تقييمات عسكرية أميركية تحذر من حرب غير حاسمة مع إيران | الشرق للأخبار

تقييمات عسكرية أميركية تحذر من حرب "غير حاسمة": إيران مستعدة لتحمل "معركة بقاء"

نائب الرئيس يستطلع آراء قادة الجيش "سراً" مع تصاعد أزمة مخزونات الأسلحة

جنود أميركيون على متن حاملة الطائرات أبراهام لينكولن قبيل انطلاق عمليات قتالية في الشرق الأوسط. 28 مايو 2026 - Centcom
جنود أميركيون على متن حاملة الطائرات أبراهام لينكولن قبيل انطلاق عمليات قتالية في الشرق الأوسط. 28 مايو 2026 - Centcom

كشفت اتصالات مباشرة أجراها نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس مع قادة عسكريين أميركيين في الشرق الأوسط وأوروبا وآسيا، عن "مخاوف متزايدة داخل المؤسسة العسكرية الأميركية بشأن كلفة حرب إيران واستنزاف مخزونات الأسلحة الدفاعية، ولا سيما صواريخ "باتريوت"، فيما أظهرت التقييمات التي تلقاها فانس، أن طهران "مستعدة لتحمل قدر كبير من الأضرار في معركتها من أجل البقاء"، حسبما نقلت صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية.

وكان فانس، الذي عارض الحرب منذ اندلاعها وكلفه الرئيس دونالد ترمب بالمساعدة في إنهائها، "حريصاً على الاستماع مباشرة إلى التقديرات الشخصية للقادة العسكريين وتقييماتهم الميدانية، قبل أن تُدمج تلك الآراء في التقييم الشامل الذي يعدّه البنتاجون"، بحسب الصحيفة. 

وتناولت المحادثات مجموعة واسعة من القضايا المرتبطة بالحرب، من أهدافها وتكتيكاتها وتقديرات الخسائر، إلى ما قد تقدم عليه إيران في مضيق هرمز، ومدى قدرتها على التكيف مع مجريات الصراع، وحجم الأضرار التي تستطيع حكومتها تحمّلها. كما طلب فانس تفاصيل دقيقة عن الأسلحة والذخائر المتبقية في مخزونات القوات الأميركية، وكيف يمكن أن يؤثر نقلها إلى الشرق الأوسط على قدرة الولايات المتحدة على ردع الصين وروسيا وكوريا الشمالية.

وفي هذا الجانب تحديداً، تضيف "نيويورك تايمز"، كان القادة العسكريون صريحين بشأن مخاوفهم، وفي مقدمتها تراجع مخزونات صواريخ "باتريوت" الاعتراضية، التي تمثل ركيزة أساسية في منظومة الدفاع الجوي الأميركية.

وبحلول أواخر الربيع، كان مخزون أحد مسارح العمليات قد انخفض إلى أقل من 100 صاروخ. كما استنزفت الحرب مخزونات منظومات "أتاكمس" للصواريخ التكتيكية التابعة للجيش الأميركي، التي يصل مداها إلى 190 ميلاً، إلى جانب صواريخ "برسيجن سترايك" التي كان مقرراً أن تحل محلها. وأبلغ القادة فانس بأن مخزونات هذه الذخائر الحيوية "بلغت أدنى مستوياتها على الإطلاق".

وكشفت صحيفة "نيويورك تايمز"، في تقرير استند إلى مقابلات مع أكثر من ستة مسؤولين حاليين وسابقين، أن فانس خرج من بعض محادثاته مع القادة العسكريين وهو يحمل "مخاوف عميقة" بشأن الاستراتيجية العامة للحرب وآفاق نجاحها، وفقاً لأشخاص تحدثوا معه.

وأظهرت التقييمات، بحسب الصحيفة، "حجم الألم الذي كانت الحكومة الإيرانية مستعدة لتحمله في معركتها من أجل البقاء"، فضلاً عن "محدودية الأسلحة الدفاعية المتاحة للقوات الأميركية لصد الضربات الانتقامية الإيرانية، أو التعامل مع تهديدات محتملة في مناطق أخرى".

