية وشعبية كثيرة لم تنته، ولن يكون إصلاحها أمراً يسيراً". 

ورأى أصفهاني أن المحافظين سيحرصون على إصدار كثير من القوانين قبل موعد الانتخابات المقبلة، لأنهم باتوا يستشعرون خطر الخسارة ويريدون تكبيل الحكومة العمالية التي ستأتي بعدهم بتشريعات يصعب تغييرها. فيجعلون أداءها ضعيفاً، ويضمنون العودة بسرعة إلى السلطة بعد 5 سنوات من حكم العمال. 

وشدد أصفهاني على أن حكومة سوناك سوف تتحمل كل الأخطاء والعثرات التي وقع فيها الحزب خلال الأعوام الماضية. وبالتالي يمكن أن يكون ثمن ذلك تكليف شخصية أخرى بقيادة المحافظين في انتخابات عام 2024، وذلك من قبيل إقناع الشارع بأن الحزب "أدرك كبواته جيداً"، ويريد فتح صفحة جديدة مع البريطانيين. 

وبرأي أصفهاني، لن يكون بوريس جونسون قائد المحافظين في الانتخابات القادمة، إذ أن "رئيس الوزراء الأسبق بات وجهاً محروقاً لدى البريطانيين"، وإن كان يمتلك نفوذاً كبيراً داخل الحزب، مبيناً أن جونسون سيلعب دور "صانع الملوك" في الاستحقاق المقبل، لكن فرصة من يتزعم الحزب الحاكم "لا تبدو كبيرة ومشجعة أبداً".

تجدر الإشارة إلى أن جونسون خرج من السلطة في يوليو 2021، على خلفية ما بات يعرف بفضيحة " حفلات كورونا"، حيث شارك رئيس الوزراء الأسبق بحفلات في مقر رئاسة الوزراء خلال فترة الإغلاق العام التي فرضتها الحكومة البريطانية على الأفراد والشركات، لمكافحة وباء كورونا خلال عام 2020.

وخلف جونسون في السلطة النائبة المحافظة ليز ترس التي استقالت بعد أقل من شهرين على دخولها المنزل رقم عشرة في داوننج ستريت بالعاصمة لندن، بسبب قرارات اقتصادية خاطئة أدت إلى انهيار العملة المحلية. وخلفها، ريشي سوناك الذي دين مع جونسون في فضائح الحفلات عندما كان وزيراً للخزانة، ولكن نحو مئتي نائب من النواب المحافظين اختاروه لخلافة ترس على أمل أن ينقذ الحزب الحاكم والاقتصاد الوطني. 

اقرأ أيضاً:

Google News تابعوا أخبار الشرق عبر Google News

نستخدم في موقعنا ملف تعريف الارتباط (كوكيز)، لعدة أسباب، منها تقديم ما يهمك من مواضيع، وكذلك تأمين سلامة الموقع والأمان فيه، منحكم تجربة قريبة على ما اعدتم عليه في مواقع التواصل الاجتماعي، وكذلك تحليل طريقة استخدام موقعنا من قبل المستخدمين والقراء.