ونقل نائب الرئيس هذه الخلاصات إلى محادثاته الخاصة مع ترمب ودائرته المقربة. وفي الوقت نفسه، كان الجنرال دان كين، رئيس هيئة الأركان المشتركة، يطلع الرئيس خلال إحاطاته على مزيد من التفاصيل بشأن الضغوط التي تتعرض لها مخزونات الأسلحة الأميركية، وقدرة القوات الإيرانية على الصمود، وهي معلومات واجه ترمب في البداية "صعوبة في تصديقها".

آراء صريحة "غير منقحة"

وتُظهر روايات المسؤولين مجتمعة، كيف سعى فانس إلى الحصول على قدر أكبر من التفاصيل والدقة بشأن الحرب. كما تسلط الضوء على الأسئلة المثيرة للجدل بشأن طبيعة المعلومات التي يتلقاها ترمب بشأن الحرب، والجهات التي يحصل منها عليها.

 وبالنسبة إلى فانس، الذي كانت خبرته في الأمن القومي محدودة قبل توليه منصب نائب الرئيس، تُظهر هذه الاتصالات أيضاً مدى انغماسه حالياً في "حرب مكلفة وغير حاسمة"، قد تلقي بظلالها على أي حملة رئاسية محتملة له في انتخابات عام 2028.

وكان هناك تفاوت واضح بين التقييمات الخاصة القاتمة التي تلقاها فانس وما قاله كبار مسؤولي الإدارة، بمن فيهم الرئيس ونائب الرئيس، علناً.

فقد واصل ترمب الادعاء "بشكل غير صحيح"، حسبما تعتبر "نيويورك تايمز"، بأن الولايات المتحدة "انتصرت بالفعل في الحرب، وأن الجيش الإيراني دُمر، وأنه لا توجد مشكلات في إمدادات الأسلحة الأميركية". كما قلل فانس مؤخراً من أهمية فكرة أن الولايات المتحدة تخوض حرباً أصلاً.

وفي السر، أبدى ترمب غضبه إزاء التقارير الإعلامية التي تناولت تراجع مخزونات الأسلحة الأميركية، ووصف الصحافيين الذين ينشرون هذه المعلومات بأنهم "خونة".

وعقب نشر تلك التقارير، أخضع محققون حكوميون عشرات كبار الضباط في البنتاجون، لاختبارات كشف الكذب. كما أعرب مسؤولون آخرون عن مخاوفهم من أن يؤدي الكشف عن تراجع مخزونات الأسلحة، إلى إظهار ضعف أميركي أمام الصين وروسيا، اللتين تراقبان عن كثب قدرات الولايات المتحدة العسكرية.

وأُجريت اتصالات فانس بالقادة العسكريين بعلم ترمب ووزير الحرب بيت هيجسيث، والجنرال دان كين، ووزير الخارجية ماركو روبيو، الذي يشغل أيضاً منصب مستشار الأمن القومي، إضافة إلى سوزي وايلز، كبيرة موظفي البيت الأبيض، وفقاً لمسؤولين مطلعين مباشرة على الأمر.

وقال شون بارنل، المتحدث باسم البنتاجون، في بيان إن الوزير هيجسيث "سهّل الوصول المباشر إلى قادة مسارح العمليات أمام نائب الرئيس وغيره من كبار مسؤولي البيت الأبيض، لضمان حصول فريق الرئيس على جميع البيانات المتاحة بشأن العمليات الجارية في الشرق الأوسط".

وقال جوزيف هولستيد، المتحدث باسم الجنرال كين: "لا توجد فجوة في المشورة العسكرية المقدمة إلى الرئيس ونائب الرئيس ووزير الحرب". وأضاف: "رئيس هيئة الأركان المشتركة وهيئة الأركان والقادة الميدانيون على اتصال مباشر ومستمر، وتُسهم تقييماتهم العملياتية والاستراتيجية في صياغة الخيارات العسكرية والمشورة المقدمة إلى كبار المسؤولين".

من جانبه، قال ستيفن تشونج، مدير الاتصالات في البيت الأبيض: "بنى الرئيس ترمب فريق الأمن القومي الأكثر موهبة في التاريخ. والجميع يركزون بشكل كامل على ضمان حصول الرئيس على كل المعلومات التي يحتاج إليها لردع أعداء أميركا. والجميع يعملون بالتنسيق لتحقيق هذه المهمة".

وقال لوك شرودر، السكرتير الصحافي لفانس: "نائب الرئيس ممتن لشراكة الوزير هيجسيث والجنرال كين. وهو يعتبرهما زميلين لا غنى عنهما في تقديم المشورة للرئيس وتنفيذ قراراته".

مشاورات عسكرية في "دائرة صغيرة"

قبل بدء حرب إيران في 28 فبراير الماضي، كان هيجسيث والجنرال كين قد حصرا التخطيط في دائرة ضيقة للغاية من الضباط في البنتاجون والقيادة المركزية الأميركية "سنتكوم"، بدافع الحفاظ على أمن العمليات، ومنع أي تسريبات محتملة.

واستُبعد مسؤولون رئيسيون، بينهم وزيرا الخزانة والطاقة، من اجتماعات التخطيط التي سبقت الحرب.

وأبقى هذا التكتم القادة العسكريين في أنحاء العالم، إلى حد كبير، خارج دائرة المعلومات حتى نحو أسبوع قبل بدء القصف، عندما تلقوا رسائل سرية من البنتاجون، تأمرهم بنقل ذخائر محددة وبكميات معينة إلى القيادة المركزية الأميركية، التي تتولى إدارة العمليات في الشرق الأوسط. ولم تتضمن الرسائل أي تفسير، ولم يكن القادة بحاجة إليه.

وبدأت جهود فانس لجمع مزيد من المعلومات عن الحرب في وقت مبكر. فبعد أيام من اندلاعها، أبلغ زملاءه بأنه يريد إحاطات أكثر تفصيلاً تساعده على تكوين آرائه وتقديم مشورة أفضل إلى ترمب.

أما الجنرال كين، فكان يرى، وفق "نيويورك تايمز"، أن مهمته تتمثل في تقديم خيارات عسكرية غير منحازة إلى الرئيس، "لا الدفاع عن خيار بعينه". وكان يعمل على تفسير نوايا ترمب واقتراح السبل الكفيلة بتحقيقها، مع توضيح التداعيات الثانوية والمخاطر والآثار المحتملة لكل خيار.

لكنه لم يكن يوجه الرئيس إلى الخيار الذي ينبغي اعتماده، وفق مسؤولين مطلعين مباشرة على إحاطاته. وفي المقابل، سعى نائب الرئيس إلى التواصل مع ضباط عسكريين في الميدان للحصول على آراء وتوصيات صريحة وغير منقحة، ثم كان يدمج ما يسمعه في مشورته الخاصة للرئيس.

ولم تكن معارضة فانس للحرب سراً داخل البيت الأبيض. ففي الأسابيع التي سبقت 28 فبراير، عارض العملية خلال اجتماعات في المكتب البيضاوي وغرفة العمليات، وأثار ذلك أحياناً انزعاج ترمب الشديد، وفقاً لمسؤولين ناقشوا الأمر مع الرئيس. لكن بعد أن حسم ترمب قراره، دافع فانس عن العملية علناً، بما في ذلك خلال مقابلات تلفزيونية اتسمت بالتوتر.

جهود دبلوماسية

كما أصبح نائب الرئيس الوجه العلني للجهود الدبلوماسية، إذ أدار سلسلة من المحادثات أفضت إلى "مذكرة التفاهم" في يونيو الماضي. وانتهت مهلة الستين يوماً في أغسطس دون التوصل إلى اتفاق، فيما بدا أن الطرفين أصبحا أبعد عن التسوية مما كانا عليه عند بدء المفاوضات.

ولم يكن ترمب قد أخذ بجدية احتمال استمرار الحرب لفترة طويلة بما يكفي لاستنزاف المخزونات الأميركية. فقد كان قد خرج لتوه من نجاح الضربة العسكرية السريعة التي أسفرت عن اعتقال الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو، كما أعجب بالطريقة التي تعاونت بها الولايات المتحدة وإسرائيل في مهاجمة المواقع النووية الإيرانية على مدى 12 يوماً في العام السابق. وقبل شن حرب إيران، كان يتوقع "سراً"، بحسب "نيويورك تايمز" انهيار الحكومة الإيرانية خلال أيام.

وبينما كان فانس يجري اتصالاته، استمر القتال لفترة أطول بكثير من فترة الأسابيع الستة تقريباً التي كان مخططو "البنتاجون" قد حددوها في البداية للحملة العسكرية. 

ولم يعتقد كبار مستشاري البيت الأبيض، باستثناء نائب الرئيس، أن لديهم فهماً واضحاً بما يكفي لمدى تأثير الضربات في حسابات الحكومة في طهران.

وبحلول أبريل، أصبح بإمكان ترمب رؤية أن الحرب لا تسير بالطريقة التي كان يأملها. فأذن لفريقه، الذي ضم فانس وصهره جاريد كوشنر والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف، بالبدء في البحث عن إطار للتفاوض وإبرام اتفاق مع إيران لإنهاء الصراع، على أن يبقى حكام البلاد في السلطة. ولم يتمكن المسؤولون المطلعون على الاتصالات مع القادة من تحديد الدور الذي ربما لعبته نتائج فانس في تحول الرئيس نحو الدبلوماسية.

اتصالات فانس

وتواصل فانس مباشرة مع الأدميرال براد كوبر، قائد القوات الأميركية في الشرق الأوسط، إلى جانب ضباط في أوروبا وآسيا، وهما مسرحان لا يشاركان بصورة مباشرة في حرب إيران، لكن جرى سحب أسلحة ومعدات منهما لدعم العمليات في الشرق الأوسط.

وكان من أبرز محاوري فانس سراً الأدميرال صامويل جي بابارو الابن، قائد القيادة الأميركية في المحيط الهادئ، والمسؤول عن جميع الأنشطة العسكرية الأميركية في منطقة تعمل فيها الصين على توسيع نفوذها وتحدي التفوق الأميركي بشكل مباشر.

وكان بابارو يمتلك خبرة مرتبطة مباشرة بحرب إيران، إذ سبق أن أشرف على العمليات البحرية الأميركية في الشرق الأوسط والبحر الأحمر والخليج العربي. 

واكتسب فانس داخل إدارة ترمب سمعة بسبب انخراطه في التفاصيل العملياتية، وهي عادة يقدّرها بعض المسؤولين، فيما يرى آخرون أنها تدفعه إلى الغرق في التفاصيل الصغيرة. وبينما يتخذ ترمب أسلوباً في اتخاذ القرار يدفع حتى مساعديه إلى التكهن بكيفية توصله إلى قراراته، يتابع فانس بصورة مكثفة التفاصيل اليومية، بما فيها العمليات العسكرية، والديناميكيات الداخلية للنظام السياسي الإيراني، ومصادر التقييمات الاستخباراتية.

وأتاح مدير وكالة الاستخبارات المركزية CIA، جون راتكليف، لفانس وصولاً مباشراً إلى محللي الوكالة. ويعرف نائب الرئيس بعضهم بأسمائهم الأولى، ويتصل بمكاتبهم للاستفسار عن معلومات استخباراتية أولية أو تفاصيل وردت في إحاطاته الصباحية، وفقاً لمسؤولي استخبارات.

واستجابة لطلب نائب الرئيس مزيداً من التفاصيل، كلف هيجسيث مكتب الاستخبارات البحرية بإعداد تقارير يومية لفانس بشأن مضيق هرمز، وهي التقارير التي يتلقاها الآن أيضاً كبار مساعدي ترمب الآخرين، وفقاً لمسؤولين كبار في البنتاجون.

وتتضمن هذه التقارير معلومات عن السفن التي تعبر المضيق، وأعلامها، وشحناتها. كما يرسل الجنرال كين إلى فانس إحاطات مسبقة وملخصات مفصلة للضربات الأميركية، بالمستوى نفسه من التفصيل الذي يُقدم عادة إلى الضباط المسؤولين عن إدارتها. ويُعرف عن كين نفسه تواصله المباشر مع كبار مسؤولي وكالة الاستخبارات المركزية، بمن فيهم رؤساء المحطات في مناطق الصراع، للحصول على تقييماتهم الميدانية، وفقاً لمسؤولين.

لكن هذا المستوى من الوصول إلى المعلومات يظل استثناءً، بحسب "نيويورك تايمز"، إذ لا يزال معظم كبار المسؤولين يواجهون صعوبة في الحصول على معلومات تفصيلية بشأن مجريات الحرب.

تصنيفات

قصص قد تهمك